كاسل الحضارة والتراث Written by  أيار 07, 2021 - 184 Views

الأصول ما قبل التاريخية للعبادات الهجينية(الجزء الثاني)

Rate this item
(0 votes)

بقلم - ياسر الليثي

 باحث انثروبولوجيا ما قبل التاريخ

يشير مصطلح التهجين أو العبادة الهجينية في عصور ما قبل التاريخ إلى  خلط عناصر من طبائع مختلفة أدت إلى ظهور كائن لاهوتي أو منتج تقافي جديد و هو ما لقي دائما صداه في الإبداع الفني و الرسوم الصخرية و المنحوتات الحجرية, حيث كان دائما الفن إنعكاساً للدين و تجسيد له في عالم الحواس ، حيث تم تقديم التهجين او العبادة الهجينية كآلية تسمح لإنسان تلك العصور بالاتصال والعبور إلي تقنيات و أبعاد مختلفة لإثراء وتوسيع الأفق الإبداعي له من أجل محاولة معرفة الغامض و حل شفرة طلاسم الحياة و الموت,  و هو الأمر الذي  شكل النواة الاولي لمعظم الفكر الفلسفي الذي أنتجتة البشرية بعد ذلك في العصور التاريخية اللاحقة.

لقد استخدمت ثقافات وحضارات ما قبل التاريخ الصورة الهجينية بين ما هو بشري و ما هو حيواني  كرمز إلى القوة التي قد تمكنهم من مواجهة الطبيعة و مواجهة الخوف من ما هو غامض مثل الموت , وهكذا فقد حاولت تلك الثقافات إستخلاص بعض القوي الحيوية من الحيوانات و دمجها بالقوي الحيوية للإنسان ، سواء كانت عملية الدمج و التهجين في الجزء الحيوي بالوعي  أو في الجزء الخاص في اللاواعي ، ومثلتهم حسب علاقتهم الودية طارة ثم علاقتهم العدائية أثناء المطاردة والمواجهة تارة أخري, من أجل خلق شكل حيوي جديد قادر علي تحدي تلك المخاوف.

 حري بالذكر أن الرجل البدائي ركز فكره الفردي عند صناعة الشكل الهجيني على الحيوانات البرية المتوحشة بالذات ( فكرة الوحش ) ، لأن السياق الفلسفي و الديني كان كذلك. فالحيوان الحر الطليق يشير إلى البرية ، يشير إلي ذلك الجامح والمجهول ، يتمتع بتشريح جسماني مرعب ، قوي ،  يصدر أصواتاً مُبهمة ، متغير في أشكاله وألوانه ، يختلف عن الإنسان و و لكن و بالرغم من كل ذلك فأن دوراتهم البيولوجية و الحياتية متشابهة, الأمر الذي أدي إلي المحاكاة و إتحاد الصفات و القوي الحيوية بين الطرفين, تستند تلك المحاكاة بالمعنى الأفلاطوني إلى التناقض بين العالم المعقول والعالم الفائق.

لقد اُعتبر الحيوان دليلاً للبشر خاصة فيما يتعلق بالهجرة و البحث عن مصادر جديدة للماء و الحياة و الهرب من المجاعة و الفناء , و لذلك اعتقد إنسان ما قبل التاريخ أن نفس الحيوان سيكون دليلاُ لما بعد الموت, و قام بإستخدام طاقتة الحيوية و مزجها مع طاقة الإنسان في شكل ألهه هجينة ، الأمر الذي سمح للإنسان البدائي شرح تلك الأشياء التي خرجت من مستوى فهمه , و من أجل ذلك رغب إنسان ما قبل التاريخ في تجريد الطاقة الحيوية للحيوان و إستخلاصها لنفسة و دمجها مع قواه الحيوية من أجل مواصلة  البقاء على قيد الحياة في الدنيا و مواجهة ما هو غامض و مُشفر فيما بعد الموت.

من جهة أخري يري بعض الأنثروبولوجيون في تمثيل العصر الحجري القديم للعبادات الهجينية ، مفاتيح أو رموز تتعلق بمراحل  إكتمال القمر أو الدورة اليومية للشمس و لذلك فقد تم إغفال (عن عمد) بعض رؤوس الأبقار و أو قرونها في الرسوم الهجينة كطريقة لتمثيل المراحل المرئية للقمر بيانياً ، أي كوسيلة للتمثيل إلى القمر الجديد (لاكال ، 1998: 273).

 نستخلص من كل ذلك أن في مجتمعات ما قبل التاريخ تم تعظيم القوة الحيوية للحيوان و استخدامها كتجربة و كأداة  لكشف أكثر الاشياء غموضاً للإنسان ألا و هو الموت, فبشكل طقسي تم أستخدام  القوي الحيوية الحيوانية المدموجة أو المهجنة مع القوة الحيوية البشرية ، من بين أمور أخرى ، من أجل التنقل و الأنتقال بصورة سحرية بين الحياة والموت رغبة في كشف سرة و حل طلاسمة, و بناءًعلى هذه القاعدة تم ظهور المعاني و الأفكار التي وسعت بشكل تدريجي المعرفة الأسطورية حول العالم و التي صبت بعد ذلك  في مركزين ثقافيين رئيسيين إبان فترة بداية التاريخ الكتابي و هما حضارة سومر و حضارة مصر القديمة , حيث توارثت العبادة الهجينية و ظهرت بقوة في معتقداتهم,علي سبيل المثال كان لأبي الهول ، روح الفرعون الواقية ، إتحاداً لقوتين حيويتين هما الأبرز علي الأطلاق, قوي الحكمة متحدة مع قوي الجموج  فالجزء العلوي لرأس إنسان و الجزء السفلي من جسد أسد, كما  كانت تاويرت ، إلهة الخصوبة وحامية الحمل المصرية ، تتكون من أجزاء من جسد امرأة و فرس النهر  مع كفي أسد وذيل تمساح.

 لكل هذا يمكننا اعتبار العبادات الهجينة القديمة ,و التي شكلت جزءاً هاما من ديانات الحضارات , على أنها أفكار و طقوس و عبادات ذات اصول ما قبل تاريخية , تبلورت و لمعت بشكل كبير في الحضارات الكبري مثل حضارات سومر و مصر القديمة , بينما بقيت بقايها الطوطمية حتي يومنا هذا في الشعوب الأصلية في إفريقيا و أستراليا و الأمريكتين.

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.