كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 06, 2020 - 357 Views

ما هو الهدف من دراسات و أبحاث ما قبل التاريخ؟

Rate this item
(0 votes)

كتب د. ياسر الليثي
الباحث الانثروبولوجي

 قبل الرد علي هذا السؤال الهام لابد لنا من تعريف علم ما قبل التاريخ , مفهوم ما قبل التاريخ هو مفهوم يطلق على تلك فترة من الزمن التي سبقت ظهور أنظمة الكتابة في  مصر و العراق ( الكتابة الهيرغليفية و الكتابة المسمارية السومرية ) ، والتي نشأت  تقريبا خلال الفترة الممتدة من عام 3400 وحتى 3200 قبل الميلاد,  إذن ما قبل التاريخ هو تلك الفترة من الزمان التي تمثل العصرين (الجيولوجي، والحجري).
بعد تعريف مفهوم ما قبل التاريخ نستطيع القول بأن الهدف من دراسة ما التاريخ هو خدمة دراسة التاريخ نفسة( حيث أن دراسة التاريخ فقط هي اشبة بدراسة علم الصيدلة دون دراسة علم الطب) و بالتالي خدمة الحاضر والمستقبل، حيث أنه لا معنى للاهتمام بوقائع ما قبل التاريخ  والغوص في تفاصيلها إذا لم يكن مفيدا لدراسة الفترة التاريخية و التي لو درسناها بشكل صحيح  فإنها تخدم الحاضر الذي نعيشه والمستقبل الذي نطمح اليه, و بذلك فاهتمامنا بفترة ما قبل التاريخ ما هي إلا تعبير عن اهتمامنا بتاريخنا المكتوب من اين اتي و اين تقع اصولة, وهو بالتبعية إهتمام بحاضرنا ومستقبلنا أكثر مما هو تعبير عن اهتمامنا بماضينا فقط ، و ذلك لأن الماضي قد طويت صفحته بكل ما فيها من ايجابيات وسلبيات , لم يعد بمقدورنا تغيير اي شيء من وقائعه ، ولكن علينا ان نستفيد من دروسه  في تغيير حاضرنا ورسم معالم مستقبلنا، ومن هنا ينبع سر اهتمامنا به وأهمية دراسته واستحضاره.

 لقد جرى الحديث في مقالات عديدة سابقة  حول كيف عاش الإنسان القديم في العصر الحجري وكيف تطور, ويجب تعقب الخطوات التي خطاها إنسان قبل التاريخ، ليمهد السبيل لظهور الحضارات القديمة مثل حضارة مصر العظيمة ( الحضارة مصر القديمة)  كيف أصبح إنسان الغابة أو إنسان الكهف هو المعماري المصري العظيم الذي بني الأهرامات و المعابد الرائعة ، أو الفلكي البابلي، أو النبي العبري، أو الحاكم الفارسيّ، أو الشاعر اليوناني، أو المهندس الروماني، أو القديس الهندي، أو الفنان الياباني، أو الحكيم الصيني؛ أو الفصيح العربي، لا بد من دراسة سلوك سبيل علم الأجناس البشرية ( علم الأنثروبولوجيا)  -عن طريق علم الآثار- و هنا نجد عيم أخر يسمي ( علم ما قبل التاريخ) و الذي يمثل فرع مستقل من فروع علم الأنثروبولوجيا ,  لننتهي إلى دراسة التاريخ.

إن الباحثين و الأنثربولوجيون  يملؤون الأرض بحثا، فيستخرجون آلات العصر الحجري من جوف الأرض عند ضفاف الأنهار، ويدرسون الصور المرسومة على أسقف الكهوف من عصر ما قبل التاريخ، ويخرجون جماجم قديمة من مدافنها,  وينقلون الأنقاض في سلال تحملها القوافل من مقابر قدماء المصريين التي استنزل أصحابها اللعنة على نابشيها

عندما عثر عالم الاثار الفرنسي (جاك بوشيه دي برت) في سنة 1839 في فرنسا على أول أثر من الصوان مما خلَفه الإنسان القديم في العصر الحجري,  بقي العالم يسخر منه تسعة أعوام كاملة، وفي سنة 1872 أزال "شليمان" التراب عن أحداث مدائن طروادة وهي كثيرة,  لكن العالم نظر له بريبة,

و في سنة 1868 إكتشف كهف " التاميرا" في مقاطعة كانتابيرا في شمال أسبانيا، إنه أحد أندر كهوف العالم الذي اتخذه إنسان العصر الحجري مسكنا له قبل 14 ألف سنة، ومازال محتفظا بكل تفاصيله ونقوشه، التي خطها على جدرانه وسقفه, و قد تم إكتشافة علي يد مارسيلينو ساوتولا و إبنته ماريا و قد سخر منه و من إكتشافة الجميع و لم يعترفوا باصالة تلك الرسوم الرائعة لانهم ببساطه لم يكن علي اي دراية بمفهوم ما قبل التاريخ و لكن في سنة 1902  و بعد موت ساوتولا ظهرت قيمه الكهف كتحفة فنية رائعة، ووضعته هيئة اليونسكو علي قائمة مواقع التراث العالمي سنة 1986 نظرا لأهمية النقوش والرسومات داخله, ولكن بعد ذلك فإن التاريخ لم يشهد عصرًا اهتم أهله بدراسة التاريخ القديم كالقرن الذي تلا رحلة شامبليون في صحبة نابليون إلى مصر عام 1798 فعاد نابليون من رحلته خالي الوفاض؛ أما شامبليون فقد عاد ومعه كل تاريخ مصر.

 ومنذ ذلك الحين أخذ كل جيل يستكشف ويرجع خطوة وراء خطوة بحدود معرفة الإنسان لتطوره وتاريخه,  فلن تجد جوانب كثيرة من حياة الإنسان القديم أجمل من هذا الشغف بالاستطلاع، وهذه الرغبة و المغامرة في سبيل العلم , لن تجد ذلك إلا في دراسات ما قبل التاريخ.

في الاخير نقول أن دراسة ما قبل التاريخ و دراسة الكهوف المكتشفة حول العالم أضافت الكثير من الحقائق حول الإنسان القديم، فمثلا في كهوف إستراليا اكتشفت رسومات لحيوانات وطيور انقرضت قبل حوالي 40 ألف سنة، وفي كهوف الصومال رسمت صور الإنسان الأول كما في كهف "لاس جال" الذي احتوى لأول مرة رسومات للرعاة، وفي كهوف فرنسا عثر على أثار عظام بشرية إضافة إلى مجموعة متنوعة من 12 نوعا من الحيوانات التي انقرض بعضها , كل تلك الدراسات أثقلت معرفتنا بالتاريخ و من ثم ما يخدم حاضرنا و مستقبلنا. 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.