كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين1 27, 2019 - 247 Views

عالم باليوأنثروبولوجي مصري يكتشف أصول أبو الهول في حقبة نهايات العصر الحجري القديم

Rate this item
(0 votes)

كتب د. ياسر الليثى

متخصص باليوأنثروبولوجى

فرضت الحضارة المصرية القديمة نفسها على موائد البحث والتنقيب كونها واحدة من أقدم حضارات الكون، كما استطاعت أن تتصدر اهتمامات وشغف المئات من علماء العالم بشتى جنسياتهم، وكانت محط أنظار الباحثين في الشرق والغرب على حد سواء طيلة العقود الماضية ليس فقط لشهره و عراقة الحضارة الفرعونية و لكن لثراء وتميز أثار ما قبل التاريخ في مصر.

وبالرغم من مصرية تلك الحضارة، جغرافياً وتاريخياً، إلا أن العلماء الأبرز في دراسة الأنثروبولوجيا الأركيولوجيه وهو أحد فروع علم الأنثروبولوجيا العامة الذي يختص بدراسة ما قبل التاريخ المصري القديم من نقوش و رسوم ملونة وفنون وديانة وحفريات، هم أجانب ,هذا هو الواقع، كما يؤكد باحثون وأساتذة الآثار المصريون حتي ظهر في الأونة الأخيرة جيل من علماء الانثروبولوجيا الأثرية المصريين علي رأسهم الدكتور خالد سعد رئيس إدارة أثار ما قبل التاريخ بوزارة الأثار المصرية و الذي قام من خلال منهج الوصف التحليلي بإكتشاف الأصول الماقبل تاريخية لإحدي الرموز التاريخية في فترة الأسرات ألا وهو تمثال أبو الهول  في كهف وادي صورا و هو إحدي كهوف هضبة الجلف الكبير بجنوب غرب مصر.

 كان لي من الحظ الوفير العمل مع البعثة الأثرية برئاسة العالم المصري خالد سعد في محمية الجلف الكبير و التي تقع بالجزء الجنوبى الغربى بمحافظة الوادى الجديد، على مساحة 48 ألفًا و523 كيلومترًا مربعًا، وتبعد عن القاهرة‏ 1600‏ كيلو متر، وتقع على الحدود الليبية السودانية‏، وأُعلنت محمية طبيعية فى عام 2007 وتضم سهولا شاسعة للكثبان الرملية والكهوف التي تعود لعصور ما قبل التاريخ، وهذه السهول تقع ما بين هضبة الجلف الكبيروجبل العوينات، وتضم صخورا رملية نوبية وفوهات بركانية قديمة ومناطق جبلية ووديانا عميقة وسلاسل بحر الرمال الأعظم الممتدة طوليا من الشمال إلي الجنوب، وتحتوي المنطقة علي حقول النيازك التي تفاعلت مع الأرض مكونة أكبر حقل نيازك في العالم، وتوجد السيليكا الزجاجية الفريدة من نوعها.

 أثناء عمل الدراسة التحليلية للبعثة المصرية للرسوم الباليوتية المصرية و التي تعود ل 9000 قبل الميلاد, لفت إنتباه دكتور خالد سعد   إحتواء كهوف وادي صورا علي القدر الأهم من الرسوم الملونة  بينما بقیة الكهوف خالیه تقریبا من الرسوم سوي في بعض الأماكن توجد بعض الرسوم القلیلة ولكن غالبیتھا إختفي نظرا لسقوط القشرة الحجریة التي كانت تحتوي علي الرسوم والتي تعرضت معظمها للتلف نظرا للعوامل الجویة والمعاملة الجائرة من بعض الزائرین لنقوش تلك الكهوف.

 كان هناك الكثير من الملاحظات الأثرية و لكن الجدیر بالذكر هنا كان ملاحظة عالم الأثار المصري وجود الرسوم الخاصة بالهيئه الحیوانیة فاقدة الرأس بشكل لافت للنظر في الثلاث كهوف الرئیسیة والتي إحتوت علي مناظر ھذه الھیئة الحیوانیة بطریقة تكاد تكون واحدة طبقا لرغبة الفنان في ترتیب المنظر المراد, فحجم الجسد في ھذه الھیئة یكاد یقترب من الأسد غیر أن الزیل یظھر أحیاناً بشكل أقصر نسبیاً , وتظھره الرسوم أحیاناً بقدمان أحدھم امامیة وأخري خلفیة, وتظھر ھذه الھیئه الحیوانیة في غالبیة الرسوم فاقدة الرأس غیر أنھا تظھر نادراً وقد ظھر لھا رأس أشبه بأسد ذو رأس یكتنفھا الشعر الكثیف  حول الرأس , وتتمیز ھذه الھیئة الحیوانیة بوجود الشكل البشري أمامها في العدید من الأوضاع , والتي منھا واقفاً یشیر بیده اليسري  الي ھذه الھیئة الحیوانیة أو یظھر خلفھا مشیراً ایضا بیده الیسري أو بالجري تجاه ھذه الھیئة حتي یكاد یقترب منھا جداً , ثم تظھر مناظر الھیئة البشریة وقد قفزت بقدمیھا داخل ھذه الھیئة الحیوانیة في المكان المخصص بالرأس (فتحة الرقبة) وتكون الهيئه البشریة فاردة الزراعین وحول الھیئة الحیوانیة مجموعة من الأشخاص یمسكون بأیدي بعضھم البعض في حركة شبه دائریة حول ھذه الھیئة الحیوانیة.  وتبدأ فرضیة الباليوأنثروبولوجي المصري لتفسیر ھذه الإحتفالیة أو الطقسة بوجود الھیئة الحیوانیة فاقدة الرأس واقفة علي أقدامھا ویقف أمامھا إنسان ما ( ربما هو المختار أو الزعیم ) مشیراً بیده الیسري معلنا بدایة الطقسة أو الإحتفال  ثم یقوم هذا الزعيم بالجري في إتجاه ھذه الھیئة الحیوانیة فاقدة الرأس في الوقت الذي تجري فیه ھذه الھیئة الحیوانیة بالجري تجاھه منتصبة الذیل  ثم یقوم الزعیم أو المختار بالوثب داخل الھیئة الحیوانیة فاقدة الرأس بحیث یدخل ھذه الھیئة بكلتا قدمیه وتصوره المناظر مھلالاً أو مبتھجاً بنجاحه وبعد ذلك یقوم الإنسان الزعیم أوالمختار بضم یدیه بعد دخوله ھذه الھیئة الحیوانیة بشكل یضع یده خلف رأسه كما لو كان یرید الدخول بطریقة تجعل رأس الإنسان تحل محل رأس الھیئة الحیوانیة فاقدة الرأس وتظھر ھذه الھیئة بعد ذلك بطریقة أقرب إلى إكتمال رأسھا وفي ھذه الحالة قد تقترب من شكل الأسد.

و في ذلك يقول العالم المصري دكتور خالد سعد أن ذلك يعد مقبولاً في الفكر الدیني البدائي لدي المجتمعات البدائیة التي ظھرلديها إرتباط الإنسان بالأسد من خلال بعض أعمالھم الفنیة حتي أصبحت فكرة التوحد بظھور الھیئة الحیوانیة لجسد الأسد وبرأس الأنسان أمراً مقبولا لاحقاً في الدیانة المصریة القدیمة لیأخذ أحد صور الإله حور آخت مثلما تجسد خفرع في تمثال أبو الهول الشهير.

هذا الإكتشاف المهم و غيره الكثير في مجال أثار ما قبل التاريخ يعتبر إضافة كبيرة لمجال السياحة المصرية, ولذلك فإنه يتتطلب اهتمام الدولة المصرية على أعلى المستويات بالعلم والتخطيط والعمل القائم على خبرات أثبتت نجاحاتها فى تخصاصتها  إيمانا بدور المؤسسات الوطنية كإدارة أثار ما قبل التاريخ فى مساندة الدولة لتحقيق أهدافها التنموية و السياحية، خاصه و أن الدول التى نجحت فى تخطى مشاكلها الاقتصادية استعانت بالعلم ، ومصر تمتلك من العقول  ما يتمتع بقدرات إبداعية هائلة للقضاء على الأزمات التي تواجهها، إضافة إلى أن من يملك العلم يستطيع وضع الخطط المثلى لاستغلال الموارد استغلالا أمثل لتحقيق التنمية الحقيقية في المجال الأثري و السياحي.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.