كاسل الحضارة والتراث Written by  تموز 03, 2021 - 191 Views

أهمية شمال إفريقيا لدارسات علم ما قبل التاريخ

Rate this item
(0 votes)

بقلم -  ياسر الليثي

باحث أنثروبولوجيا ما قبل التاريخ

عندما نشير إلي مصطلح شمال أفريقيا فإننا نشير إلي  تلك المساحة العملاقة الممتدة بين مجموعة دول البحر المتوسط الواقعة في المنطقة الأكثر شمالا من القارة الأفريقية , و مصطلح "شمال أفريقيا" يعرف أحيانا بأنه تلك الأراضي التي تمتد من الشواطئ الأطلسية في الغرب حتي قناة السويس والبحر الأحمر في الشرق , و تمتاز منظقة شمال أفريقيا بثلاثة نطاقات جغرافية رئيسية هي:  نطاق الصحراء الكبرى في الجنوب، و نطاق جبال الأطلس في الغرب، و نطاق وادي نهر النيل والدلتا في الشرق , و هناك الكثير مما يميز منطقة شمال أفريقيا تاريخيا و و جغرافيا و مناخيا و طبيعياً و كل كان له تاثيره علي أشكال  و اطوار الحياة بسبب ذلك الحاجز الطبيعي الذي أنشأته الصحراء لفترة طويلة من التاريخ منذ 3500 قبل الميلاد إبان نهايات العصر الحجري الحديث، في أعقاب التصحر المفاجئ في الصحراء الكبرى بسبب التغيرات التدريجية في مدار الأرض، هذا الحاجز يفصل ثقافيا الشمال عن بقية القارة منذعصور ما قبل التاريخ , فنظرًا للأصل الأفريقي للإنسان الحديث، فإن تاريخ شمال إفريقيا ما قبل التاريخ مهم للغاية لفهم تاريخ الإنسان وأوائل نشأة و إرتقاء التاريخ البشري القديم والحديث في إفريقيا , و لذلك أفترض عدد كبير من الأنثربولوجيون أن  منطقة شمال إفريقيا كانت  بمثابة نقطة خروج للإنسان الحديث الذي خرج أولاً من القارة في الهجرة خارج إفريقيا و أنتشر إلي باقي أنحاء العالم.

و قد ترك السكان الأوائل في وسط شمال إفريقيا وراءهم بقايا كبيرة على سبيل المثال، تم العثور على بقايا مبكرة من  الوجود البشري في شمال إفريقيا في عين الحنش في الصحراء الكبري  (حوالي 200 ألف قبل الميلاد) وقد وجدت الأبحاث الحديثة  الكثير من العلامات التي  تشير إلى تاريخ يصل إلى 1.8 مليون قبل الميلاد , كما العثور في جبل إرهود في المغرب على بقايا بشرية تحتوي على بعض أقدم بقايا الإنسان العاقل.

وتصور الرسوم الصخرية التي تم العثور عليها في طاسيلي نجير، شمال تمنراست، الجزائر، و الاكاكوس بليبيا و الجلف الكبير بمصر وفي مواقع أخرى  عديدة بشمال إفريقيا مشاهد نابضة بالحياة الحيوية خلال فترة العصر الحجري الحديث (حوالي 8000 إلى 4000 قبل الميلاد) قبل التصحر السريع للصحراء و الذي حدث  حوالي 3500 سنة قبل الميلاد، و يرجح العلماء إلي أن السبب الرئيسي في ذلك يرجع  إلى حد كبير إلى حدوث ميل في مدار الأرض خلال الفترة الرطبة من العصر الحجري الحديث (ما بين 9000 و  عام 2500 قبل الميلاد)، فقد كانت الصحراء الكبرى مكسوة بالعشب وتصلح لأن يستوطنها و يعيش بها البشر والحيوانات مثل النعام و الزرافات و الفيلة و الظباء,  كما ساعدت وفرة المياه وبعض البحيرات الكبيرة هناك على وجود حياة للأسماك و التماسيح و فرس النهر, فقد ساعدت هذه الظروف الحياتية الجيدة صيادي البراري وفيما بعد الرعاة على بناء الأكواخ والمساكن في مختلف هضاب وأراضي الصحراء المرتفعة الخصبة , و لكن و مع الاسف بحلول عام 2500 قبل الميلاد، أصبحت الصحراء، باستثناء نهر النيل، أرضا قاحلة بسبب التغير المناخي الكبير,  فلم تعد تصلح أن يسكنها بني البشر و لا الحيوانات إلا القليل ممن أستطاع التكييف مع الوضع الجديد الطاريء ,ولكن ذلك الماضي الأخضر و الخصب  لم يبقي منه سوي ما سجلته يديد الفنان القديم من خلال الرسومات والنقوش الصخرية التي تركها لنا مجسدة على الصخور عبر بقاع الصحراء, فعلى تلك الصخور تكونت الرسومات الصخرية الجميلة للأشكال البشرية و اصبحت سجلاً مرئيا لمعتقدات و طقوس وممارسات و ثقافات سكان شمال أفريقيا الأقدمون خلال فترات تكيفهم مع بيئتهم المتغيرة واكتسابهم لأدوات وعادات جديدة, فأكثر من نصف الفنون المنقوشة على الصخور الصحراوية توجد في منطقة طاسيلي ناجر بالجزائر , وتوجد مواقع أخرى في الصحراء الليبية و جنوب بصر بهضبة الجلف الكبير, فقد تم إكتشاف على ما يزيد علي 30 ألف موقع إلى حد الآن, وأصبح تحديد تاريخ تلك الرسومات والنقوش موضع نقاش ساخن بين العلماء رغم أنهم يتفقون عموما على أنه يمكن تقسيم تلك الحقبة إلى أربع حقب رئيسية متتالية بناء على أسلوب ومحتوى الرسومات و هذا ما وضحناه قبل ذلك في سابق المقالات.

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.