كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين2 23, 2019 - 172 Views

أنظمة الإضاءة في العصر الحجري القديم

Rate this item
(0 votes)

كتب د.ياسر الليثي

باحث باليوأنثروبولوجي

إن إستكشاف و إختيار الكهوف المناسبه الصالحه للمعيشه و التعبد و التقرب من الطبيعه و للقيام بالشعائر الدينيه في ذلك الوقت ، يجب أن يكون واحدا من أهم أهداف أسلافنا الذين عاشوا في العصر الحجري القديم.

و لكن بعد مرحله إختيار الكهف المناسب كانوا يعانون من مشكله كبيره و هي إن  الضوء الطبيعي يصل فقط إلى الأجزاء الأقرب من مدخل الكهف بينما كان الكهف من الداخل و هو الجزء المهم طقسيا لهم كان يعمه  الظلاام الدامس ، و بما أن الحاجه دائما هي أم الإختراع فقد قام إنسان تلك العصور من الإبتكار لحل تلك المشكله .

هناك أدلة أثرية توفر لنا إمكانية معرفة إنسان العصر الحجري القديم بأنظمة الإضاءة والتي استخدمها هذا الإنسان لاستكشاف و إناره تلك الكهوف من الداخل ، وبدونها كان سيكون من المستحيل بالنسبة له الوصول إلى أماكن بعيدة مظلمه في داخل الكهوف.

وفقًا للأدلة الموجودة ، يمكننا التمييز بين طريقتين للإضاءة أستخدمهما أهل العصر الحجري القديم، الطريقه الاولي تسمي الإضاءة المحمولة  ، بينما الطريقه الثانيه تسمي الإضاءة الثابتة.

و هنا في لا مجال للحديث عن الطريقه الثابته لإنها ببساطه الطريقه القديمه الخاليه من الإبداع حيت كان الإنسان يشعل النيران في مكان ثابت في الكهف من أجل الإناره و كانت تلك الطريقه الراديكاليه خطيره علي حياته كما أنها كانت لا تساعده كتيرا في التنقل و الحركه داخل الكهف لرؤيه بعض التفاصيل الصغيره في رسومه الطقسيه و التي كان يتركها بالداخل، لذلك فأني أود التطرق هنا للحديث عن النوع الأول   و هو طرق الإضاءة  المحمولة . الحقيقه أن أكثر ما يذهلني هو كيف تمكن الإنسان في تلك الفتره السحيقه من إختراع المصابيح الحجرية المتحركه  التي تستخدم الدهون الحيوانية كوقود (على غرار مصابيح الزيت).

و لقد تمكنا من معرفه ذلك من خلال العديد من الأدله الأركيولوجيه و التي تدل على استخدام المصابيح من قِبل مجتمعات الصيادين  بين الفتره من 40،000 إلي 1000 عام.

يشكل اختراع المصابيح المحموله دليلا على عبقرية البشر في العصر الحجري القديم ، إذ إنه حل مدهش وبديل عن المشاعل (والذي كان نظام الإضاءة المحمول الآخر) و الذي كان عباره عن مشعل مثبت بقطعه خشبيه يتم إشعاله من الأعلي بينما يتم حمله من الاسفل، و كانت تلك المشاعل تعطي مزيدًا من الضوء في جميع الاتجاهات ، لكنها كانت مليئه بالعيوب إذ أن المشاعل لا تستمر  وقتًا طويلا في الإضاءة وتكون غير مريحة في النقل  ، فحامل المشعل بحاجة إلى الاحتفاظ به في يده باستمرار ، كما أنه تنبعث منها الدخان الكثيف ما يسبب ضرر للرسوم.

لكل ذلك فإن الإنسان كان في حاجه الي الابتكار و الاختراع و بالفعل فقد قام بإختراع  المصابيح المحموله والتي كانت أسهل أستعمالا من المشاعل ،  كما كان يمكن إيداعها و وضعها  على أي سطح بسهوله وتحرير الأيدي في أي وقت معين لأداء مهام أخرى و لكن كانت هناك مشكله رئيسيه لتلك المصابيح ألا و هي ما هو نوع الوقود الذي كان يجب عليهم وضعه في تلك المصابيح من أجل الإناره؟

الحل المبتكر و العبقري لأسلافنا كان الوقود المصنوع من دهون نخاع  عظام الحيوانات أو من شمع العسل من أجل الحصول علي وقود قوي و خالي من الدخان.

ولتحديد نوع الفتيل المستخدم مع هذا الوقود ، كشفت التحليلات التي تم إجرائها علي بقايا المصابيح عن وجود بقايا من الصنوبريات والعشب والبقايا غير الخشبية مثل الأشنة أو الطحالب.

و كانت تلك المصابيح تتكون من ثلاثة أنواع:

1- المصابيح ذات الدائرة المفتوحة ،

2-المصابيح ذات الدائرة المغلقة

3-المصابيح ذات المقابض اليدوية.

و هنا سوف نتحدث عن النوع الأول من تلك المصابيح بإعتبارها الأقدم  بينما باقي أنواع المصابيح سوف نتحدث عنها في المقالات المقبله إن شاء الله .

  (المصابيح ذات الدائره المفتوحه)

تتميز مصابيح ذات الدائرة المفتوحة بعدم جمع الوقود بالكامل داخل الدائره في الإضاءه مما يوفر الوقود في حال حدوث خلل ما في الفتيل المستخدم في الإشتعال ، ويمكن اعتبار هذا النوع من المصابيح  غير أساسي أو طارئًا ، حيث إنه لم يتم تصنيعها و إنما كان يتم اختيار حجر ما علي شكل دائره يمكن أن يكون مناسبا لصناعه المصباح ، و كان ما يعيب تلك المصبايح  هو أن السائل النخاعي أو الوقود  يتسرب من خلال الفتحة ويصبح بهذا الشكل مزعج جدا لحامل المصباح .

كان لتلك المصابيح مقبض معين لحملها و حسب العديد من الأدله فقد ظهرت في العصر الحجري القديم العلوي حيث ظهرت لأول مرة خلال الحضاره السوليتيريه (بين 22000 و 18000 BP) و في فتره الحضاره المجدالينيه Magdalenian ، وخاصة في Dordogne الفرنسية.

و لكن في نفس الوقت يبدو أن تلك المصابيح قد ظهرت في أماكن عده عدة طبقًا لعمل صوفي دي بون وراندال وايت. في كتابهم الشهير (مصابيح العصر الجليدي ، 1993) .

و طبقا للكتاب  فقد وٌجد 51٪ من تلك المصابيح  في الملاجئ الصخرية ، 29.5٪ في أعماق الكهوف ، 12٪ في مداخل الكهوف ، و 7.5 ٪ في المخيمات و في الهواء الطلق .

في الحقيقه لقد أذهلتني هذه الإحصائية كثيرًا ، حيث إن ظهورهم في الهواء الطلق أو في مداخل الكهوف ، وليس فقط في الأجزاء العميقة من الكهف ، يمكن أن يشير ، في رأيي ، إلى أن استخدامها. لم يكن محدودا فقط علي إناره أعماق الكهوف و لكن يبدو أن أستخدامها كان ينبغي أن يكون أكثر انتشارًا وشائعًا مما كنا نعتقد .

و لقد تم العثور على بعض المصابيح الموجودة في أعمق أجزاء الكهوف في المناطق التي توجد بها لوحات الكهوف ، لذلك فإن علاقة الإضاءة بالفن المحمول غير قابلة للجدل ،  بالإضافة إلى ذلك ، تظهر العظام عادة في هذه المناطق أيضا ، والتي قد يتعين أن تكون مرتبطة باستخراج النخاع لاستخدامه كوقود ، لذلك فمن الممكن تخيل دخول الفنان إلى الكهف بمصباحه  العظام التي يمكن استخدامها كوقود للإضاءه

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.