كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 09, 2020 - 337 Views

الرمزية في الفن الصخري المصري في عصور ما قبل التاريخ

Rate this item
(0 votes)

كتب د. ياسر الليثي

 باحث باليوأنثروبولوجي

   ظهرت الرمزية منذ القدم حينما قام الإنسان الأول بالتعبير عن أفكارة و آرائه برموز معينة، فالرمز علامة عن شيء ما تم الإتفاق بين أفراد مجتمع ما علي مدلولة، وجوهر هذا المدلول غير واضح بالنسبة لافراد أخرين خارح ذلك المجتمع، فهو بذلك بالنسبة للباحثين الانثروبولوجيين قد يحمل معاني وتفسيرات مختلفة تبعا لنظرتهم العلمية وقراءاتهم للرموز.

لقد أتاحت الرمزية لفنان ما قبل التاريخ أبواباً جديدة للتعبير عن ذاتة من خلال رسوم غنية بالرموز التي تخلق أشكال ترمز للمشاعر الإنسانية دينية كانت أو دنيوية، وذلك عن طريق خلق صور تعبيرية للطبيعة الأم في شكل صور دات صبغة سحرية ، إذ خرج التعبير عن ذاته وعن مفردات التعبير الواقعي أو الرومانسي الى آفاق غير واقعية، أو الخروج إلي ما وراء الواقع وربطه بأشياء خارج نفس الفنان.

لقد صنع الإنسان البدائي من رسوم واشكال الحيوانات التي كانت تحيط بة في الطبيعة (طواطم)  يلتفون حوله ويرفعونه كشعارا يرمز إلى الجماعة أو القبيلة التي ينتمون اليها، وقد كان هذا "الطواطم" بمثابة الرمز المقدس الذي يربط الرجل البدائي بأبناء عشيرته وكان ينظر إليه في احترام وخشوع دون أن يكون هناك سبب معقول يدفعه لذلك وقد وصل في ذلك على حد الاعتقاد بأن الانسان نفسة بل و كل أفراد القبيلة  ينحدر عن ذلك الطواطم.

وكانت الجماعات البشرية التي ينتمي اليها كل إنسان تسمى باسم هذا الطوطم ( الرمز المقدس), أي أن الطواطم عنده قد يكون رمزا للأب أو الجد وبديل عنه في حلة فقدانة, وهكذا ترتبط الرموز بحيلة الإنسان للتغلب علي اشياء من المستحيل التغلب عليها مثل الموت إرتباطا وثيقا، و في نفس الوقت فلا غنى عنها لتحقيق التفاهم والإتصال مع غيره من أبناء الجماعات البشرية التي ينتمي اليها.

وبهذا لم يعد ممكنا تجاهل الرمزية في رسوم ما قبل التاريخ سواء كعنصر طاغ يسيطر على كل الصور و الرسوم بأسرها أو كجزء من تفسير عمل سحري ما، فإن الإنسان منذ تلك الحقبة قد اكتشف أن حياته لا يمكن أن تخلو من رموز كثيرا ما لا يجد لها تفسير، وهو يقف أمامها حائرا يحاول الايحاء بما يشعر به وايجاد معادل له ولكنه لا يستطيع حصرها في محدودية من الأفكار والمعاني والرسوم .

وهنا يمكننا تعريف الفن ما قبل التاريخ بأنه أبداع صور و رسوم قابلة للادراك الحسي بحيث تكون معبرة عن الوجدان البشري. فالفن رمز والعمل الفني صورة رمزية، وقد طبق هذا المفهوم على فن الرسوم الكهفية في عصر ما قبل التاريخ، ومن بعد ذلك على كل الفنون الأخرى في العصور اللاحقة.

بهذا يعتبر الفن أحد الأنشطة الرمزية التي ابدعها الإنسان منذ العصور الحجرية لكي يعبر من خلالها عن الوجدان البشري. وبهذا فقد أمكننا التوصل الى نظرية شهيرة في تفسير الفن و هي أحد أهم نظريات الأنثروبولوجيا تسمي ( النظرية الرمزية) ، بوصفه رمزاً, والعمل الفني بوصفه صورة رمزية للوجدان البشري.

ففي المشاهد الصخرية المصرية في وادي صورا نجد رموزا تعبر عن مظاهر دينية وأساطير، وبعض من هذه الرموز يمكن تفسيرها بسهولة لوضوحها، بينما رموزا أخرى تبقى غامضة لعدم معرفة الباحثين بمعتقدات ونمط تفكير الإنسان في تلك الفترة، ولم تكن رسوماته عملا تلقائيا بل كانت تتم وفق طقوس معينة نابعة عن معتقداته الروحانية، ومن بين الرموز والصور ذات الدلالات نجد:

رمزية الألوان:

 فاللون الأحمر مثلا كان يرمز إلى استمرارية الحياة، وهذا ما نلاحظه في العديد من رسوم الحيوانات مثل الظباء العملاقة والأبقار والزرافات.

 واستعمل كذلك اللون الأبيض و ربطة بالشخصيات الأسطورية والآلهة والأرواح مثل مشاهد الشامانات أمام الحيوانات مقطوعة الرأس، ومشاهد أخرى لحيوانات وكائنات أسطورية باللون الأبيض, إضافة إلى اللون الأصفر الذي له علاقة بطقوس الدفن كما هو واضح في مشهد طقس إخفاء النعامة كما أسماه دكتور خالد سعد مدير إدارة أثار ما قبل التاريخ في مصر.

رمزية استعمال الأقنعة:

فالعديد من الرسوم الصخرية تعبر عن الرأس المقنع، فهناك أقنعة برؤوس الحيوانات بحيث يعطي للشخص قناع يضعة علي رأسة  يكي يظهر بمظهرالحيوان أو الكائن الأسطوري للحصول بشكل مؤقت على صفات الكائن الذي يمثله القناع الأمر الذي أستمر حتي الفترة التاريخية الفرعونية , وربما يمكن أن يعطي ذلك انطباعا مغايرا و رمزية اخري مثل حماية الشخص المقنع من القوى أو الأرواح الشريرة أثناء الطقوس.

وبهذا يمكننا القول في تفسير الفن الصخري في وادي صورا، بوصفه رمزاً. والعمل الفني فس ذلك الكفه بوصفه صورة رمزية للوجدان البشري في العصر الحجري القديم, بناء علي ما هو معلوم من أن الفن  هو التمييز بين الإشارة والرمز، وبين الرموز الاستدالية و التمثيلية ، بل نذهب في التمييز الى ابعد من ذلك حين نميز بين الإنسان والحيوان، على أساس ان الإنسان حيوان رامز يبتكر الرموز ويستخدمها، فضلاً عن ذلك نظرتنا الى مشاعر و احاسيس ذيك الإنسان في تلك العصور بوصفها أحاسيس رمزية إستدلالية ليس في مقدورها ان تعبر عن الوجدان أو الحياة الباطنية، إلا عن طريق فن الرسم علي الصخور و الذي كان السبيل الوحيد للتعبير عما لا يمكن التعبير عنه بواسطة اللغة لعدم استطاعة تدوينها نظرا لعدم إختراع الكتابة ، فالفن إذن رمز , والعمل الفني صورة رمزية , ومن ذلك نستطيع أن نحدد الفن على أساس أنه : أبداع أشكال و رسوم و رموز قابلة للإدراك الحسي بحيث تكون معبرة عن الوجدان البشري.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.