كاسل الحضارة والتراث Written by  نيسان 02, 2020 - 186 Views

هل استخدم البشر الأوائل الغراء اللاصق إبان فترة العصر الحجري القديم ؟

Rate this item
(0 votes)

كتب د. ياسر الليثي الباحث الباليوأنثروبولوجي

بدأ إستخدم البشر الغراء في العصر الحجري القديم المتوسط بين 200 ألف و 30 ألف سنة مضت , فقد بدء البشر في البداية بتجميع اجزاء الادوات بشكل بدائي عن طريق الربط مستخدمين بعض الالياف النباتية أو الاوتار الحيوانية.

أول  حالة لدينا تعتبر دليلا علي إستخدام الغراء تؤرخ ب 125.000 سنة في موقع إيندين التدورف بألمانيا وفي  موقع كامبيتلو بإيطاليا ، فقد وجد هناك بالفعل شفرات حجرية  لصقها شخص ما بذراع الاداة بنوع ما من الغراء نفسة في كلا الموقعين ، و من التحليل و الدراسة تم معرفة ان الاجداد قد قاموا بأستخدام المواد الطبيعية للحصول علي هذا الغراء عن طريق عملية معقدة تقوم علي مزج ديكوتيون( المادة السائلة) لحاء شجرة البتولا مع مادة القار الطبيعية  و دفنهما في حفرة في باطن الأرض لعدة ايام حتي إستخراجهم و كان يستخدم الناتج المستخرج كغراء , تلك المادة اللاصقة الداكنة بسبب القار كان لديها أكثر من خاصية لاصقة مقبولة و لكنها لم تكن فعالة بشكل كامل.

 وفقًا لدراسة أجراها العديد من الخبراء في جامعة في جنوب إفريقيا. يقول الباحثون إن استخدام المركبات اللاصقة يعكس تعقيدًا في الإدراك البشري مشابهًا لإدراك ما يسمى بـ "الإنسان العاقل" , فقد كانت السهام والرماح ذات الرؤس الخشبية الحادة و التي أستخدمت عبر العصر الحجري القديم الأدني  قد بدأت تصبح قديمة وبدأ إستخدام الرؤس القوية المصنوعة من الصوان أو الكوارتزت تسود, وبالمثل تُرك إستخدام السكاكين الخشبية في مقابل إستخدام سكاكين الصوان ذات الشفرات الحادة والقوية , ولكن في خضم هذا التغير التكنولوجي الكبير فقد ظهرت مشكلة جديدة الا و هي أن الأطراف و الشفرات المصنوعة من الصوان المربوطة بواسطة ألياف نباتية أو أوتار حيوانية بمقابضها الخشبية قد بدأت في فك رباطها وتراخيها بإستمرار إستخدامها, و لكن دماغ هؤلاء البشر الأوائل ، الذي لا يمكن إيقافه بعد مئات الآلاف من التطور قد ساعدتهم ، و شرع هذا الدماغ العبقري في الاستجابة لحل هذه المشكلة, وهكذا اخترعوا الغراء , ودليلنا في ذلك أنه قد عثر العلماء على بقايا مركبات لاصقة مع مواد دقيقة في أواني حجرية منذ حوالي 70 الف سنة في كهف سيبودو في جنوب أفريقيا, و قد حصل أجدادنا الاوائل على تلك "الوصفة" عن طريق خلط بعض النباتات المطاطة ومسحوق من المغرة الحمراء ممزوجة بنسبة مناسبة لتكون لزجة, وأحيانا تضمنت الوصفة مسحوقًا أسود أو أبيض.

يقول العلماء في الدورية الشهيرة "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم":

 "كانت الفرضية الاولي أن أهل سيبودو جمعوا أسلحتهم بشكل بسيط، ربما بواسطة خليط مصنوع من دم الحيوانات و ذلك بسبب الفحص الظاهري للادوات و الاسلحة و التي كان يوجد علي بعض اجزائها اللون الاحمر ، لكن ذلك لم يكن تفسيرًا مرضيًا" وذلك لأن المشكلة تكمن في أن لون الخليط الأحمر لم يكن موجود في الأداة بالكامل ، ولكن كان موجود فقط في المنطقة التي كان يوجد مقبض الاداة , و لذلك فإن هذا الخليط يجب أن يكون نوع من أنواع الغراء , ومن أجل تحقيق الاتساق لفرضياتهم ، وجد الفريق ، بقيادة البروفيسور( لين واندلي) المكونات في الطبيعة وهي من شجر الأكاسيا والتي تنضح بمادة لاصقة من خلال الشقوق الموجودة في لحائها و يستخدم هذا في صناعة الصمغ حتي الأن  ولأنه يحتوي على حمض البوليك ، فمن الطبيعي إستكمال التكوين الاحمر من خلال الأكسدة الامر الذي يعطي الغراء قوة و متانة.

بعد تكرار الصيغة ،  هكذا أجري واندلي وزملائه تلك الأختبارات على مواد مختلفة ، تمامًا مثلما فعل الأجداد في العصر الحجري, وقد أتت نتائج الاختبارات في معظم الحالات بنجاح , و رغم ذلك يشير باحثون من جنوب إفريقيا إلى أنه "ليس لدينا جميع الإجابات حول اللون الأحمر لبعض المواد الاصقة من عصور ما قبل التاريخ, فقط يمكننا القول أن محتواه العالي من اكسيد الحديد ما يعطي للغراء ذلك اللون الاحمر و في نفس الوقت يعطية القوة و الصلابة ، ولكن علينا مواصلة التحقيق.

و بالفعل بعد مواصلة التحقيق الدقيق توصل العلماء الي فرضية جديدة تقول بان الأجداد قد استخدموا الراتينج الذي ينضح من لحاء شجرة السنط, ولكن في هذه الحالة ، لم يقتصر الأمر على استخدام الراتينج بهذه البساطة و ذلك لأنه عند جفاف الراتينج فإنه يتبلور ويصبح هشًا قابل للكسر ، الامر الذي يجعل تأثير رأس السهم على الهدف الصلب صعب للغاية, و لتجنب هذا التبلور ، أضافوا  الأجداد إلى الراتنج ، أثناء عملية أستخراجه من لحاء الشجرة اي ة هو في حالتة السائلة ،  مسحوق المغرة الحمراء أو فحم مطحون, وهكذا حصلوا على غراء محمر أو أسود اللون.

في وقت لاحق من عصور ما قبل التاريخ و خاصة في نهاية النيوليتيك ، تمت إضافة مكونات أخرى إلي هذا الخليط اللاصق, ففي جنوب أوروبا نجد بالفعل قطعًا و ادوات ملصوقة  تظهر غراءًا مقاومًا بشكل غير عادي يتكون من راتينج الصنوبر وشمع العسل والفحم المطحون للاحتفاظ بالقوة و المرونة.

في النهاية و بعد كل الدراسات و الفرضيات ، استنتج علماء الأنثروبولوجيا أن البشر منذ عشرات الآلاف من السنين كانوا من الحرفية و المهارة ما أعطاهم القدرة على التفكير في خصائص النباتات والمنتجات الطبيعية ذات الخصائص المطلوبة و استخدامها في صناعات محددة مثل صناعة الصمغ اللاصق.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.