كاسل الحضارة والتراث Written by  حزيران 10, 2021 - 180 Views

الفن الصخري المصري و أبعاده الأفريقية و الأقليمية

Rate this item
(0 votes)

بقلم  ياسر الليثي

الباحث الأنثروبولوجي

تشكلت معظم الفنون الصخرية للحضارات الأفريقية في شمال إفريقيا إبان فترة العصر الحجري الحديث  من كل الإنجازات المادية والفكرية والروحية للمجتمعات التي عاشت في الشافانا القديمة و التي أختفت بعد ذلك مع مرور الزمن، إلا أنها لا تفنى كليا، بل تقاوم من أجل البقاء لتكون شاهدة على التطور الثقافي والتقني للإنسان الشمال إفريقي على مر العصور، منها ما هو مازال موجود على سطح الأرض كمواقع الفن الصخري والمعالم الجنائزية وورشات صناعة الأدوات الحجرية، و بقايا البنايات القديمة  ..، ومنها ما هو مدفون تحتها كبقايا عظام الإنسان والحيوان وغيرهما…، ولأن دراسة الماضي و الاستفادة من تجاربه على اختلافها وتثمين كل العناصر الثقافية المادية، تعد حاجة ملحة لوضع استراتيجيات تنموية مبنية على أسس علمية أنثروبولوجية، انطلاقا من نافدة الجرد والتوثيق والتنقيب والتسجيل في الفهرس و المدونات العلمية.

 ويعد الفن الصخري من أهم مؤشرات الاستيطان البشري القديم بمصر و الذي يعكس التطور الثقافي والحضاري للمجموعات البشرية المتعاقبة على الأماكن الصحراوية وشبه الصحراوية والمرتفعات، وهو ما يعطي لمصر وعمقها الإفريقي أصالة عريقة، لكونه يحمل بعدا تراثيا لا مادي رمزيا لازالت ملامحه مستمرة في بعض المناطق إلى اليوم، وفي الوقت نفسه تراثا ماديا غنيا وثريا من حيث المواضيع والأشكال التي يمكن استقراؤها وتحليلها وتركيبها لكونها تشكل سجلا من الماضي وثق على صفحاته الإنسان القديم أنماطه المعيشية وطقوسه اليومية و كذلك طقوسة الدينية و التي ورثها بعد ذلك لأحفاده من سكان وادي النيل , و التي كانت النواة الثقافية الأولي التي بُني عليها واحدة من اقوي و أشهر العقائد الفلسفية الدينية في مصر القديمة إبان فترة حكم الأسرات.

وبناء على ذلك، فإن تحديد التمركزات الكبرى للفن الصخري بمصر كان مسألة ضرورية لدراسة خصوصياتها الطبيعية والبيئية لرصد تطور المجموعات البشرية وعلاقة المناخ بالهجرات البشرية المتتابعة قديما،

 ونتيجة لتراكم الدراسات الميدانية استطاع الباحثون تحديد  أهم مواقع الفن الصخري فى مصر منطقة الجلف الكبير،حيث يقع كهف السباحين في وادي سورا جنوب غرب مصر بالقرب من الحدود الليبية،حيث تم اكتشاف الكهوف من قبل المستكشف الهنغاري László Almásy في أكتوبر 1933، ويحتوي الكهف D على لوحة ممتدة من الماشية والشخصيات النسائية ومجموعة من الرماة , ويحتوي "كهف F" في جزء من صخرة كبيرة منفردة على العديد من اللوحات والنقوش التي تصور الشخصيات البشرية والزرافات، ومع ذلك، لا تزال العديد من المواقع الصخرية في المنطقة غير مستكشفة، وحتى الآن لم يتم إجراء سوى القليل جدًا من الأبحاث الأثرية.
كما تنتشر الرسوم الصخرية بجنوب سيناء،ولكن لا توجد دراسات متخصصة بشأنها حتي الان،وهذه الرسوم يمكن تقسيمها من حيث العصر إلى رسوم تعود إلى العصور الحجرية من 10 آلاف عام إلى 3 آلاف عام قبل الميلاد،مثل التى توجد فى مناطق بهضبة التيه،ورسوم مواكبة للحضارة المصرية القديمة،ورسوم مرتبطة بفترة الحضارة النبطية ثم العصر الرومانى"من القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن السادس الميلادى , كما يمكن تقسيمها من حيث الموضوع إلى رسوم صيد تصور صيد الحيوانات البرية بواسطة الإنسان،حيث غالبا ما يصور ممتطيا جمل أو حصان مستعينا بكلب فى عملية الصيد أو ممسكا بقوس أو رمح , ورسوم تصور معارك وقتال بين أشخاص أو جماعات، ورسوم تصور حيوانات من البيئة المحلية الصحراوية، ورسوم تصور قوافل التجار ورسوم طوطمية لها غرض دينى، ورسوم شامانية وتتعلق بالطب او السحر كما تنتشر رسوم خاصة بالقبائل , كما يمكن تقسيم الرسوم من حيث طريقة إعداد الرسم سواء بالحز او الكحت أو الطرق أو بالرسم باستخدام ألوان،كما يمكن تقسيم الرسوم من حيث الوصف سواء كان الرسم إطارى أو مصمت أو عودى.

والأكيد أن السنوات الأخيرة نال فيها التراث الصخري اهتماما كبيرا من طرف الجامعات المصرية و خاصة جامعة القاهرة العريقة من خلال فسم الأنثروبولوجيا بكلية البحوث و الدراسات الأفريقية و جهود البروفيسور الكبير سعد بركة و الدكتور محب شعبان و الدكتور تامر جاد في تطوير مناهج  بحث أنثروبولوجيا ما قبل التاريخ, و كذلك من طرف مؤسسات البحث و النشر و الأعلام العلمي مثل كاسل الحضارة و التراث برعاية الدكتور الكبير عبد الرحيم ريحان مما خلق تراكما لا ّبأس به في هذا المجال، من خلال عمل و نشر العديد من الأبحاث الميدانية المنجزة والتي سمحت بتكوين رصيد معلوماتي كبير عن مواقع الفن الصخري المصري وما تزخر به من عناصر ثقافية مادية سطحية، لازال الكشف عن جزء منها في بدايته، ومن شأن التطور التكنولوجي وتوظيفه في عملية التوثيق والجرد والدراسة والمقارنة أن يحقق نتائج علمية هامة، خاصة إذا ما تم الاستعانة ببعض العلوم المساعدة كالجيولوجيا والجيومرفولوجيا وعلم المناخ القديم وهي تخصصات دقيقة تدعم نتائج الأبحاث الأثرية.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.