كاسل الحضارة والتراث

كاسل الحضارة والتراث

العيوب الخلقية والتشوهات في مصر القديمة .

بقلم د . هدير عبيد .

دكتوراه في الأثار المصرية القديمة .

                تم توثيق الأقزمة الناتجة عن الودانة حيث تتسم الأطراف بالقصر الشديد , وذلك عن طريق العديد من الهياكل العظمية منذ عصر ما قبل الأسرات حتي الأسرة الحادية والعشرين ؛ حيث كان للأقزام وضعهم في المجتمع المصري , علي سبيل المثال القذم سنب ( الأسراتان الرابعة والخامسة ) , الذي خلف مجموعة من أشهر التماثيل له ولأسرتة والتي تم العثوم عليها في مصطبة بالجيزة وهي محفوظة حالياً بالمتحف المصري بالقاهرة حيث كان سنب موظفاً كبيراً في البلاط الملكي .

هناك أيضاً تمثال القزم " خنوم حتب " و تمثال أخر لأحد الأقزام يحمل جراباً, ويوجد حاليا بشيكاغو ؛ كذلك تمثال للمرأة القزمة " إيتا" بمتحف اللوفر ( دولة وسطي ) , والقزم فوق المركب الذي يمثل جزءاً من المتاع الجنائزي لمقبرة توت عنخ أمون ؛ ولا ننسي المعبود " بس و بتاح باتيك " وقد أطلق عليه هذا الأسم نظراً لأنه حسبما يروي هيرودوت الجزء الثالث 37- في الحقبة التاريخية المتأخرة صور علي أنه إله قزم ودان ؛ ويقارن هيرودوت بين هذا المعبود القزم والمعبودة الصغيرة المشوهة للفينقيين والتي تم حفرها علي مقدمة السفينة الحربية ثلاثية المجاديف .  

  تختلف كلمة " رن " وهي تعني قزم باللغة المصرية القديمة عن كلمة deneg أي " القزم الخلقي , وفي هذه الحالة نتذكر الملامح القبيحة للقزم الذي صور علي مقبرة " حرخوف " ؛ جمع " داسن " ما يقرب من ما ئتي وسبع حالات صورت الأقزان بمصر القديمة أغلبها كانت أقزام ودانة ؛  هناك نوع أخر من الأقزمة الناتج عن القصور النخامي والذي يسبب بعض المشاكل عند محاولة تشخيصة تصويرياً وذلك بسبب تشابك لوائح الرتب والمناصب في الهيكل الوظيفي .

شغل الأقزام عدة مهام كما عملوا بصناعة المنسوجات والحلي وسخروا كذلك في زراعة الأرض وفي هذا الصدد نلاحظ كذلك كيف تم استغلال قصيري النظر في الأعمال التي تحتاج لدقة شديدة والتي تدعم من قدراتهم علي الرؤية عن قرب كما هو الحال في العمال الذين يقومون بتصنيع الذهب والحلي ؛ هذا العمل الدقيق يصعب علي من يعانون من طول النظر القيام به .  

نقل إلينا أيضاً " داسن " حالات مختلفة لأعوجاج قدم خيلي , علي سبيل المثال الأشكال الموجودة في مقبرة " باقت الأول " بمقابر بني حسن ( الأسرة الحادية عشرة ) , أما حالة من أطلق عليها " ملكة بونت " – والتي تم تصويرها علي أحد النقوش البارزة بمعبد الملكة " حتشبسوت " بالدير البحري ( الأسرة الثامنة عشرة ) وكذلك علي إحدي الشقافات وقد صورت بطريقة ساخرة وعثر عليها بدير المدينة وتوجد حالياً ببرلين – فقد أظهرت الأصابة بعيب خلقي ناتج عن أنفصال مفاصل الفخذ هذه حالة تم توثيقها عن طريق القطع الأثرية التي تم تشريحها , والتي توجد إحداها في تورينو , وهي تظهر تجويفاً مسطحاً في عظام الحوض مصحوباً بحالات " هشاشة عظام " .

قد أظهرت ملكة بونت بعض الأمراض الأخري مثل أعراض شحوم زائدة تسبب الاماً مبرحة , وكذلك داء الفيل وشحوم زائدة في الفخد والأرداف وأمراض أخري متعددة ؛ كما نقل إلينا من الباحثين أشكالاً مختلفة لتشوهات العظام اكتشفت علي بقايا ادمية منها " تشوهات في عظام الجمجمة مثل ضيق وكبر وصغر حجم الجمجمة ومرض استسقاء الرأس ( حالة لشاب في العصر الروماني مع وجود نقص في نمو الجانب الأيسر من الجسد وتضخم الزراع الأيمن ) ؛ وحالة أخري لالتهاب الفقرات المصحوب بتصلب في الشرايين عثر عليها بتورينو .

كما عثر علي حالات تعاني من نقص تكوين العظام ونقص في الهيكل الخلوي للنسيج العظمي ناتج عن انقسام الخلايا وتشوهات في عظام الفك وحالة أيضاً لمومياء طفل وليد من الأسرة الحادية عشر توجد بمتحف الأنثروبولوجي بتورينو ؛ تم دراسة تمثال من مجموعة ( خوام ) بمتحف القاهرة لرجل يعاني من تشوهات في الرأس والجزع وقصراًفي الأعضاء وهو مرض ( Alcaptonuira ) وراثي ينتج عن نقص في أحد الأنزيمات الذي حول دون إتمام عمليات بناء البروتوبلازما للحمض المتجانس .

عند الحديث عن التشوهات الخلقية في مصر القديمة لابد وان نشير  إلي مؤسس دولة التوحيد في مصر القديمة أنه الملك " امنحتب الرابع " الملقب بأخناتون حيث كان يصور علي هيئة شبة أنثوية حيث يبدو ذا ثديين متضخمين وفخذين ممتلئين حيث كانت المدرسة الفنية في عقدة تتسم بالواقعية ؛ هناك العديد من الدراسات في هذا الجانب التي وضحت الكثير من العيوب الخلقية والتشوهات علي مومياوات والهياكل العظمية التي وضحت العديد من الأمراض والعيوب التي عانت منها شعوب العالم القديم .

إيزادورا | چولييت زمانها

بِقلم / سُميه محمد عجم

كاتبة في التاريخ المصري القديم

تناقلنا أساس الحب منذ الأزل ، الحب الصادق الذي لا يعرف إلا طريق الروح ، و لا يعترف بالمسافات و اختلاف الطبقات و المذاهب ، لكن من الحب ما قتل . . !

شهدت مصرنا الحبيبة أمثلة حب صادقة و عريقة منذ قديم الزمان خلدت بها العشاق بعد موتهم ، و أوصلت لنا رسائل خفية بين ثنايا حياتهم

تبدأ حكايتنا بِفتاة إغريقية ذات جمال الغرب الساحر ، معنى اسمها هو " هبة إيزيس "

 عاشت في مصر بالقرن الثامن عشر الميلادي فى مدينة أنتنيوبولس " الشيخ عبادة حالياً " بعهد الإمبراطور هادريان ، كان والد إيزا حاكماً لإقليم المنيا و اشتهر بقوته و ثرائه

و كما هو معروف عن الحب حين يدخل القلوب دون استئذان ، نبض قلب إيزادورا بالحب لأول و آخر مرة بجوار عالم الأموات حيث كان أمير أحلامها هو ضابط مصري يُدعى " حابي " يعيش بمدينة خمنو " الأشمونين حالياً " و يعمل في حراسة المدينة ، لكن بطل قصتنا يعتبر في نظر الحاكم من أبناء العامة الذين لا يوضعون في مقارنة مع النبلاء

خرجت إيزا ذات مرة لحضور إحدى احتفالات المعبود " تحوت | معبود للحكمة و القلم " مروراً بنهر النيل فالتقت بِـ حابي و بدأ الحب من أول نظرة و تعلق كلٌ منهما بالآخر .. كان العاشقان يتقابلان كل يوم و كل ليلة ، فكانت تذهب إليه عند البحيرة ، و كان يأتى إليها بجوار قصر أبيها ، و استمرت هذه العلاقة مدة ثلاث سنوات إلى أن علم والدها الذي رفض قطعياً هذه العلاقة لما يراه من فارق اجتماعي بين الطرفين ، ماذا يفعل إذًا ؟! ضيق الخناق على الحبيبين و أمر الحراس بتعقبهما و عرقلة مقابلاتهما حتى تيأس ابنته و تنسى أمير قلبها . .

لم تستطع إيزا العيش دون محبوبها فقررت الإنتحار !

استطاعت خداع الحراس و الذهاب لرؤية حبيبها للمرة الأخيرة دون اخباره عن قرارها المرير و في منتصف طريق العودة رمت نفسها بين أحضان النيل الذي ابتلع كلماتها و حفظ سر قلبها مع كائناته ، و مع ذلک اختلف العلماء حول موتها منهم من اقتنع بانتحارها و منهم من ظن أنه حادث غرق مأساوى 

ندم والدها أشد الندم لما جعل ابنته تقدم عليه ، فبنى لها مقبرة جميلة و رثاها قائلاً : ( أيتها الصغيرة الجميلة ، أيتها الطيبة البريئة ، و الزهرة الناضرة التي ذبلت في ربيع العمر ، يا ملاكي الطاهر الذى رحل دون وداع ) ، استلقت موميائها على سرير جنائزي | عبارة عن بناء مرتفع من الطوب اللبن يعلوه نموذج على شكل قوقعة مغطاة بالجص

أما حبيبها " حابي " فكان مخلصاً وفياً ، رفض الزواج و إعطاء فرصة أخرى لقلبه من بعدها ، و كان يذهب كل ليلة يشعل شمعة بداخل مقبرتها و يحادثها بالساعات حتى لا تبقى روحها وحيدة

عندما سمع عميد الأدب العربي | طه حسين بقصة المحبوبة التعيسة بنى استراحة بمنطقة تونا الجبل بجوار مقبرتها و كتب لها رواية كبيرة تحمل اسم ( إيزادورا شهيدة الحب) ، و كان كل يوم أثناء إقامته يوقد لها شمعة مثلما فعل حبيبها حابى تخليداً لذكراهما

تم وضع مقبرة إيزادورا بتونا الجبل | المنيا على خارطة السياحة المحلية و العالمية بناءً على طلب العديد من مختصي الآثار و التراث ، حيث أصبحت من أيقونات الحب الصادق

أصناف الأراضي الزراعية وطرق استغلالها في العصور الإسلامية :

                         بقلم د :  ريهان نجدى

             دكتوراه في التاريخ والحضارة الإسلامية

قسمت الأراضي الزراعية إلي أرض اسلم عليها اهلها "عشر"، وأرض افتتحت على خراج معلوم فهي على ما

صولحت عليه ، وأرض اخذت عنوة فأختلف عليها المسلمون كالتالى  :

** أراضي الخراج: وهي الأرض التي فتحت صلحا أو عنوه والتي بقيت بيد أهلها بعد الفتح يقومون بزراعتها ويؤدون مقابل ذلك ما يتوجب عليهم من أموال لبيت مال المسلمين ، أو الأرض التى صالح المسلمون أهلها  أو جلا أهلها عنها ونقل المسلمون اليها  قوما آخرين من أهل الذمة ،  وتعتبر هذه الأراضي وقفا دائما للدولة تضمن من خلاله عائدا ماديا لقضاء حاجات الدولة ومتطلباتها ، وأخذت هذه الأراضي في التقلص تدريجيا نتيجة بيعها للعرب الذين اكتفوا بدفع العشر

**أراضي الصوافي : هي الأراضي التي لا مالك لها ، سواء جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لهم، كأراضي كانت تخص إما الإمبراطور أو الدولة "كالمعابد وأوقاف البريد " أو النبلاء أو كبار الموظفين الذين قتلوا في الفتح أو هربوا تاركين مزارعهم وأملاكهم وخضعت كلها للدولة ، وللخليفة حق التصرف فيها وفق مصالح الأمه وذلك عن طريق تأجيها وهذا ما عرف بالمزارعة ، أو يقوم بالأنفاق عليها من بيت مال المسلمين ، فيستأجر من يقوم بزراعتها ويكون فضلها للمسلمين

** أراض العشر: هي الأراضي اخذت عنوة  وتم تقسيمها على من غلب عليها أو كل أرض أسلم عليها سواء من أرض العرب أو غيرهم ، أو كأي أرض أحياها المسلمون ، والتي اسلم عليها أصحابها من ارض العرب والعجم

** أراضي الإقطاع: وهي الأراضي التي كانت مخصصه للدولة من ملكيات خاصة بالخلفاء وكبار الموظفين وكل من فرعن أرضه وقتل في المعركة ، وآلت بعد الفتح الإسلامي إلي الدولة الإسلامية ، فكان من حق الخليفة أن يقطع من هذه الأراضي لمن يقطع ، والغالب على أراضي الإقطاع إما إقطاع تمليك "يرتبط بالأرض الموات" أو إقطاع استغلال " للأراضي العشرية والخراجية"، ولا يحق بعد أن آلت ملكيه هذه الاض إلي من أقطعت له أن يستردها منه أحد لأن ذلك يعتبر اغتصابا  لهذا الحق ومع ذلك كان لا يستطيع أن يورثها أحدا من أبنائه ، وهذه الأرض يحق عليها الخراج إذا كانت تروي من أنهار الخراج ويحق عليها العشر إذا كانت لا تروي منها وتكلف صاحب الإقطاع من المؤنة  في حفر الأنهار وبناء البيوت وعمل الأرض وفي ذلك مشقة علي صاحب الإقطاع .

** أرض الإجلاء: وهي المساحات الصغيرة من الأرض التي كان يملكها الفلاحين البسطاء الذين عجزوا عن حمايتها فأصبحت أرض موات ، وعجزوا  أيضا عن دفع ضرائبها ، فاضطروا إلي نقل ملكيتها الي ذوي القوة ممن سيستطيعون حمايتها من تعسف الجباه في جبايه الضرائب ، فأصبح المالك الفعلي للأرض هو المدافع عنها والمالك الأصلي هو العامل فيها تنفيذا لقول رسول الله e "أن من أحيا أرضا ميته فهي له" ، وهذه الأرض إذا شربت من ماء الخراج أصبحت أرض خراج وإذا شربت من ماء السماء أومن العيون أصبحت أرض عشر.

**أراضي الأوقاف: ومعنى كلمة الأوقاف هى نقل ملكية الاشياء من عقار ونحوه من المالك الأصلي وهو الواقف الى من يعينه الواقف للاستفادة من إيراده ، وما يغله دون بيعه ، أوهى حبس أصل العين عن التصرف فيها كنقل الملكيه  والهبة  و الميراث مع التصدق بثمرها ومنافعها فى وجوه الخير ، وكان بعض الحكام أو أهل الخير الفقهاء يخصصون بعض الأراضي التي يرصد ما تنتجه للإنفاق علي المنشآت الدينية كالمساجد والمدارس ، وبقيه الخدمات العامة ، والإنفاق من عائدها علي الأيتام ، والعاجزين عن الحج ، وتجهيز بنات الفقراء للزواج ، وفك الأسرى وإطعام أبناء السبيل وتزويدهم بما تحتاجه بلادهم وتعديل الطرق وتزويد المقاتلين بالمال والإنفاق على المستشفيات والعجزة واللقطاء وإطعام الفقراء فى رمضان وغيرها من بقية مصارفها ، وهذه الأوقاف لا يمكن بيعها ، ويقوم علي شئونها مجموعه من رجال الدين والقضاة وخطيب الجامع والوالي لعدم العبث فيها ، وتنقسم الى :

- أوقاف رسميه: وهي التي يوقفها الخليفة أو الأمراء لتحقيق مصلحة معينة كوقف عمر بن عبد العزيز والذى اصبح خانقاة للصوفية.

- أوقاف خاصه: وهي الأرض التي يوقفها صاحب المال ، أو التي يشترك في وقفها مجموعه من الناس من ممتلكاتهم الخاصة لاستخدامها لغرض معين ، وهذه الأوقاف كان يستطيع الفقراء اللجوء إليها لسد احتياجاتهم من الطعام حيث كانت تخصص بعض الأطعمة لزائري الأوقاف التى دفن صاحبها فى بعض الأيام كالجمعة ، بالإضافة الى أنها كانت مأوى لمن لا مأوى له .

ولنا أن ندرك مدى أثر الأوقاف فى إثراء التكافل الاجتماعي بين المجتمع ابتغاء تحقيق كفاية المجتمع نتيجة لشموله كافة اوجه حاجات المسلمين ، والتي يتحقق معها نشر الرضا بين أفراد المجتمع

** اراضي الموات: وهي الأرض التي يحتطب منها أهل الناحية ، وترعي فيها الأغنام والمواشي وهي ذات غياض وأشجار وليس لأحد عليها ملك. 

  • طرق استغلال الاراضي الزراعية:

انتشرت مجموعه من الطرق الخاصة باستغلال الأراضي الزراعية وهى:

* الزراعة الفردية: في حالات صغر مساحه الأرض ، حيث يقوم صاحبها بزراعتها بشكل مباشر بمساعده أفراد أسرته توفيرا للنفقات .          

* الزراعة الجماعية : ففي حالات إتساع مساحه الأراضي الزراعية ، فيقوم اصحابها بإستئجار العمال للقيام بزراعتها مقابل أجر معين مالي يومي أو إسبوعي أوعيني كحصه من الغلة ، وهذه الأراضي غالبا ما تتبع ميسوري الحال والوزراء المقيمين في المدن ويعينون وكلاء لهم ينوبون عنهم في مباشره الأعمال الخاصة بهذه الأرض الزراعية .

 * الايجارالسنوي :حيث يقوم صاحب الأرض بإيجار هذه الأرض لأحد المزارعين لرعايتها طول العام مقابل مبلغ معين من المال يتم الاتفاق عليه .

 *المزارعة "المقاسمة": والمقصود بها إعطاء الأرض لمن يزرعها ويعمل عليها ، وتقوم علي أساس تقديم المالك الأرض الزراعية والأدوات اللازمه للزراعة كالمعدات والماشية والبذور ويقدم الفلاح جهده ويقسم الناتج بينهما بنسبة معينة يعينها العقد  أو العرف ، وقد كره بعض الفقهاء امثال أبى حنيفة ومالك المزارعة كراهة التحريم  ،وأجازها البعض الآخر كأبو عبيدة والشيبانى ، ويقال ان للمزارعة عدةأاوجه أولهما ان تكون عارية وليس فيها إجارة ، وهى ان يعير الرجل أخاه ليزرع الأرض ولا يشترط الإجارة ، فيزرعها المستعير ببذره  ونفقته ويكون الزرع له  والخراج على صاحب الأرض وأن كانت أرض عشر فالعشر على الزارع ، وثانيهما أن يكون البذر والنفقة مناصفة  بين صاحب الأرض والمزارع  ويكون الزرع  والعشر مناصفة اما الخراج فعلى صاحب الأرض ، وثالثهما إجارة الأرض بدراهم معينة لمدة معينة ويكون الخراج  و العشر على صاحب الأرض ، ورابعهما المزارعة بالثلث أو الربع للمزارع على ان يكون الخراج على صاحب الأرض والعشر عليهما فى الزرع  وهذا فى حالة ريها بالدواليب والنواضخ ، وخامسهما المزارعة بالسدس أو السبع لزارع الأرض ، وهذه التقسيمات تعتبر مجموعة من الخلافات الفقهية التي توافق الفقهاء على بعضها  ورفض الآخر بعضها .

* المساقاه : وهي تختص بالأرض المشجرة ، وهي أن يقوم مالك الأرض باستئجار الفلاحين للأغنياء بهذه الأرض والقيام بالعمليات الزراعية الخاصة بها مقابل حصة متفق عليها أيضا وغالبا ما تكون مناصفة .

* المغارسة : فهي تختص بالأرض الموات حيث يقوم صاحب الأرض بإستئجار من يقوم بغرسها وزراعتها و الاعتناء بها لعدة سنوات مقابل حصة معينة  من الأرض والشجر علي حسب شروط العقد الموقع بينهما بحسب  نوع الأشجار ومدة  زراعتها ، وتختلف مده الاتفاق حسب عدد السنوات التي تحتاجها الأرض الزراعية وبدء الإنتاج وذلك لإختلاف إنبات الأشجار لان الأصل في  المغارسة  هو الزرع الدائم أي علي الغرس الذي يدوم زمنا طويلا ، ويكون صاحب الارض هو صاحب النصيب الأكبر دائما من حصه الغرس .

*الضمان والتضمين : وهى إتفاق يتم بين صاحب البستان وصاحب رأس المال الذي يدفعه مقابل جني المحاصيل الزراعية  دون القيام بأي عمل آخر، وهذه العملية تتم منذ بداية عقد الثمار علي الأشجار وينتهي العقد بإنتهاء موسم القطاف ، وقد عرفت هذه الطريقة منذ العصر الأموي وما زالت شائعه حتي العصر الحالي ، إلا ان هذه الطريقة لها من المساوئ ما يضر صاحب رأس المال وصاحب البستان حيث يمكن أن يتضرر صاحب رأس المال وذلك لأسباب مناخية أو بيئية طارئه ، أو تدهور الأسعار في ذلك الموسم ، كذلك يمكن أن يتضرر صاحب البستان اذا تم جمع هذه الثمار بطريقة غير صحيحة  مما يؤدي الي حدوث أصابات في الأشجار وفروعها مما يؤدي الي إنخفاض مستوي المحصول الثاني بعد انتهاء مده ضمان البستان .

* التسليف : وهى اتفاق بين صاحب رأس المال وصاحب البستان بشراء ثمار هذا البستان قبل ميعاد جنيها  ويكون المكسب هنا لصاحب المال حيث قام بشراء الثمار بسعر زهيد لقاء حاجة مالك الأرض للمال  قبل أوان الجني والتسليف يكون علي ثمار الأشجار كالزيتون والتين .

*المخايرة : وهي أن يقوم  صاحب الأرض بزراعة أرضه والأشراف عليها  ثم يحصدها شخص آخر، والمخايرة  تكون علي الزروع ، وقد تكون المخايرة  بتأجير الأرض لشخص يعمل بها في جهة معينة لصاحب الأرض وفي جهة أخري للعامل ، وقد شاع استخدام هذه الطرق منذ العصر الأموى ، و استمر حتى العصر الفاطمي.

 

المآثر الخيرية للأميرة أنجي أو أنجه هانم في المجتمع المصري

بقلم د / ميادة حجازي

دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر

    اتسمت أميرات الأسرة العلوية في النصف الأول من القرن العشرين بكثرة الأوقاف واهتمامهن الكبير بدور العبادة والأعمال الخيرية ، فضلاً عن  قيامهن بالكثير من أعمال البر وأوجه الخير التي عمت علي البلاد بالخير, وتمثلت في وقف الأوقاف الخيرية والأهلية , وعتق الجواري ووقف الكثير من الأوقاف علي معتوقاتهن من العبيد والجواري وذريتهن الذين لا عائل لهم , لذلك وفرت لهم الأوقاف السكن والكسوة والطعام بصفة دائمة ,ومساعدة الفقراء والمحتاجين, وتقديم يد العون لمنكوبي الحروب , وإقامة الأسواق الخيرية لمساعدة المرضي , فضلاَ عن اهتمامهن بالإطفال ورعايتهم , مما كان له أثره الكبير علي المجتمع المصري خلال تلك الفترة ، ومن بينهن الأميرة أنجي أو أنجه هانم  ( وهي الزوجة الأولي حرم سعيد باشا والي مصر تزوجت من سعيد باشا عام 1854م ولم يرزق منها بأولاد , وتوفيت بثغر الأسكندرية في 5 سبتمبر 1890م ودفنت بالنبي دانيال , تميزت بكثرة أعمالها الخيرية والاجتماعية , وحبها لعمل الخير , والاحسان علي المحتاجين , ومساعدة الأرامل ,والايتام , والمؤزرين , وتقديم يد العون للفقراء والمحتاجين , كما كثرت أوقافها علي عتقائها من الجواري والعبيد وعتقاء زوجها كما سنري

     تعددت أوقاف الأميرة أنجي هانم الخيرية علي معتوقاتها فنجدها أوقفت علي معتوقتها الست سوزديل السمرا بـ 15  فدان لكي يصرف ريعها عليها بمقتضي الحجة التاريخية المؤرخة في 28 جمادي الأول 1295هـ \ 1878م  من محكمة دمنهور ، وفي المجال الخيري والاجتماعي نجدها أوقفت 1800 فداناَ ومنزلاَ مساحته 4 فدان ونصف في دمنهور بمديرية البحيرة بمقتضي الحجة المؤرخة في 1282ه  ولكن الأميرة شرطت لنفسها الشروط العشرة وبمقتضي ذلك عملت علي تغيير عض الأعيان فيها وإدخال بدل منهم وذلك في ربيع الأول 1307ه \ 1890م , وشرطت أن يتم صرف ريعها كالتالي :ـ

  • 100 فدان يصرف ريعها عل خيرات تعمل بمدفن سعيد باشا بالأسكندرية .
  • 100 فدان يصرف ريعها علي خيرات تعمل بمدفن الواقفة في مصر واللأسكندرية .
  • 75 فدان يصرف ريعها علي شئون مسجد الواقفة في جزيرة بدران بمصر .
  • 40 فدان يصرف ريعها علي شئون السبيل بمكة المكرمة .
  • 40 فدان يصرف ريعه في مشتري أبسطة لحرم المدينة المنورة .
  • 200 فدان يصرف ريعها علي شئون عتقاء الواقفة الذين يعيشون في السرايا وقت وفاتها

 وفي شئون الضيوف المترددين علي السرايا بعد وفاتها من المسلمين وغيرهم من مأكل ومشروب وغير ذلك .

وفي شئون عتقاء سيما فلة وعتقاء عطر شاه في مأكولاتم وملابسهم حسب ما يراه الناظر, وما عدا من كان له وقف خاص عليه من الواقفة فلا حق له في هذا الوقف .

  • 160 فدان يصرف ريعه علي شئون الذين يعملون في سرايا في الواقفة من أغوات وساقين وبوابين وغيرهم , ما عدا الذين لهم وقف خاص أوقفته الواقفه عليه أو خدم بغير دائرتها .

ويصرف في إكرام الضيوف النازلين بسرايتها بعد وفاتها .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      715

    كما أوقفت الأميرة أنجي هانم علي معتوقاتها الست برنجي بيه صديقة مائة فدان , وعلي الست بيدار البيضا مائة فدان , وعلي الست دلريا البيضا ثمانينن فدان , وعلي الست دلنوافر مائة فدان , وعلي الست سوزديل السمرا خمسة عشر فدان , وعلي محمد حسين البربري عشرين فدان , والاوسطة نازلين عشرة فدان , وجورج سوماريا مائة وخمسون فدان , والست عشقي ثلاثمائة فدان , وعلي الست ناز مستان مائة فدان, وعلي طيفور أغا تسعين فدان و4 ونصف في المنزل , وخليل أغا نديم ثلاثين فدان , وشرطت الوافقة لنفسها الشروط العشرة , وبمقتضي ذلك أتاح لها عميلة تبديل الأعيان وإدخال أخرين وجعلت لتفسها هذا الشرط فقط ولا يجوز لأحد أخر التعديل فيه بعد وفاتها , كما أمرت الواقفة بأن يصرف ريع هذه الأطيان علي الواقفة طول مدة حياتها , ومن بعدها يؤول إلي عتقاء المرحومة المذكرين في نص الوقفية , ومن بعدهم يؤول إلي ذريتهم ونسلهم , فإذا انقراضوا يصرف علي اثنتي عشر جهة خيرية بالأسكندرية , وتولت الأميرة أنجي هانم نظارة الوقف مدة حياتها ومن بعدها يؤول للأرشد فالأرشد من أنجال محمد طوسون باشا ومن بعدهم لذريتهم لحين أنقراضهم يقوم الحاكم الشرعي للبلاد بتعين رجلا من أهل الدين والإصلاح  .

 

   ولكن من خلال مراجعة مساحة الأطيان الموقوفة علي عتقائها من الجواري والعبيد وعلي أوجه الخير يتضح بأن مساحتها 1810فدانا بدلا من 1800فدان بمديرية البحيرة , كما يتضح أيضا مدي أهمية الدور التي قامت به الأميرة أنجي هانم في وقفيتها حيث اهتمت بالجانب الاجتماعي والخيري والديني في وقفيتها سواء كان علي عتقائها من الجواري والعبيد حتي يتوافر لهم حياة كريمة بعد وفاتها وسبيل لكسب العيش , بخلاف عمارة المساجد وتجديدها وشراء ما يلزمها من أدوات , ولم يقف دور الأميرة  في أوقافها علي مصر بل شمت رعايتها المنشآت المائية في المدينة المنورة ومكة , وفرش أبسطة الحرم , كما شملت رعايتها غير المسلمين في وقفيتها فكانت أول أميرة من أميرات البيت الحاكم التي تقوم بوقف بعض الأطيان علي غير المسلمين . 

     وليس هذا فقط بل أوقفت الأميرة أنجي هانم 2220 فداناَ موقوفة بوقفيات كثيرة وشرطت فيها عند إنقراض الموقوف عليهم يؤول إلي اثنتي عشر جهة خيرية في الإسكندرية ويتولي النظر عليها وزارة الأوقاف وأمرت بعلي الجهات التالية :ـ

  • مسجد سيدي العباس المرسي
  • مسجد سيدي ياقوت
  • مسجد سيدي عبد الرازق الوفائي
  • مسجد سيدي جابر
  • مسجد سيدي تمراز
  • مسجد ومدفن سعيد باشا
  • مسجد السيدة نعمة
  • مسجد السيدة رقية
  • مسجد السيدة أم سلامة
  • مسجد السيدة آمنة
  • مسجد النبي دانيال .

جامع أنجي هانم 1282 هـ ( 1865 م) :

    يعد جامع أنجي هانم من أقدم الجوامع الأثرية في شبرا ويقع في شارع الترعة بجزيرة بدران ولكنه اندثر بعد عام 1903 م ، وقد قامت أنجي هانم بإصدار أوامرها لوكيلها لبناء جامع لها وكان المسجد مستطيلاً يطل على الحارة الشمالية بجوار الزاوية الشمالية الغربية لبيت الصلاة وكانت مادة الخشب هي الغالبة على بناء المنارة وقد أوقفت عليه الأميرة أنجي هانم أوقاف كثيرة كما ورد في وقفيتها حيث أوقفت خمسة وسبعين فدان بمقتضي الحجة المؤرخة فى 10 ربيع الأول 1307 هي (1881 م ) على أن يتم صرفها على مسجدها في جزيرة بدران .

مسجد أنجي هانم بالإسكندرية :-

    كما قامت الأميرة أنجي هانم ببناء مسجد لها بمدينة الإسكندرية ويعتبر من المساجد المهمة التي شيدت في عهد أسرة محمد علي ، وتأتي أهميته التاريخية في أنه أول المساجد التي بنيت علي طريق ترعة المحمودية في القرن التاسع عشر ، فضلاً عن تميزه بمئذنة ذات طراز عثماني فريد لم يتكرر سوي في مسجدين آخرين بالإسكندرية ، ويقع في شارع ترعة المحمودية بمحرم بيك وأوقفت عليه أوقافاً ضمن وقفيتها بدمنهور ويتكون المسجد من مساحة مستطيلة قسمت إلى أربعة أورقة متوازنة وجعلت له مئذنة ومصلي للسيدات وللمسجد مدخلين منها بأربعة آلاف جنيه لمساعدة هذا المشروع الجليل كما استعدت الأميرة أمينة هانم إلهامي أن تساعد بتقديم السكة الحديد الموجودة في تفتيشها لتسهيل عملية نقل الأتربة اللازمة للإصلاح ولكن المشروع توقف .

    وإلي حديث آخر حول المآثر الخيرية والاجتماعية للأسرة العلوية في مصر

                       والله الموفق والمستعان

رقصة العظام

بقلم - سهر سمير فريد

باحث دكتوراه فى تاريخ العصور الوسطى

تُعد رقصة العظام أو الفاماديهانا Famadihana من التقاليد الغريبة والمنتشرة في مدغشقر لدي قبائل المالاغاشي، حيث تعتمد على استخراج عظام الموتى من قبورهم، وحملها بعناية، والرقص باستخدامها، والإعداد للولائم الكُبرى ضمن هذه المناسبة، ويتحدث أقارب الميت مع عظامه؛ من أجل سؤالها عن الأحداث التي مرّ بها منذ وفاته، كما ينتشر اعتقاد بين السُكّان أنه في يوم الاحتفال تلتقي أرواح الأموات مع أرواح الأحياء.

ويعتبر المغزى الرئيسي من وراء هذا الاحتفال المالاغاشي ورغم غرابته، أن الموت ليس نهاية الإنسان، وأن هناك حياة أخري تنتظره، كما هو الحال في العديد من الحضارات والمعتقدات الدينية في العالم كله.

وقدجد الباحثون صعوبة كبيرة في الوصول إلى كشف أسرار معظم الأسر في مدغشقر، وأنّ نصف السكان على الأقل ما زالوا يعتقدون بأن أرواح موتاهم تعيش معهم ولا تفارقهم أبدًا. حتي أنهم تميزوا ببعض العادات الغريبة الخاصة بالموت، كإقامة أضرحة ضخمة بالغة الفخامة لموتاهم، كما يقومون بوضع كميات كبيرة من الذهب والنقود مع موتاهم، كما يضعون مع العظام كمية من التبغ حتى تظل الروح مرتاحة كما كان يفعل وهو حيًا.

يقيم المالاغاشيون هذا الاحتفال عادة مرة كل ثلاث سنوات وسط طقوس رقص غريبة، وتُجرى هذه الاحتفالات خلال شهر أغسطس وسبتمبر وأكتوبر، بعد أن ينتهي موسم حصاد الأرز، مستخدمين أموالهم التي جنوها من حصاد الأرز للإنفاق علي هذا الحتفال الضخم.

 يرتدي المحتفلون أفخر الثياب وأغلاها ثمنًا وتستمر كل احتفالات كل أسرة لمدة يومين، والأسر الثرية تستأجر أكثر من فرقة موسيقية للعزف خلال هذه المناسبات، كما تقوم راقصات محترفات بتأدية رقصات بالقرب من العظام، وكلّما استمرت وقتًا أطول في رقصاتها كلما ارتاحت روح الميت حسب معتقدهم.

وفي اليوم الثاني من الاحتفالات يقدم كل فرد من أفراد أسرة الميت نفسه إلى العظام، وتختتم الاحتفالات بلف العظام بقماش من حرير والرقص بها في الشوارع ومن ثم يعاد دفنها في الضريح نفسه.وفي بعض الأحيان يظل قريب الميت يرقص ويرقص حتى يغيب عن الوعي.

يظل الحديث مع العظام محصورًا حول الأعمال الجيدة والصالحة ويتجنب المحتفلون أي حديث سيء معها حتى لا تغضب روح الميت، وتقضي التقاليد أن يدور أقرباء الميت وهم يرفعون العظام أربع مرات حول القبر قبل دفنها مرة أخري، ويضع السكان عادة سجادة فخمة في داخل القبر وبعد مرور حوالي 30 و 50 عام يقوم السكان بجمع العظام كلها من الأضرحة ووضعها في ضريح كبير واحد.

ولعل أطرف ما في الأمر أن المالاغاشي يعتقدون بأن الهدف الرئيسي من الزواج في مدغشقر هو ايجاد شخص يعتني بالآخر في حال وفاة أحدهما، والاشتراك في رقصة العظام.

في الوقت الحاضر، يعاني تقليد الفاماديهانا من انحدار وإنحلال شديد بسبب ارتفاع أسعار الأكفان، إضافة إلي حالة من الفهم والتقدم أصبحت لدي بعض المالاغاشيين الذين باتوا يعتقدون أن هذا التقليد متخلف ورجعي ولا فائدة ترجي منه للميت. كما أهمل الكثير من المالاغاشيين المسيحيين الإنجيليين هذا التقليد تمامًا.

 

كليثنيس والديمقراطية:

بقلم الدكتورة/ بوسي الشوبكي

تاريخ وحضارة اليونان

بعد سقوط حكم الطغاة دخلت أثينا في مرحلة جديدة من مراحل تطورها السياسيى، آلا وهي: نظام الحكم الديمقراطي. وفي إطار استمرار نمو وعي الأثينيين وإدراكهم لأهميه نظامهم الجديد بقضايا المواطنة والحقوق التي يجب أن يحفظها له المجتمع, والواجبات التي يقدمها المواطن، وتصبح إرادة الشعوب أقوى من الحكام، وبظهور تشريعات جديدة تستوعب مشكلات المجتمع ومصلحون جدد يدفعون البلاد بعيداً عن طريق الثورة، ويمضون بها إلى طريق القانون الذي يتفهم احتياجات المجتمع القائمة على العدل. وبهذه التطورات الجديده في أنظمة الحكم، والتي مرت أثينا بها بالفعل، دخلت أثينا مرحلة جديدة من مراحل تطورها السياسي، وهي مرحلة نظام الحكم الديمقراطي، والتي كانت بذوره الأولى إصلاحات كليثنيس.

استغل الأرستقراطيون المنفيون وعلى رأسهم كليثنيس السخط العام الذي ظهر على الساحة السياسية، فكثفوا سبل تعاونهم وأكسبوها شرعية في نظر الشعب فجاءت إصلاحات كليثنيس كمرحلة من مراحل تطور الديمقراطية الأثينية التي انخفضت فيها حدة الفوارق الطبقية وانصهر المجتمع في بوتقة واحدة هي الولاء للوطن، ونمو روح الأنتماء لدي الشعب.

كانت من أهم الصفات التى اتصف بها كليثنيس هي ضبط النفس والاعتدال، والذي ساعده على إيجاد برنامج سياسي أكثر عدلاً واتزاناً ومن ثم عمل على تنقيح وتعديل ما سبق من تشريعات(دراكون وسولون) لمواجهة النظام الملكي الأرستقراطي، لاسيما وأن النظام السياسي في أثينا كان يحرم على المواطنين حق التصويت أو شغل الوظائف، ومع انتقال السلطة إلى الحكم الديمقراطي أصبح هناك فهما جيداً للمشاركة السياسية والحرية والذي جعل أثينا تتمتع بالحكم الذاتي. وكانت أهم ملامح هذه الحرية هي رفض الأثينيين التدخل في شئونهم الداخلية من قبل القوى الخارجية، والعمل من خلال معارضة قوية على إنهاء حكومة الطغاة.

فقد جاء كليثنيس ليحاول إيجاد دستور أكثر ديمقراطية، كانت أهم دعائمه الدفاع عن الوطن ضد أولئك الذين يمكن أن يحيكوا به الضرر والتصدي للخيانة التي هي في نظر الأثينيين خيانة القوانين التي يجب أن يحترمها المواطن تقديراً لأمن وطنه. وعلى هذا دخلت التشريعات الدستورية حيز التنفيذ المبدئي في أثينا الكلاسيكية كمحاولة لتعميق الديمقراطية  التي أسس لها كليثنيس.

لقد حاول كليثنيس أن يعتمد على نظام سياسي معتدل وسطي والثورة على أسس  الملكية وإعادة هيكلة البناء الاجتماعي للدولة دون الإخلال بتقاليدها، وقد مكن اتزانه السياسي المجتمع الأثيني من السير نحو طريق الديمقراطية، فعمل على مشاركة جميع اطراف المجتمع سواء المعارضة أو القوى القديمة لتحقيق مفهوم إيجابي للمشاركة السياسية.

وقد وضع كليثنيس تشريعاته الدستورية، واستطاعت هذه القوانين حل مشكلات المجتمع وشكلت تطوراً نحو العمل الديمقراطي وجاءت كالتالي:-

إعادة هيكلة البناء الاجتماعي:

الغي كليثنيس نظام تقسيم الأثينيين إلى أربعة قبائل تقوم في الأساس على المولد النبيل وأحل محله تقسيم القبائل إلى عشرة على أساس محل الإقامة لتصبح قاعدة للتنظيم الإداري وللحقوق السياسية بدلاً من ذلك التقسيم الذي كان يقوم على رابطة القرابة أو الدم حيث كانت أتيكا مقسمة إلى أربعة قبائل كل منها مقسمة إلى عدد من العشائر وتتكون هذه العشائر من عدة أسر، وكان هذا التقسيم يعطي الأرستقراطيين إحكام قبضتهم على الجهاز الإداري، ويقصى كل من لا ينتمي بحكم مولده إلى هذه القبائل أو إلى تقسيماتها. وفي ضوء ذلك التقسيم تضاءلت فكرة المواطنة والحقوق السياسية ومن ثم أعاد كلثينيس تقسيم أتيكا إلى عشرة قبائل طبقاً لمكان القبيلة، وكل قبيلة مقسمة إلى ثلاثة أقسام يسمى كل واحد منها "الثلث" موزعة بين أقسام أتيكا الطبيعية "السهل- الساحل- الجبل" وهذه الأقسام الثلاث كل منها مقسم إلى عدد من الأحياء ويطلق على كل منها "ديمو". وقد جعل كليثنيس عضوية الحي أساساً للمواطنة والحقوق السياسية المترتبة عليها، كما جعل هذه الأحياء قاعدة للتنظيم الإداري وبهذا قضي على التكتل الطائفي الذي أدي إلى ظهور أحزاب متناحرة مثل حزب الساحل الذي يمثل التجار، وحزب السهل الذي يمثل أصحاب الأراضي، وحزب الجبل الذي يمثل الرعاة.

حقيقة الأمر أن كليثنيس استطاع بهذا التقسيم أن يحقق أكثر من هدف حيث حقق إتساعاً في قاعدة التنظيم الإداري بامتداده إلى الأحياء الصغيرة، ثم استطاع أن يحقق نوع من المشاركة لأعضاء الأحزاب السياسية لأن التقسيم تنوع ما بين السهل والساحل والجبل وهو نفسه التقسيم السياسي للأحزاب، وهو بذلك يمنع أعضاء هذه الأحزاب المقيمين في تلك المناطق من حق المشاركة السياسية والدخول في التنظيم الإداري للدولة. كما سمح كليثنيس بإعطاء حق المواطنة للمولود الذي ينجبه الأثيني من أمره أجنبية.

 إعادة تنظيم البولي (الشورى):

كان من أهم نتائج تقسيم القبائل وهيكلة البناء الاجتماعي الأثيني أن اطُرا لذلك إعادة تنظيم وتطوير مجلس البولي حتى تتمكن القبائل التي نتجت عن تقسيم كليثنيس من إدخال أعضاء وممثلين لها في مجلس الشورى الذي برز ضمن إصلاحات سولون وكان عدد أعضائه 401 عضواً، زاده كليثنيس إلى خمسمائة عضو بواقع خمسين عضوا لكل قبيلة من القبائل العشرة. وقد أعطى هذا المجلس أهمية خاصة كهيئة دستورية وتشريعية وقضائية تنفذ القوانين وترعى الأمن والنظام فضلاً عن أن الأراخنة أصبحوا ينتخبون بالاقتراع من بين أعضاء هذا المجلس.

مجلس القادة (العسكري):

قام بإنشاء مجلس عسكري يضم عشرة قادة، قائد عسكري "استراتيجوس" من كل قبيلة ويتم الاقتراع عليه من اعضاء القبيلة، ويعين لمدة عام. ثم حدث تطور بعد ذلك بمقتضاه يُحاسب "الاستراتيجوس" على ما قام به من أعمال طول العام الذي عين فيه كما يرأس هؤلاء القادة العسكريين القائد العام "البوليمارخوس". وربما يرجع السبب في إنشاء ذلك المجلس إلى مواجهة أي حالة من حالات الفوضى مثل التي حدثت في عصر الطغاة، والسبب الثاني هو عداء الفرس لبلاد اليونان كان دافعاً لإنشاء هذا المجلس. إن إصلاحات كليثنيس والتي تقوم في جوهرها على التوازن بين طبقات المجتمع، وعلى وضع حدود لطموحات وآمال كل طبقة لم تكن في الحقيقة سوى تطوير للأفكار التي وضعها سولون، كما أن الامتيازات التي أوجدها كليثنيس لم تكن متاحة لكل سكان أتيكا بل كانت وقفاً على من سماهم "بالمواطنين الأثينيين فقط" ويحرم من هذه الامتيازات من هو خارج حدود أثينا.

وهكذا فإن الديمقراطية الأثينية كانت ديمقراطية الأقلية وديمقراطية مغلقة غير عادلة حيث لم يكن هناك نظام تمثيلي انتخابي برلماني على الرغم من الإدعاء بالمساواة التامة بين المواطنين أمام القانون.

 قانون النفي:

أوجد كليثنيس نظام النفي عن طريق الاستفتاء "Ostracism" حيث كان من حق الجمعية العامة وهم في الأساس سكان المدينة أن يقترعوا عن طريق كتابة اسم شخص معين على قطع الشقافات ولا يقل الحد الأدنى من الحضور عن 100 شخص ويزيد عشرة أضعاف ذلك في الجلسات الاستثنائية على الأقل حيث يطلبون منه مغادرة البلاد لمدة عشر سنوات دون أن يتعرض لمصادرة أمواله وممتلكاته، وكان الغرض من ذلك تجنب الخطر الناتج عن سوء سلوك شخص معين حتى لا تحدث الصراعات ولكي لا تعطي فرصة لظهور طاغية آخر.

على أن تطور النظم السياسية في بلاد اليونان على ذلك النحو، منح حق التصويت للطبقات البسيطة كما تم توزيع السلطة بين مؤسسات وهيئات الدولة وأعطى كل مواطن حر فرصة المشاركة السياسية في إدارة البلاد.

وهكذا استطاعت ديمقراطية الطبقة الارستقراطية في أحد مراحل الديمقراطية الأثينية أن تجبر أصحاب المناصب على تأمين الدعم الشعبي وأن تلبي مطالبهم وهذا هو جوهر المواطنة، فضلاً عن أن أهم مبادئ الديمقراطية الاجتماعية هي تحقيق سياسة العدالة الاجتماعية بين المواطنين وأن يكون لكل مواطن حرية حق الاختيار.

 وفي النهاية يمكننا القول أن كليثنيس حفظ التوازن بين الحاكم والمحكوم حينما أعطى المواطن الأثيني الحق في محاكمة رؤسائه وقيادته أمام مجلس البولي عند انتهاء مدتهم الوظيفية وبهذا فإن النظام السياسي في عصر كليثنيس أصبح أكثر ديمقراطية مما كان عليه من قبل فزادت سلطة الشعب الأثيني وأصبح له دوراً في المشاركة السياسية "حتى وإن لم يكن هذا الدور كاملاً". كما حقق الأثينيون أعظم أمجادهم العسكرية خلال فترة كليثنيس لاسيما مع قدوم الخطر الفارسي فتكاتفت طبقات الشعب وتعاونت من أجل مواجهة هذا الخطر.

مناسبة ألّاي عند بني مزاب

بقلم عبد الفتاح عمي سعيد

باحث ماجستير من الجزائر الشقيق

تتنوّع العادات والتّقاليد وتختلف من مجتمع إلى آخر، وترتبط هذه التقاليد بتاريخ يروي مبدأها وتطوّرها، ومن المجتمعات التي تزخر بعاداتها وتقاليدها المجتمع المزابي، ومن عاداته الاحتفال بمناسبة ألّاي، فمن هم بنو مزاب؟ وما معنى ألّاي؟ وكيف يتمّ الاحتفال في هذه المناسبة؟

ولكوني مزابيا فسأجيب على هذه الأسئلة (كوني أحتفل بهذه المناسبة كل سنة) محاولا تعريف القارئ الكريم بهذه العادة المرتبطة بمجتمعي منذ ما يزيد على عشرة قرون.

أوّلا: من هم بنو مزاب؟

بنو مزاب فرع من فروع قبيلة زناتة الأمازيغية، سكنوا المنطقة الشّبكية المسماة باسمهم (وادي مزاب) على مشارف الصحراء الكبرى في ولاية غرداية جنوب العاصمة الجزائرية بـ600 كلم، منذ أقدم العصور، كما تدلّ على ذلك عشرات الحفريات الموزّعة في المنطقة، كحفريات منطقة المستجاب وحفريات منطقة بريان وحفريات إفرناون بمنطقة آت بنور.

وفي العصور الوسطى بَنَوْا مدن صغيرة على قمم الجبال، تم اندثار بعض تلك المدن وبقيت سبعة لا تزال آهلة بالسّكان، أقدمها تم بناؤها سنة 1012م وتسمّى تجنينت.

ثانيا: ما معنى ألّاي؟

المعنى الحرفي لألّاي باللغة المزابية هو الصعود، والمقصود منها انتقال بني مزاب في موسم الخريف من بيوتهم الموجودة بالواحة إلى البيوت الموجودة بالمدينة أعلى الجبل، وذلك بعد أن رحلوا من بيوت المدينة إلى بيوت الواحة في الرّبيع ليستمتعوا بالأجواء الربيعية ويمضوا الصيف هنالك بعيدا عن الحرارة المرتفعة في المدينة التي تقارب الخمسين درجة مئوية في بعض الأحيان.

لكن مع ابتكار المكيّفات الهوائية أخذت هذه الرحلة من الواحة إلى المدينة تتحوّل بالتدريج إلى عادة يحتفل بها المزابيون، بعد أن استغنوا عن الارتحال مرتين في السنة والاكتفاء ببيت واحد مجهّز بأجهزة التبريد، لتصبح ألّاي مناسبة اجتماعية يتم الاحتفال بها كلّ سنة.

ثالثا: كيف يتمّ الاحتفال بهذه المناسبة؟

يتم الاحتفال بهذه المناسبة في الجمعة الأولى من كل خريف، حيث تلبس البنات اللّباس التقليدي (الوارد في الصورة) المتكوّن من عدّة قطع، أبرزها الملحفة الحمراء التي توضع على الظّهر، وبعض الحلي، ثمّ تنتقل كل واحدة منهن مع باقي أفراد عائلتها من منزلهم المتواجد بالواحة إلى منزلهم الثاني المتواجد بالمدينة، وهذا يتم في الصباح.

أما في المساء فتقام في ساحة المدينة احتفالات فرق الخيل والبارود والغناء التقليدي والرقص الشّعبي، حيث يشارك الجميع في الاحتفال. وبعد إقامة صلاة المغرب يُقام في المسجد الكبير مجلس لتلاوة بعضٍ من القرآن الكريم، فتتلى سورة يس والصافات والملك والحزب الأخير.

أقدم مصنع للجعة بتل الفرخة بالدقهلية

بقلم/ مي شريف العناني

مفتشة آثار الدقهلية باحثة دكتوراه

عند زيارتك لمدينة السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، ستلاحظ إنتشار العديد من المحلات المتخصصة لبيع البوظة، ولعلك تتساءل أيها القارئ عن سبب شهرة السنبلاوين بالبوظة؟

الإجابة هنا ببساطة أن مدينة السنبلاوين توارثت صناعة البوظة من أجدادنا المصريين القدماء، حيث يرجع ذلك إلى وقوعها بالقرب من تل أثري يطلق عليه اسم "تل الفرخة"، والذي يقع بقرية غزالة، مركز السنبلاوين، محافظة الدقهلية، والذي عثر به على أقدم مصنع للجعة يرجع إلى عصر ما قبل الأسرات. فقد كان سبب تسميته بهذا الاسم إلى أن هناك أسطورة منتشرة بين سكان قرية التل  تذكر أنه كان هناك ديك يصيح أعلى التل كل يوم في الصباح الباكر ثم يختفي لذا سمي "بتل الفرخة".

كانت للجعة أهمية كبيرة في مصر القديمة، حيث استخدمت كمشروب في مصر القديمة، حيث تحتوي على قيمة غذائية عالية، فقد كانت مصدرًا هامًا للفيتامينات والمعادن، وبالتالي تمد الجسم بالطاقة والعناصر الغذائية الهامة، فقد اعتمد المصري القديم في غذائه على عنصرين رئيسين هما الخبز والجعة، كما كانت المخازن الملكية عامرة بقدور الجعة والنبيذ المختوم، وكانت تقدم الجعة كأجر أساسي للعمال، فعمال دير المدينة كانت رواتبهم عبارة عن حصص تموينية شهرية من القمح لصناعة الخبز، والشعير لصناعة الجعة. فكانت الجعة هي العملة الرسمية للمقايضة والدفع في مصر. بالإضافة لأهميتها الدينية فكانت تقدم كقرابين، فقد قدمت كقربان للمعبودة سخمت. وقد صورت مناظر صناعة الجعة على جدران المقابر المصرية القديمة، والتي ترجع لعصر الدولة القديمة، والوسطى، والحديثة.

وكانت تصنع الجعة عن طريق طحن الشعير، ثم عجنه، ووضع العجينة في قوالب،وتسخينها عند درجه حرارة معينة، ثم تقطع العجينة، ويوضع عليها ماء، أو ماء سكري ناتج عن نقع البلح، وتترك لتختمر، ثم تصفي، ويعبأ الماء المصفي في أواني فخارية.

أما عن "تل الفرخة" فقد أكتشف بواسطة بعثة إيطالية زارت التل عام ١٩٨٧م، والتي كانت في مهمة علمية بالجزء الشرقي من دلتا النيل، والتي نجحت في الكشف عن عدة مواقع منها "تل الفرخة"، وقامت هذه البعثة الإيطالية في عام ١٩٨٨م_١٩٩٠م بحفر العديد من المجسات بالتل، وكشفت عن موقع استيطاني مبنى من الطوب اللبن يرجع لأواخر عصر ما قبل الأسرات، وحتى عصر الدولة القديمة.

وفي عام ١٩٩٨م وحتى الآن عمل بالتل بعثة بولندية تابعة لجامعة كراكرف، ومتحف بوزنان.

وقسم تل الفرخة إلى ثلاثة أكوام (تلال):

الكوم (التل) الغربي: وهي منطقة تصنيع الجعة، حيث عثر على أجزاء من أواني فخارية محاطة بما يعرف ب Fire dog وهو يشبه الطوب الأحمر، ولكن مخروطي الشكل، وترجع لعصر نقادة الثانية.

الكوم (التل) الأوسط: كشف به عن مساكن عبارة عن غرف بداخلها مواقد في أركانها، ومخازن للشعير، وأواني فخارية، ومطاحن ترجع لحضارة نقادة الثالثة، وحتى عصر الدولة القديمة. 

الكوم (التل) الشرقي: كشف به عن عدد من الدفنات البسيطة، وكانت الهياكل العظمية في وضع القرفصاء، وترجع لعصر ما قبل الأسرات، وبداية الأسرات. كما عثر على تمثالين من الخشب تكسوهما رقائق من الذهب، بالإضافة إلى إناء فخاري يضم مجموعة من تماثيل آدمية، وحيوانية، وآلهة مركبة من العاج، ومحفوظين جميعهم بالمتحف المصري.

وفي عام ٢٠١٧م عمل بموقع تل آثار الفرخة بعثة حفائر مصرية من منطقة آثار الدقهلية، وكشفت البعثة عن مصانع أخرى للجعة، بالإضافة إلى صلايات، وأواني فخارية، وعدد من السكاكين المختلفة الأحجام، والمصنوعة من الظران، مما يرجح أن المنطقة كانت تحوي أقدم مصنع للسكاكين المصنوعة من الظران. بالإضافة إلى العثور على عدد من الدفنات الآدمية البسيطة، والتي كانت عبارة عن غرفتين حيث تحتوي غرفة على الهيكل العظمي، والغرفة المجاورة لها تضم أواني فخارية ليستخدمهم المتوفى في العالم الآخر. كما عثر على دفنة حيوانية لكلب صيد من فصيلة السلوقية، والتي كان يمتلكها الأغنياء في العصور القديمة.

فتل الفرخة من التلال الأثرية الهامة بمحافظة الدقهلية، حيث أنه يحوي أقدم مصنع للجعة في الدلتا، والذي يرجع إلى عصر ما قبل الأسرات. وقد اكتشف حديثًا مصنع للجعة بمنطقة أبيدوس بمحافظة سوهاج بصعيد مصر، والذي يرجع إلى عهد الملك نعرمر من الأسرة الأولى. بالإضافة إلى إكتشاف مصانع أخرى للجعة في الكوم الأحمر بأسوان، وفي المطرية، مما يدل على أهمية الجعة في مصر القديمة.

دعوة إخناتون وأسباب فشلها

بقلم/ سهام عبد الباقى محمد  
الباحثة الأنثروبولوجيه- كلية الدراسات الأفريقية العليا

جامعة القاهرة  

 كانت مصر حتى عهد الملك أمنحتب الثالث الذي حكم بين عامي 1417 و1379 قبل الميلاد تٌحكم من قبل العاصمة التقليدية طيبة(الاقصر)على بعد نحو 690 كيلو مترا جنوبي القاهرة في ظل سيادة ديانة (آمون) وفيها كان الكاهن الاكبر لمعبد آمون بالأقصر يمثل سلطة دينية ويفرض نوعاً من الهيمنة حتى على الأسرة الملكية.حتى جاء(أمنحتب الرابع) الشهير(باخناتون)فحكم البلاد ودعى لعبادة آتون(قرص الشمس).وقد عٌرف عن الملك الشاب أنه كان يتسم بشخصية مٌسالمة تميل الى التأمل والشعر،والموسيقى فلم يكن الملك رجل دولة بالمعنى الحرفى للكلمة ولم يعتمد فى بناء واستمرارية دولتة على استتباب الأمن،وتحقيق نهضة إقتصادية بقدر إهتمامة بالنواحى الدينية التى تمثلت فى توجية العبادة نحو الإله أتون مما أكسبة عداوة كهنة آمون اللذين حاولوا إسقاطه ومحو كل أثر له من الحضارة المصرية المرتبطة بعقيدة أتون الذى سعى الملك اخناتون إلى تعميمها بمصر وجعلها عقيدة موحدة يجتمع عليها فكريا وعقائديا كل المصريين وقد انتهت دعوتة بفوضى عارمة عمت مصر أشبة بانفلات أمنى أدت الى تأجج ثورة شعبية أطاحت بالملك وبدعوته.

قوة عقيدة آمون

ضرب اخناتون بالمعتقدات الدينية المصرية عرض الحائط، ممثلة فى عبادة الأله أمون،ورع،وحورس، وايزيس،وتحوت، وغيرهم.ولم يقم اخناتون بثورته الدينة دفعة واحدة بل قام بتعظيم شان الأله رع فى البداية، ثم أعلن الثورة بشكل رسمي في السنة الخامسة من حكمة وحارب كهنة معابد أمون وبقية الآلهة وقام باسقاطهم ومحوهم من العقائد والشعائر الدينية،ومحو شواهد الإله آمون من المعابد،ثم فرض اخناتون عبادة ديانة أتون على المصريين وقام ببناء المعابد للإله آتون.وفي السنة السادسة من حكمة قرر إخناتون بناء مدينة أو عاصمة خاصة بإلهه الواحد فاستبدل طيبة مركز عبادة آمون، بعاصمة جديدة أسماها (أخي _ ناتون)أو أخيتاتون وتسمى ألان بتل العمارنة وهي بالقرب من منطقة المنيا جنوب مصر.مما استغضب الكهنة اللذين حاولوا الحفاظ على مكتسباتهم المالية،ومكانتهم الدينية جراء التنكيل الذى نكله بهم الملك اخناتون. فقاموا بثورة سميت ثورة كهنة آمون ونجحت ثورة الكهنة ومعها جموع المصريين فى الإطاحة باخناتون الذى أطاح بدين مصر القديم ليؤسس دين جديد، واسقط تعدد الآلهة، ليثبّت ديانة الإله الواحد أتون خلال مدة حكمه التى قدرت بنحو 18 عام. وربما كان السبب فى قوة عقيدة آمون قيامها على اساس مبدأ تعدد الألهة وحرية اقامة الطقوس والشعائر الدينية التى فطرت عليها الشخصية المصرية التى لم يمنعها هذا التعدد الدينى من التوحد والاندماج الشعبى فكان يحدث امتزاج  دينى بين الاقاليم المصرية ممثلا فى دمج معبوداتهم دعماً لوحدتهم السياسية،مثلما ذكرنا فى المقال السابق أنظر فى(الديانات فى الحضارة المصرية القديمة).وربما كان ما أتاحه الكهنة للمصريين من حرية فى الإعتقاد سبباً فى تعظميم وعلو مكانتهم الدينية وادى إلى الإلتفاف الشعبى نحوهم.

دعوة اخناتون للتوحيد

برغم  كثرة الادعاءات بان اخناتون هو نبى الله موسى والثابت فى التاريخ المصرى انه هو الملك أمنحوتب الرابع ابن الملك أمنحوتب الثالث ابن الملك تحتمس الرابع،ابن الملكة (تي) والتى لم تكن من سلالة الملوك انما من عامة الشعب.وزوجته الملكة (نفرتيتي) جميلة الجميلات.وهو عاشر فراعنة الأسرة الثامنة عشر حكم مع زوجته نفرتيتي لمدة  18 عام،وتٌوّج  بعد موت والده ملكاً على عرش الإمبراطورية المصرية.وقد رأى امنحوتب الرابع أن جميع الآلهة ليست إلا صورة متعددة لإله واحد، فنادى بعقيدة دينية جديدة تدعو إلى عبادة إله واحد هو "آتون" الذى كان يمثله قرص الشمس،وصوره بقرص تخرج منه أشعة تحمل الحياة والنور إلى الأرض وما عليها.وقام بتغيير اسمه الى (اخناتون) أي المٌرضي لآتون.ويرى الكثير من الباحثين فى الحضارة المصرية القديمة ان الديانات المصرية القديمة لم تكن ديانات وثنية، وان كثرة معبوداتهم من حيوانات وزواحف وطيور لم تكن سوى رموزاً  للاقاليم المصرية المتنوعة وشعاراً لها، ووفقاً لما أكده العالم هنرى بريستد بأن دعوة إخناتون للتوحيد لم تكن بدعة أو اختراعاً فأصل عقيدة التوحيد ومبادئه كانت راسخة ومٌتجذرة بالمعتقدات المصرية،والدليل على ذلك وجود أفكار راسخة لدى المصرى القديم عن الآخرة ،والبعث، والحساب، والثواب والعقاب،ووضع قلب الناس بميزان. فكل  تلك الافكار لا تستقيم الا فى ظل وجود اعتقاد بوجود اله واحد خلق الكون ومنح الخلق صفاته. فلم يكن الأمر غريباً فى المعتقدات الدينية المصرية.

فشل دعوة التوحيد التى أطلقها اخناتون

 كانت سياسة الإكراه التى إتبعها إخناتون هى السبب الرئيسى فى فشل دعوتة. والتى انتهت بموته حيث يميل الكثير من الباحثين إلى إرجاعه إلى الكهنة الذين تآمروا على قتله من أجل إستعادة عبادة أمون وجميع الآلهة ولم يتركوا أي أثر يدل على حكم إخناتون حيث ألغو أسمة من قوائم الملوك ومحوا كل النقوش التي تناولت ذكره لكي لايبقى من ثورته شيء يذكر.ومرجع ذلك أن الديانات المصرية القديمة، كانت تدور ‏حول فكرة وجود إله مركزي للعاصمة، إلى جانب آلهة ألأقاليم، لذا كان للأله آتون وجود قائم بالفعل جسده الأله رع  كأحد الألهة المعروفة والمعبودة لدى المصريين، لذا لم يكن لهذا التعصب الديني ممثلاً فى فرض عبادة آتون بالقوة وتحريم سواه من الآلهة أمراً مقبولاً أو مشروعاً فى الثقافة المصرية التى تستوعب تعدد المعبودات وامتزاج آلهة الآقاليم تحت مظلة سياسية ودينية،ولهذا أسقط المصرين دعوة إخناتون لأنها حملت معنى الإجبار والسيطرة وعدم إحترام معتقداتهم الدينية ورموزهم الإقليمية، كما تسبب الصراع الذى نشب بين الكهنة وإخناتون فى إضعاف الإمبراطورية المصرية‎ وأوشك على إسقاطها لولا التفاف المصريين حول فكرة التعدد التى كانت ترعاها كهنة آمون حيث أنها قد ضمنت لهم  حرية الإعتقاد وسلامة ووحدة أراضيهم.

ومن خلال هذا الطرح تنكشف لنا طبيعة المجتمع المصرى التى ترفض دمج الدين بالسياسية التى دعمتها دعوة اخناتون للتوحيد، واطاحت بها ثورة شعبية اشعلتها رغبة المصريين فى التمسك بحقهم فى ممارسة معتقداتهم بعيداً عن أية قوى جبرية أو توجهات سياسية دينية.

قصـــــر السـكـاكـيـــني

 بقلم  د. إيمان محمد العابد

دكتوراه في الأثار والفنون الإسلامية والقبطية  ، جامعة القاهرة

مفتش أثار ، وزارة  السياحة والآثار

وسط الفوضى العارمة في منطقة قلب القاهرة ، وزحام المدينة وتكدسها بالمباني والمنشأت ، يقطع هذا الصخب والزخم كيان معماري ، جسد وجوده تحفة معمارية ، لطالما تعمد أن يسرق أعين المارة ويسلب ألبابهم ؛ فلا يمر بجواره أحدٌ من الناس ، إلا ووقف أمامه ناظرا ً إليه نظرة إجلال وتقدير ، لمهابته وضخامته وروعة تصميمه وجمال زخارفه ؛ لاسيما التماثيل والمنحوتات الجدارية الرائعة والكثيرة التي يزخر بها هذا القصر المهيب. إنه قصر حبيب باشا السكاكيني ، الذي يعد واحداً من أروع ما شيد من قصور في منطقة وسط القاهرة. فماذا عن القصر ، ومن هو صاحبه ؟؟

يُعد قصر "حبيب باشا السكاكيني" واحدا ً من أروع المنشأت والمباني التراثية التي شيدت في منطقة وسط القاهرة ؛ حيث يقع على مقربة من منطقة غمرة وحي الظاهر. كما يُعد شاهد عيان على كثير من الفترات التاريخية التي مر بها وعاصرها موقعه ، فبالرغم من كونه قد شيد في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ؛ إلا أن القيمة التاريخية لموقعه تعود للعصر المملوكي ، وهو ما سيسفر عنه هذا المقال من التأكيد على الأهمية التاريخية لموقع القصر ، فضلا ً عن إلقاء الضوء على صاحب القصر وقصة بناءه .

لا يخفى على الكثيرين منا أن الحديث عن قصر السكاكيني ، كان قد سبقنا في الكتابة عنه أستاذنا الفاضل د. عبد المنصف سالم ؛ وذلك في رسالته التي حصل عنها على درجة الماجستير في الآثار والفنون الإسلامية والقبطية عام 1996 م ، والتي كانت بعنوان } قصر السكاكيني ... دراسة معمارية أثرية { . فخرجت رسالته في عمل أكاديمي ضخم امتلئت صفحاته عن بكرة أبيها بالمعلومات الهامة المتعلقة بالقصر مع سردها بتفاصيلها ،،، وتيسيرا ً على القراء والباحثين آثرت أن أتناول هذه التحفة المعمارية في مقالة تنصب بدورها حول القصر وما يتعلق به من جوانب هامة وبشكل موجز .

وعن موقع القصر  ؛ فقد أقيم قصر السكاكيني في موقع متميز ؛ حظي باهتمام كثير من المؤرخين ، لاسيما خلال العصرين المملوكي والعثماني ؛ فقديما ً كان موقعه عبارة عن بركة مياه تقع على الجانب الشرقي للخليج المصري ، في الجهة البحرية من مسجد الظاهر بيبرس البندقداري ، وكانت هذه البركة تعرف باسم "بركة الأمير قراجا التركماني" كما عرفت البركة كذلك بعدة أسماء منها : "بركة الشيخ قمر" ، " البركة الصغرى" ، " بركة بغل القروش" ، وكانت تعرف في العصر العثماني باسم "بركة المجاورين" .

وفيما يتعلق بصاحب القصر ؛ فينسب القصر إلى السيد " حبيب جبرائيل انطوان إلياس حنا " ـ مسيحي الديانة ، كاثوليكي المذهب ، ينحدر من أسرة شامية ذات أصول لبنانية سورية ، تعود جذورها إلى القرن الـ 15م ، وكانت هذه الأسرة قد اشتهرت منذ القدم بصناعة السيوف والسكاكين ؛ لذا عرفت باسم "سكاكيني" .

وفدت هذه الأسرة إلى مصر في منتصف القرن الـ 19م جاءت ؛ لاجئين إلى مصر هربا ً من قسوة الحياة في دمشق آنذاك ، واستقرت الأسرة في شارع الفجالة ـ كامل صدقي حاليا ً ـ

في عام 1880م امتلك حبيب سكاكيني أرض هذه البركة البالغ مساحتها ما يزيد على 16 فدانا ً وكانت أرضها فاسدة ومرتعا ً للحشرات الضارة ؛ فقام بردمها وشيد عليها القصر عام 1897م ؛ كما يتضح من اللوحة التأسيسية التي تعلو المدخل الغربي ؛ والذي أقام فيه حتى وفاته.

أما عن وصف القصر ؛ فتبلغ مساحته نحو 2689 م2 ، وقد أقيم على الطراز الإيطالي ، إذ يُعد نموذجا ً لفن "الروكوكو"، وهو فن ينتمي إلى الزخرفة في العمارة والديكور الداخلي والخارجي وكذلك الأثاث والتصوير والنحت، وهو فن منبثق من المحارة غير المنتظمة، وقد كانت بداية ظهور هذا الفن في فرنسا إبان القرن الـ18 م ، حيث أقامته شركة إيطالية ليكون نسخة من قصر إيطالي سبق وأن رأه حبيب السكاكيني وأراد تقليده أو عمل نسخة منه في القاهرة.

يتكون القصر من 5 طوابق ؛ يتكون الطابق الأول من 4 غرف، أما الثاني فيتكون من 3 قاعات و4 صالات وغرفتين، تبلغ مساحة الصالة الرئيسية نحو 600 م2 ، وتحتوي على 6 أبواب تؤدي إلى قاعات القصر، ومجموع غرف القصر تبلغ 50 غرفة ، ويحتوي على أكثر من 400  نافذة وباب، 300 تمثال منهم تمثال نصفي لحبيب باشا السكاكيني بأعلى المدخل الرئيسي للقصر، وللقصر مصعد ويطل على شرفة بها قبة مستديرة تؤدي إلى غرفة الإعاشة الصيفية.

وعن وصف القصر من الخارج : للقصر واجهات أربع تطل على "ميدان السكاكيني" ، يحيط بالقصر من جميع الجهات سور حديدي ، به أربع بوابات ؛ ثلاث منها في الجهة الجنوبية الغربية ، أما البوابة الرابعة فتوجد في الجهة الشمالية الشرقية.

تقع الواجهة الرئيسية في الناحية الجنوبية الغربية ، يتوسطها مدخل رئيسي يتقدمه سلم رخامي يؤدي إلى ردهة مستطيلة ، على جانبيها غرفتان صغيرتان ـ أغلب الظن ـ أنها كانت مخصصة للحراسة ، ويحيط بالسلم والردهة درابزين رخامي تتخلله فتحات بيضاوية تحصر بداخلها زخارف نباتية ، ويبدأ هذا الدرابزين من الأرض بقاعدتين مربعتين يعلو كل منهما تمثال لنمر جالس ، وتبرز كتلة المدخل عن سمت الواجهة بمقدار 1م لتحمل فوق ثلاثة عقود دائرية ترتكز مع جدار الواجهة على دعامتين متماثلتين وشرفة مستطيلة بالطابق الثاني تحيط بها دروة رخامية.

ويتصدر الردهة المشار إليها مدخل قوامه فتحة باتساع الشرفة التي تعلوه ، تغلق عليها من الخارج ضلف خشبية بنظام الشيش ، يعلوها عقد نصف دائري تزينه لوحة زيتية ، وتمتد الواجهة على يمين الداخل حتى تنتهي بالبرج الجنوبي الغربي ، ولتنقسم بينهما إلى مستويات ثلاثة فتح في المستوى السفلي منها نافذة مستطيلة ؛ لتهوية البدروم وإنارته ، ويفتح في المستوى الأوسط شباك ذا عقد نصف دائري تغلق عليه ضلف خشبية بنظام الشيش ، ويفتح بالمستوى العلوي الذي يبرز عن سمت الواجهة أعلى كوابيل حجرية شباكان أخران أسفل كل منهما وحدة زخرفية صغيرة تأخذ شكل المزهرية ، وفوق كل منهما شكل أدمي في وضع جانبي تحيط به زخارف نباتية بطراز الباروك ، ثم تمتد الواجهة على يسار هذا المدخل حتى تنتهي بالبرج الشمالي الغربي.

بينما تقع الواجهة الثانية في الناحية الشمالية الشرقية ، يحيط بها في الركنين الشمالي الشرقي والشمالي الغربي برجان أخران ، يتوسطهما مدخل فرعي قوامه كتلة بارزة ترتكز على عمودين حجريين بينهما فتحة تغلق عليها ضلف زجاجية يتقدمها قاعدة تأخذ شكل مزهرية كبيرة يعلوها عمود صغير يتوجه تمثال نصفي للسكاكيني باشا ، أما الشباكان الجانبيان ، فكل منهما عبارة عن فتحة مستطلية تغلق عليها ضلف زجاجية يتوجها عقد نصف دائري تزينه زخارف إشعاعية ، ويعلو كل شباك من هذه الشبابيك الثلاثة دخلة بيضاوية صغيرة تزينها وجه أدمى على جانبيه زخارف نباتية ، ثم ترتد الواجهة على كل جانب من جانبي المدخل الفرعي ، لتنقسم ـ كما هو الحال في الواجهة الرئيسية ـ إلى مستويات ثلاثة ، يضم السفلي منها نوافذ البدروم ، أما أوسطها فيشتمل على دخلة مستطيلة ذات عقد نصف دائري ، في حين يضم المستوى العلوي شباك مستطيل يغلق عليه ضلف خشبية بنظام الشيش تزينها من أعلى زخارف نباتية .

أما الواجهة الثالثة فتوجد في الجهة الجنوبية الشرقية ، التي تنقسم إلى قسمين يحيط بأولهما البرجان الشمالي الشرقي والجنوبي الشرقي ، ويتكون هذا القسم الأول من طابقين ، يتقدم الأرضي منهما شرفة مستطيلة ترتفع فوق أربع دعامات مستطيلة ، ويحيط بالشرفة درابزين تزينه زخارف نباتية ، وتفتح بهذه الواجهة ثلاثة شبابيك خاصة بحجرات النوم ، تعلو أوسطها قمة الواجهة ، وتأخذ شكل عقد نصف دائري تتخلله زخارف من أوراق نباتية وسعف النخيل وأشكال طيور . ويمتد القسم الثاني من هذه الواجهة بعد البرج الجنوبي الشرقي ، ويتكون هو الأخر من طابقين يفتح بالأرضي منهما نوافذ البدروم ، يعلوه شباك ذا عقد نصف دائري تغلق عليه ضلف خشبية بنظام الشيش ، ويفتح بالعلوي داخل دخلتين مستطيلتين شباكان متشابهان أغلق عليهما ضلف خشبية بنظام الشيش ، فوق كل منها داخل جامة بيضاوية يوجد شكل أدمى جصي في وضع جانبي.

وفيما يتعلق بالواجهة الرابعة ، التى توجد في الناحية الشمالية الغربية ، والتى تمثل واجهة الجزء المضاف إلى القصر ـ والتى تعود لإضافات هنري إبن حبيب باشا سكاكيني ـ وتتكون من طابقين أسفل الأرضي منهما نوافذ البدروم ، وأوسطه دخلة ذات عقد نصف دائري بها شباك نغلق عليه ضلف خشبية بنظام الشيش ، على جانبيه حنيتان متماثلتان كل منهما ذات عقد محاري نصف دائري يرتكز على عمودين لكل منهما قاعدة مستطيلة بارزة تزينها أشكال بيضاوية وقلبية على أرضية نباتية ، وداخل كل حنية من هاتين الحنيتين تمثال لرجل واقف على الطراز الروماني.

وتتوسط الطابق الثاني لهذه الواجهة شرفة مستطيلة مقامة على أربع كوابيل حجرية ، ويحيط بها درابزين على هيئة مزهريات متراصة ، يفتح بها شباك تغلق عليه ضلف خشبية بنظام الشيش ، على جانبيها دخلتان بكل منهما شباك تغلق عليه ضلف خشبية بنظام الشيش تتقدمه شرفه صغيرة ذات شكل مستطيل .

وتنحصر مداخل هذا القصر كما أشرنا في مدخلين أحدهما رئيسي بالواجهة الغربية يبرز عن سمتها بحوالي 1م ، وتتوسطه فتحة باب ذات مصراعين من الخشب تفتح باتساعها العلوي شراعتان حديديتان ، على جانبييه قاعدتين مستطيلتين فوق كل منهما عمودان رخاميان ، وتعلو هذا المدخل شرفة يتوجها شكل زخرفي محاري ، وفي أسفلها زخرفة نباتية يتوسطها الحرفان الإنجليزيان ( H.S.) ؛ إشارة إلى الحرفين الأولين من أسم المنشئ ( Habib Sakakini ) ، وعلى جانبي هذا المدخل شباكان معقودان بعقد نصف دائري تغلق على كل منهما ضلف خشبية بنظام الشيش ، والمدخل الأخر فرعي يوجد في الناحية الشمالية ، وتبرز كتلته عن سمت الواجهة بحوالي 1.5م ، وتتوسطها بعد ثلاث درجات رخامية فتحة باب ذات عقد نصف دائري ، يعلوه مستطيل بارز نقش فيه عبارة نصها : " حبيب سكاكيني 1897م " ، وعلى جانبي عقده كابولان حجريان يحمل كل منهما نافذة يغلق عليها حجاب من المصبعات الحديدية.

هذا وتنحصر أبراج القصر في أربعة أبراج متشابهة في عمارتها وزخارفها ، فيما عدا بعض التفصيلات الزخرفية الصغيرة ، وترتفع هذه الأبراج في ثلاث واجهات غيرالواجهة الجنوبية ؛ أول هذه الأبراج يقع على يمين المدخل الرئيسي ، وهو البرج الجنوبي الغربي ، قد أخذ شكل ثلاثي أرباع دائرة ، وينقسم إلى طابقين تعلوهما قبة ذات قطاع مدبب في طابقها الأرضي توجد أربع دعامات مستطيلة ، تحمل كل منهما تمثالا ً لسيدة واقفة ، يأخذ نصفها السفلي شكل كابولي ، وبين كل دعامتين من هذه الدعامات الأربع حنيتان رأسيتان ، يفتح في أولهما شياك مستطيل ، أما الثانية فهي عبارة عن دخلة ذات عقد محاري نصف دائري ، تتوسطه جامة بيضاوية كبيرة بارزة كتب في وسطها الحرفان الأجنبيان ( H.S) اللذان يشيران إلى الحروف الأولى من اسم حبيب سكاكيني ـ كما ذكرنا آنفا ً ـ وأمام هذه الحنية توجد قاعدة تأخذ شكل ثلاثي أرباع دائرة متدرجة ، تعلوها قاعدة ثانية أصغر منها ترتكز على مجموعة من التماثيل الأدمية وأخرى حيوانية ، تعلوها مزهرية دائرية عليها تمثال من الجص لسيدة واقفة ذات هيئة يونانية رومانية تتضح من خلال ملامح وجهها وطيات ثيابها ، فضلا ً عن وجود تأثير مسيحي متمثل في الأكليل المتوج لرأسها .

أما الطابق الثاني لهذا البرج ، فقد صمم أيضا ًعلى شكل ثلاث أرباع دائرة ، إلا أنه يرتد عن الطابق الأرضي بحوالي 1م ؛ ليكون شرفة يحيط بها درابزين حجري ، على جانبيها ـ فوق دعامات الطابق الأرضي ـ توجد قاعدتان مستطيلتان عليهما مجموعتان من التماثيل الجصية ، وتضم واجهة هذا الطابق أربع دخلات غير عميقة تتوجها عقود نصف دائرية ترتكز علة أعمدة مخلقة ملتصقة بالجدران ، في واحدة منها فتحة شباك ، وينتهي البرج بقبة ذات قطاع مدبب تزينها أشكال طيور تتدلى من مناقيرها أفرع نباتية تعبيرا ً عن كونها تحمل الخير ، استبشارا ً بقدومه.

أما الأبراج الثلاثة الباقية في الجهات الشمالية  الغربية والجنوبية الشرقية والشمالية الشرقية ؛ فهي أبراج تتشابه مع البرج الجنوبي الغربي في تصميمها وزخارفها النحتية ، فالتماثيل كافة يغلب عليها الطابع اليوناني الروماني الذي أضفاه المَثال على سحنات وملامح الوجوه الأدمية إلى جانب التأثير المسيحي المتمثل في الأكاليل التي تتوج رؤوس تماثيل النساء.

وتتوسط هذا القصر حديقة بها سور حديدي به ثلاثة أبواب ، وتنقسم هذه الحديقة إلى أحواض يتقدم الرئيسي منها أمام المدخل الجانبي في الجهة الشمالية تمثال من الرخام لأسد رابض يشبه تمثال أبي الهول ، وأما الشرفة الشرقية توجد فسقية رخامية على هيئة حوض مربع على جانبيه أسدان متقابلان من الرخام جالسان ، تتوسطها فوارة زخامية يزينها نحت لأسماك تفتح أفواهها رؤوسها للأسفل وذيولها للأعلى وكأنها في وضعية سابحة مع انسياب المياه المتدفقة من الفوراة التي تتوجها مزهرية صغيرة يتوسطها الصنبور الذي تخرج منه الماء. ـ صورة رقم ( ) ـ

وفيما يتعلق بتوصيف القصر من الداخل : يتكون القصر من الداخل من بدروم وطابقين تتوجهما قبة مركزية ، نصل إلى البدروم عن طريق المدخل الفرعي ـ الجانبي ـ في الجهة الشمالية الغربية عبر سلم هابط من ثلاث درجات رخامية تؤدي إلى حجرات مختلفة المساحات كانت فيما مضى مخصصة للخدم ، والمطبخ بها شبابيك مستطيلة تغشيها أحجبة من المصبعات .

أما الطابق الأرضي فنصل إليه عبرالمدخل الرئيسي في الجهة الجنوبية الغربية أو عن طريق المدخل الجانبي في الجهة الشمالية الغربية ، حيث يؤدي المدخل الرئيسي إلى بهو مستطيل فرشت أرضيته ببلاطات من الرخام الأبيض والأسود ، تكتنفه منطقتان مربعتان لكل منها أرضية من الرخام كذلك ، وفي كل منهما دخلة معقودة بعقد نصف دائري بها فتحة شباك تفتح على الشرفة التي تتقدم الباب الغربي يقابله شباكان آخران يفتح أحدهما على غرفة المكتب ويفتح الآخر على قاعة الإستقبال ، ويتصدر هذا المدخل الرئيسي داخل إطار رخامي تزينه زخارف نباتية ، فتحة باب من مصراعين من الزجاج المصنفر ، يزينهما منظر طبيعي نفذ بالحفر الغائر على الزجاج لنخل وأشجار تتوسطها نعامة واقفة ، وتكتنف هذا الباب دخلتان معقودتان نصف دائريتان يغشيهما حجابان من البلاستيك الملون ، ويفضي هذا الباب إلى ردهة الطابق الأول ، أما الباب الجانبي في الجهة الشمالية الغربية ، فيؤدي إلى ردهة مستطيلة ذات أرضية من ترابيع كبيرة من الرخام تتصدرها درابزين حديدي خاص بالمصعد الكهربائي الذي يؤدي إلى الأدوار العلوية ، ويكتنفه سلمان أحدهما على يساره ، ومنه ننزل إلى البدروم ، والآخر عن يمينه ومنه نصعد إلى الأدوار العلوية الثلاثة.

يؤدي السلم الصاعد للطابق الأول إلى ردهة مستطيلة ذات أرضية رخامية وسقف خشبي تتوسطه فخارية تزينها زخارف نباتية ومحارية ، وتتصدر هذه الردهة دخلة معقودة بعقد نصف دائري تتوسطها فتحة باب من مصراعين من الخشب تزينهما زخارف نباتية بارزة ، يعلوهما عقد نصف دائري يشتمل على زخارف نباتية مفرغة من الخشب ، وعلى جانبي هذه الدخلة توجد مرآتان كبيرتان من البللور ، أما الباب فيؤدي إلى ردهة مستطيلة بالطابق الأول أرضيتها من الرخام وسقفها الخشبي تزينه أشكال لوجوه أدمية وزخارف نباتية ، ينقسم إلى قسمين أحدهما مربع والآخر مستطيل بينهما كمرة ترتكز على كابولين حجريين نقشت عليهما زخارف نباتية جصية ، وتفتح على هذه الردهة ستة أبواب ، إثنان منها بالجهة الشمالية ، يمثل أحدهما الباب الفرعي ، يجاوره باب حجرة المكتب ، وغثنان بالجهة الجنوبية يفتحان على قاعة الاستقبال ، وواحد في الناحية الغربية يمثل الباب الرئيسي ، وواحد في الناحية الشرقية يمثل باب قاعة الطعام ، ويغلق على كل باب من هذه الأبواب مصراعان خشبيان خاليين من الزخارف .

هذا ونصل إلى قاعة الاستقبال عن طريق البابين الكائنين بالردهة المستطيلة ، وتنقسم هذه القاعة إلى قسمين ؛ أحدهما أساسي من أصل البناء ، وهو عبارة عن حجرة مستطيلة تصل ما بين البرجين الجنوبي الغربي والجنوبي الشرقي ، وهي قاعة أرضيتها من خشب الباركيه وسقفها مقسم إلى ثلاث مناطق مربعة ، زين كل منها بمنظر تصويري ذا تأثير مسيحي تشبه تصاوير عصر النهضة ، قوامها رسوم ملائكية وتماثيل آدمية ، وفي الجدار الشمالي لهذا الجزء يوجد ثلاثة أبواب اثنان منها يفتحان على الردهة ، أما الثالث ، فيفتح على قاعة الطعام ، يغلق على كل منهم مصراعان خشبيان تزينهم من الخلف مرايا بللورية وفي أسفلها مناظر تصويرية امثل أنهارا ً ومنازل ، وتتخلل هذا الجدار مساحات مستطلية تزينها رسوم طبيعية لقلاع وأنهار ، أما الجدار الجنوبي  فيوجد به بابان معقودان بعقود نصف دائرية زخرف ك منهما بزخارف نباتية وأشكال آدمية ، ويؤديان إلى الجزء الجنوبي المضاف من قاعة الاستقبال ، على يسارهما فتحة باب تؤدي إلى المدفأة.

أما القسم الثاني من قاعة الاستقبال ، فيقع جنوبا ً من القسم الأول ، وهو من إضافات السيد هنري إبن حبيب سكاكيني ، وهذا القسم خال من الزخارف ، ويرتفع بإرتفاعه إلى ثلاثة طوابق ، ويتكون من ردهة مستطيلة ذات أرضية من خشب الباركيه ، وسقف مقسم إلى قسمين تفصل بينهما كمرة منخفضة ترتكز على عمودين ، وقد زينت جدران هذا القسم بمستطيلات مختلفة المساحات زينت زواياها بعناصر نباتية كانت تحيط بلوحات التوال ذات المناظر الطبيعية ، وفي كل من الجدارين الغربي والجنوبي لهذه الردهة شباكان يطلان على حديقة القصر ، وفي جدارها الشرقي فتحة باب ذات مصراعين من الخشب تفضي إلى حجرة المدفأة ، أما نهاية جدارها الغربي المشار إليه ، ففيها فتحة باب تفضي إلى البرج الجنوبي الغربي ، وهو على هيئة دائرية ذات أرضية من خشب الباركيه ، وسقفها على شكل قبة ضحلة تزينها زخارف نباتية بارزة ، وفي مواجهة مدخل هذا البرج مرآة مستطيلة يعلوها تمثالان لرجل وسيدة ، وعلى جانبيها دخلتان معقودتان بعقد نصف دائري يعلو كل منهما رأس آدمي تؤدي إلى الجزء المضاف من قاعة الاستقبال ؛ أما البرج الجنوبي الشرقي ، فهو يشبه البرج الجنوبي الغربي تماماً ، فيما عدا أن قبته الضحلة خالية تماما ً من الزخارف ، كما أن التماثيل التي تعلو المرآة هي ثلاثة تماثيل لألهة الموسيقى ، وعلى يمينها فتحة باب تؤدي إلى حجرة المدفأة ذات مصاريع خشبية تزينها زخارف بارزة لألات موسيقية ، وعلى يسارها فتحة شباك تؤدي إلى الشرفة .

نصل إلى حجرة المدفأة عن طريق الباب الموجود بالجدار الجنوبي من قاعة الاستقبال ، وهي عبارة عن حجرة مستطيلة أرضيتها من خشب الباركيه وسقفها خشبي مسطح ، يتوسطها حجاب خشبي إسلامي الطابع يتكون من عقدين مدائنيين كل منهما كوشته من الخشب المفرغ على شكل زخارف نباتية متداخلة ومتشابكة بأسلوب الأرابيسك تعلوهما ـ على أعمدة خشبية ـ بائكة من عقود مدببة ، زينت كوشاتها بزخارف الأرابيسك ، في حين زينت بواطنها بزخارف زجزاجية ، وعلى جانبي هذا المدخل بابان آخران ، كل منهما ذا عقد نصف دائري يفتح أحدهما على البرج الشرقي ، أما الأخر فيفتح على الحجرة المضافة بقاعة الاستقبال ، وكل منهما ذا ضلف خشبية تزينها من أعلى ومن أسفل أشرطة مطعمة بالصدف ، أما الجدار الشرقي لهذه الغرفة ، ففيه شباك معقود بعقد نصف دائري يغشيه حجاب خارجي من القوائم الحديدية وضلف زجاجية داخلية تنقسم إلى مربعات تزينها زخارف نباتية محفورة ، ويتصدر هذه الحجرة دولاب خشبي كبير ذا ضلفة واحدة عليها مرآة كبيرة من الخارج .

أما قاعة الطعام فنصل إليها عبر الباب الموجود في الجدار الشرقي للردهة الخارجية ، أو عن طريق الباب الموجود في الجدار الشمالي لقاعة الاستقبال ، وهي عبارة عن حجرة مستطيلة أرضيتها من خشب الباركيه وسقفها خشبي مقسم إلى قسمين مربعين ، يفصل فيما بينهما ممر منخفض تزينه زخارف نباتية ، ويتوسط كل مربع  من هذين المربعين مثمن بداخله منظر تصويري بألوان زيتية ، وقد زينت أواسط جدران هذه القاعة بمستطيلات على اثنين منها مناظر صيد ، وعلى بقيتها زخارف نباتية ، بينما زينت الأجزاء السفلية بزخارف هندسية بألوان زيتية في أشكال نجمية ، وتفتح في هذه القاعة عدة فتحات تنحصر في بابين للدخول في الدارين الجنوبي والغربي زين كل منهما من الداخل بزخارف بارزة لطيور وأسماك ونباتات وفواكه ، وفي شباكين لهما ضلف خشبية بنظام الشيش في الجدار الشرقي يفتحان على الشرفة المطلة على الحديقة ، وفي الركن الشمالي الشرقي لهذه القاعة فتحة بابا معقودة بعقد نصف دائري تؤدي إلى البرج الشمالي الشرقي ، وقد فرشت أرضيته بخشب الباركيه ، وغطي بقبة ضحلة تزينها زخارف نباتية وأشكال ملائكية ، وفي الجهة الشمالية لهذا البرج توجد فتحة شباك بضلف خشبية بنظام الشيش تفتح على الشرفة المشار إليها ، وتقابلها دخلة ضحلة ذات عقد نصف دائري تزينه أشكال وجوه آدمية وزخارف نباتية ، وعلى يمين الداخل إلى هذا البرج مصعد كهربائي صغير كان مخصص لصعود الطعام من المطبخ للبدروم .

وتتكون الشرفة التي تتقدم قاعتي الطعام والاستقبال والبرجين الشمالي الشرقي والجنوبي الشرقي من مساحة مستطيلة ذات أرضية من بلاطات رخامية ، على جانبيها ـ فوق قاعدتين مستطليتن ـ تمثالان أحدهما لراهب والآخر لقائد روماني ، وتفتح على هذه الشرفة خمس فتحات منها اثنتان على قاعة الطعام وواحدة على كل من البرجين الشمالي الشرقي والجنوبي الشرقي وقاعة الاستقبال ، وتطل على فسقية السباع الموجودة بالحديقة ، ويحيط بها درابزين أسمنتي على غير شكله الأصلي.

أما حجرة المكتب ؛ فنصل إليها عبر الباب الموجود بالجدار الشمالي لردهة المدخل ، وهي عبارة عن مساحة مستطيلة فرشت أرضيتها بخشب الباركيه ، أما سقفها فيخلو من الزخارف ، وقد زينت جدران هذه الحجرة بمستطيلات ذات زوايا تزينها زخارف نباتية كانت مخصصة ـ أغلب الظن ـ لوضع التابلوهات الفنية ، وفي الجدار الغربي لهذه الحجرة دخلة معقودة بعقد نصف دائري تتوسطها فتحة شباك تطل على دهليز المدخل الرئيسي ، وفي زاويتها الشمالية الغربية فتحة باب من مصراعين من الحدي المصبوب بزخارف نباتية تؤدي إلى البرج الشمالي الغربي ، وقد فرشت أرضيته بخشب الباركيه وغطي بقبة ضحلة يتوسطها منظر تصويري لأشكال ملائكية ، وعلى جانبي الداخل لهذا البرج مكتبة خشبية كبيرة على شكل دخلة رأسية معقودة بعقد نصف دائري في اليمنى منها فتحة شباك تشرف على الحديقة ، وبهذه الحجرة حاجز خشبي تزينه زخارف نباتية وأشكال آدمية وحيوانية بارزة يغطيها غطاء جلدي عليه قماش تزينه زخارف نباتية ملونة .

هذا ويتم الوصول إلى الطابق الثاني عن طريق المدخل الجانبي في الجهة الشمالية بواسطة سلم مروحي صاعد من الطابق الأول ، يؤدي إلى ممر مستطيل ذا أرضية رخامية وسقف خشبي تزينه زخارف نباتية ، وتفتح عليه ثلاثة أبواب ذات مصاريع خشبية تزينها زخارف نباتية بارزة ، يؤدي أوسطها إلى القاعة الشرقية ، ويؤدي أيمنها إلى الحجرة الملحقة بها ، في حين يؤدي أيسرها إلى باقي حجرات هذا الطابق.

أما الحجرة الملحقة بالقاعة الشرقية ، فنصل إليها عبرالباب الموجود على يمين السلم ، وهي عبارة عن غرفة مستطيلة ذات أرضية من بلاطات رخامية وسقف خشبي خالٍ من الزخارف ، يتوسطها حجاب من خشب الخرط تتخللف دوائر مغشاة بالزجاج الملون ، على جانبي الداخل إليها بابان ، يفتح الأيمن منهما على الحمام وغرفة البرج ، أما الأيسر فيفتح على القاعة الشرقية ، وتتصدر هذه الحجرة فتحة باب ثالث تفتح على الشرفة الغربية ، وقد أحيطت هذه الأبواب الثلاثة بأحجبة علوية من خشب الخرط المعشق بالزجاج الملون ، ترتكز على أعمدة خشبية مطعمة بالعاج ، وعلى يمين الباب المؤدي إلى الحمام مرآة كبيرة ؛ أما الباب الموجود على يمين الداخل للغرفة الأولي فيؤدي إلى دركاة صغيرة مستطيلة ذات أرضية رخامية ، بها فتحة باب تؤدي إلى دورة مياه صغيرة ، تجاورها فتحة باب أخرى تؤدي إلى غرفة شبه مربعة خالية من الزخارف تتقدم البرج الشمالي الغربي في ضلعها الشمالي فتحة شباك بجوارها فتحة باب معقودة بعقد نصف دائري يغلق عليه مصراعان من الخشب المغشى بالزجاج يؤدي إلى نفس البرج وهي ذات أرضية رخامية مغطاة بقبة ضحلة ، تزينها زخارف بيضاوية بارزة بداخلها تماثيل آدمية نصفية تحيط بها عناصر نباتية بطراز الأرابيسك ، وبهذا البرج نافذتان تفتح احداها على شرفة نصف دائرية يحيط بها درابزين تزينه مجموعة من التماثيل الجصية ، يؤدي إلى باقي حجرات الطابق الثاني عن طريق الباب الثالث بالممر الخارجي ، وتبدأ بحجرة شبه مربعة ذات أرضية من خشب الباركيه وسقف خالٍ من الزخارف ، في جدارها الشمالي فتحة شباك بجوارها فتحة باب يؤدي إلى البرج الشمالي الشرقي ، وفتحة باب آخر تؤدي إلى الشرفة ، وفي جدارها الجنوبي فتحة باب تؤدي إلى صالة مربعة ذات أرضية من بلاطات حديثة ، وسقف خشبي تزينه زخارف هندسية بارزة ، وتفتح عليها باقي حجرات هذا الطابق ، وقد زينت جدران هذه الحجرة شبه المربعة بمستطيلات غشي بعضها بمرايا كبيرة ، وزخرف بعضها الآخر بزخارف زيتية تشبه ورق الحائط الحديث ، وتطل على الصالة المشار إليها عدة أبواب تؤدي إلى الشرفة ، وإلى القاعة الشرقية وباقي حجرات النوم بهذا الطابق ، يلي هذا الجزء الجنوبي من الصالة الجزء المضاف إليها ، وهو عبارة عن مساحة مستطيلة ذات أرضية من خشب الباركيه ، وسقفها يتوسطها جزء بيضاوي به فتحات دائرية مغشاه بالزجاج الملون تشبه فتحات أسقف الحمامات ، وتفتح في هذا الجزء المضاف ثلاثة أبواب تؤدي إلى باقي الحجرات ، وهي ذات مساحات مختلفة تزين جدران بعضها زخارف زيتية تشبه ورق الحائط ، واقد ألحقت بثلاث حجرات منها ثلاثة حمامات ذات أرضيات من البلاطات الحديثة ، أزرت أسفل جدرانها ببلاطات من السيراميك الحديث ، وفي أحدها حوض رخامي .

أما الطابق الثالث ، فنصل إليه عن طريق السلم الخشبي الحلزوني الصاعد من الطابق الثاني ، حيث يؤدي هذا السلم إلى ممر مستطيل ذا أرضية رخامية وسقف خشبي تتوسطه صرة بيضاوية تزينها زخارف نباتية ، تتصدره فتحة باب من مصراعين من الخشب تؤدي إلى حجرة مربعة يتوسطها سلم حلزوني ـ مروحي ـ ينتهي إلى قم لبقية المركزية . وتفتح بهذه الحجرة ثلاثة أبواب تؤدي إلى عدة حجرات مختلفة المساحات خالية من الزخارف ـ أغلب الظن ـ أنها كانت سكنا ً للخدم ، ويؤدي الباب الموجود بالجدار الغربي لهذه الحجرة إلى سطح الجزء الجنوبي المضاف ، حيث يرى الناظر منه قباب الأبراج بزخارفها النباتية البارزة وأشكال الطيور المتأثرة بطراز الباروك ، كما يرى سقف حجرات الخدم التي يظهر فيها تأثير العمارة الصينية .

وتنقسم القبة المركزية لهذا القصر من الخارج إلى ثلاثة طوابق أولها وثانيها مربعان ، بالجهة الجنوبية لكل منهما ثلاث نوافذ مستطيلة تعلوها ثلاث نوافذأخرى معقودة بعقود نصف دائرية ، يلي ذلك الطابق الثالث للقبة ، ويأخذ شكل شرفة مثمنة تتوجها خوذة ذات قطاع مدبب تزينها زخارف نباتية بطراز الأرابيسك ، يعلوها مؤشر لمعرفة اتجاه الرياح .

أما القبة من الداخل فيتم الوصول إليها عن طريق السلم المروحي القائم بالحجرة المربعة ، الذي يؤدي إلى الطابق الثاني للقبة ، وهو عبارة عن مساحة دائرية بها عدة أبواب معقودة بعقود نصف دائرية تغلق عليها ضلق زجاجية تفتح على الشرفة الموجودة بالطابق الثاني ، وقد قسم سقفه إلى مجموعة من العقود ترتكز على الجدران ، وتزينها زخارف نباتية وأشكال آدمية وحيوانية منفذة وفق طراز الباروك ، ويستمر هذا السلم الخشبي حتى يصل إلى قمة القبة ، وهي عبارة عن مثمن يرتكز على عدد من الأعمدة الخشبية التي تحمل عقودا ً نصف دائرية تعلوها خوذة زخرف باطنها بزخارف نباتية بطراز الأرابيسك ، ومن الجدير بالذكر أن هناك طابق مثمن آخر ذا سقف منخفض يرتكز على مجموعة من القوائم الخشبية أسفل القبة مباشرة يعرف بالطابق المسروق به عدة نوافذ صغيرة لتهوية السلم وإنارته .    

وختاما ً ينبغي أن نشير إلى أن الحديث عن " قصر السكاكيني " ينبغي أن تخصص له مجلدات بأكملها ؛ وفاءا ً لحقه وتقديرا ً لتلك التحفة المعمارية التي تعد أيقونة زخرفية تزين وسط القاهرة ؛ فالقصر مفعم بالتفاصيل الفنية المعمارية والزخرفية المتنوعة ، الجديرة بالحديث عنها وذكرها تفصيلة تلو الأخرى .

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.