كاسل الحضارة والتراث Written by  نيسان 16, 2020 - 434 Views

الحياة الاجتماعية والاقتصادية للأنماط التطورية للإنسان في العصر الحجري القديم.

Rate this item
(0 votes)

كتب د. ياسر الليثي

 الباحث الباليوأنثروبولوجي

وفق علم الإنسان وتطور الأجناس( الأنثروبولوجيا) ، لم يكن المستوى الاقتصادي والاجتماعي لدى الإنسان القديم في العصر الحجري ثابتًا، فقد حصلت له فروق تطورية شاملة في مختلف مراحله، ففي أوائل العصر الحجري القديم عاش نمط بدائي من البشر، وهو ما سمي "الإنسان الماهر"، هذا النمط البدائي من الإنسان كانت نواة ولادة أشباه البشر في أفريقيا في بداية العصر الجليدي , ففي السنوات الأولى من العصر الحجري القديم ، عاش الإنسان بجانب الحيوانات ، دون استخدام المهارات التي يمتلكها, و لكن مع مرور الوقت ، أصبح التفوق ملموسًا للغاية واضطر إلى البدء في الانفصال عنهم ، لتشكيل نوى بشرية معزولة لا تزال لا تمتلك أي علامة على الحياة الاجتماعية.

 وقد عُثر في إفريقيا على مواقع قليلة لهذا الإنسان، ووجدت فيها أدوات حجرية بسيطة تسمى القواطع، وهي أحد أقدم الأدوات المعروفة، و الثابت في هذه الفترة ، منذ بداية العصر الحجري القديم و حتي جزء كبير من العصر الحجري الحديث ، هو استخدام الحجر لتصنيع جميع الأدوات والسكاكين و التي من خلالها  يتم تمييز الأقسام أو المراحل  الزمنية الأخرى فيما يتعلق بجودة الطلاء الممنوح للأدوات الحجرية ، وكذلك نوعها الامر الذي له ايضا علاقة وطيدة بتمييز وفهم أنماط الحياة الاجتماعية و الأقتصادية في تلك الفترة.

 ثم تلاه الإنسان منتصب القامة «هومو إركتوس» الأكثر تطوّرًا من النوع السابق, وكان صيد الحيوانات وجمع النباتات البرية مصدر عيشه، وكانت الأدوات الحجرية التي عُثر عليها في مواقعه المختلفة هي أهم مخلفاته، لكن المعلومات قليلة جدًا عن الواقع الاجتماعي والروحي لهذا النوع من البشر، ولا بدّ أنه عاش في إطار مجموعات بدائية تربطها علاقات اجتماعية واقتصادية محدودة و الجدير بالذكر هنا البحث العلمي الذي شرفت بالاشتراك فيه مع صديقي العزيز إيجناثيو فيز استاذ الانثربولوجيا في جامعة تارراجونا بإسبانيا  أن هناك اكثر من دليل يثبت أن الهومو أركتوس قد إندثر بسبب كسله و عدم تشكيلة لمجموعات إجتماعية تتشارك العمل فيما بينها.

ثم ظهر بعد ذلك "الهومو إركتوس" أو الإنسان المنتصب القامة، هو صانع ما أصبح يُعرف لأول مرة بالأدوات الحجرية المميزة لهذا العصر، وهي لفؤوس حجرية يدوية.

 في فترة العصر الحجري القديم الأوسط، ظهر نمط جديد من البشر هو "إنسان النياندرتال"، الذي كان أكثر تطورًا, شكلًا وحضارة من سلفه، وانتشر على مساحات أكبر، وآثاره الحضارية كانت أغنى وأكثر تنوعا، وهو أول نوع إنساني مارس طقوس العبادة الدينية وعرف الفنون البسيطة الأولى، وقد عُثر على دلائل أثرية، خاصة في أوروبا، تشير إلى أنه ربما قدّس حيوان الدب كما اشار لنا في السابق أستاذنا الجليل دكتور محب شعبان دكتور الانثروبولوجيا الطبيعية بجامعة القاهرة , وهناك مكتشفات غنية من أوروبا والشرق الأوسط، وخاصة في الأماكن الأثرية في فلسطين والعراق وسورية، لأقدم مدافن إنسان النياندرتال في العصر الحجري، مما يدل على مستواه الروحي المتطور.

ومع أن حياة النياندرتال بقيت معتمدة على الموارد الحيوانية والنباتية البرية، إلا أن سيطرته على خيرات بيئته كانت أكبر، فقد لاحظت هذه الكائنات شيئًا فشيئًا أنهم عندما سافروا عبر مناطق مختلفة وجدوا طعامًا جديدًا وضروريًا ، وبالتالي بدأوا في التحرك نحو أوروبا وجنوب آسيا ، حيث وجدوا مناخات متنوعة ، سواء كانت مواتية أم لا ، توفر لهم طرق حياة أفضل  ، بلغت عملية الهجرة  ذروتها منذ حوالي 250.000 سنة وتمكنت تلك الانماط البشرية من تغطية معظم المناطق الأوروبية , بالإضافة إلى ذلك ، تم تشكيل مجموعات أو عشائر بسبب تأثير العوامل الخارجية من كل موقع استيطاني ، مما أدى إلى ظهور أعراق وثقافات متنوعة للغاية, حيث كان البشر يكتسبون مهارات أكبر بسبب النكسات الطبيعية و التي تمثلت في التغيرات المناخية.

 في القسم الأخير من العصر الحجري القديم، ظهر جنس الإنسان العاقل، وهو الجد المباشر للإنسان الحالي، وكان أكثر تطورًا فيسيولوجيا وحضاريا من جميع الأنواع السابقة، استوطن في القارات الخمس كلها، فكان بذلك أول من وصل إلى أمريكا وأستراليا، وسادت هذا العصر حضارات قديمة جدا من حضارات الإنسان العاقل القديم في العصر الحجري والذي  بدأ الاستقرار بشكل أساسي في المناطق الباردة ، حيث كان عليه بالإضافة إلى تناول الطعام أن يفكر في الحصول علي أشكال أفضل من السكن والملابس, و لكن مع ذوبان الطبقات القطبية ، الذي تم  منذ 20000 عام حتي 8000 عام ، حدثت عملية تباطئ للتطور المتسارع للإنسان  تزامنت مع الزمن الجليدي مع نهاية العصر الحجري القديم وولادة العصر الحجري الحديث ، حيث أصبحت الزراعة أساسية في حياة الإنسان ما قبل التاريخ و بذلك بدأت الحياة الرعوية و الزراعية و التي تمثل ذروة الحياة الاجتماعية و الاقتصادية للإنسان القديم الامر الذي يعتبر النواة الحقيقية للحياة الاجتماعية و الاقتصادية التي ننعم بها اليوم.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.