كاسل الحضارة والتراث

كاسل الحضارة والتراث

أقدم من احتفل بعيد الأم: المصريون القدماء

بقلم/ مي شريف العناني

مفتشة آثار الدقهلية _باحثة دكتوراه

للأم مكانة كبيرة في بناء المجتمعات والحضارات، ونتيجة لدورها العظيم في المجتمع، فقد دفعت الكتاب لذكرها في شعرهم مثل الشاعر "حافظ إبراهيم"، الذي ذكرها في قصيدة " العلم والأخلاق" قائلًا: "الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق". كما قدسها المصري القديم، حيث أن هناك معبودات ترمز للأمومة في مصر القديمة، مثل المعبودة إيزيس، والتي لها عدة تماثيل تصورها وهي تُرضع إبنها حورس، والمعبودة حتحور معبودة الأمومة والحب والجمال والموسيقى. بالإضافة لوجود معبودات تحمي الأم أثناء الحمل والولادة من الأرواح الشريرة مثل "المعبود بس"، والذي يحمي أيضًا المواليد والأجنة والرُضّع فهو معبود الحماية في مصر القديمة. والمعبودة تاورت والتي تحمي الأم أثناء الحمل والولادة، كما صورت على الأسرة مع المعبود بس. وكان يحمي المولود والأم أيضًا "الحتحورات السبعة".

ووصف مكانة الأم الأدباء والحكماء في البرديات المصرية القديمة، فمن نصائح الحكيم آني لإبنه هو أن يطيع أمه، ويحترمها، فهي منحة من الإله له، وينهي نصائحه بقوله "فتذكر أمك التي ولدتك، وأنشأتك تنشئة صالحة، فلا تدعها تلمك، وترفع أكفها إلى الله فيستمع لشكواها".

ولم يقتصر إهتمام المصري القديم بالأم في حياتها فقط، بل دعا أيضًا إلى برها وبر والده حتى بعد مماتهما، من خلال زيارة قبرهما، فها هو الحكيم "آني" يقول: "قدم الماء لأبيك وأمك الذين انتقلا إلى قبرهما في الصحراء، وإياك أن تغفل عن هذا الواجب، حتى يعمل لك إبنك بالمثل".

وهناك بردية عُثر عليها في سقارة تتحدث عن عيد الأم حيث تذكر "اليوم عيـدك يا أماه، لقد دخلت أشعة الشمس من النافذة لتقبل جبينك، وتبارك يوم عيدك، واستيقظت طيور الحديقة مبكرة لتغرد لك في عيدك، وتفتحت زهور اللوتس المقدسة على سطح البحيرة لتحيتك، اليوم عيدك يا أماه فلا تنسي أن تدعو لي في صلاتك للرب".

احتفل المصريين القدماء بعيد الأم منذ أقدم العصور، وأطلقوا على عيد الأم العديد من المسميات منها عيد الأم المقدس، عيد أم الوجود، عيد أم الحياة، وعيد الأم الجميلة. وأقام المصريين

القدماء إحتفالًا سنويًا لتكريم المعبودة إيزيس، والتي كانت رمزًا للأم والزوجة المثالية، وذلك لدورها العظيم في إسطورة "إيزيس وأوزيريس"، فقد حاربت طويلًا لإستعادة جسد زوجها "أوزيريس"، وإستعادة حق إبنها "حورس". وقد جاءت نقوش المعابد المصرية لتُظهر لنا مدى تقديس المصري القديم للأم. كما أن إختيار المصريين القدماء لموعد الإحتفال بعيد الأم كان مقصودًا، ففي ذلك الوقت من شهر مارس تكون الأرض خصبة ومجهزة تمامًا لنثر البذور، فتنبت وتبعث الحياة من جديد، فالأم هي رمز للحياة والخير والعطاء. واحتفلوا بهذا العيد مع شروق الشمس بإقامة مواكب من الزهور تطوف المدن. وكان المصريين القدماء يضعون للأم في غرفتها الهدايا والتماثيل المقدسة، المعبرة عن الأمومة مثل تمثال "إيزيس تُرضع إبنها حورس"، ويحيطونه بالزهور وأواني العطور والدهون، وملابس الكتان ومختلف أنواع الأطعمة.

في عام ١٩٠٨م احتفلت الولايات المتحدة بأول عيد أم، وأول من إحتفلت به هناك هي "آنا جارفيز"، وذلك تحقيقًا لحلم والدتها المتوفاه والتي كانت تتمنى وجود يوم يكرم فيه الأمهات، وإحتفلت به في شكل حفل تأبين لأمها بكنيسة بولاية فيرجينيا الغربية. وفي عام ١٩١٤م نجحت "جارفيز" وداعميها في جعل عيد الأم إجازة قومية في يوم الأحد الثاني من شهر مايو.

اختلف يوم الإحتفال بعيد الأم من دولة إلى أخرى، وتختلف مظاهر الإحتفال نفسه، ولكن يعتبر منح الهدايا والزهور، أو الطبخ للأمهات للتعبير عن الشكر والإمتنان لهن موجودًا في كل مكان. ففى مصر يتم الإحتفال به في الربيع كما كان متبع عند أجدادنا المصريين القدماء، ويحتفل به في النرويج يوم ٢ فبراير، وفي جنوب إفريقيا يتم الإحتفال به في الأول من مايو، وفي الولايات المتحدة يوم الأحد الثاني من شهر مايو، وفي الأرجنتين يتم الإحتفال به في الثالث من أكتوبر.

في عام ١٩٤٣م دعا الأخوين مصطفى وعلي أمين، مؤسسي دار أخبار اليوم إلى الإحتفال بعيد الأم تكريماً للأمهات، وذلك بعدما تلقى "علي أمين" رسالة من أم مصرية تشكو فيها جفاء أولادها وسوء معاملتهم لها، إلا أنهم واجهوا سخرية المجتمع، وفي عام ١٩٥٦م بدأ المجتمع المصري ينتبه لأهمية ذلك ليصبح "عيد الأم" يومًا للإحتفال، وأختاروا نفس التوقيت الذي كان يحتفل به قديمًا ليكون فصل الربيع رمزًا للمشاعر الطيبة، ومنها إنتقلت الفكرة لباقي العالم العربي.

وفي النهاية نستطيع أن نقول انه لابد أن نقدر قيمة أمهاتنا، وما فعلته من أجلنا، ولابد أن نكون بجانبهم ونسعدهم دائمًا، فنحن مرآة تعكس تربيتهم لنا، فأجعل من يراك يدعو لمن رباك، فهم حقًا يستحقوا كل الخير، فالجنة تحت أقدام الأمهات.

نشأت الرهبنة المسيحية

بقلم - سهر سمير فريد

باحث دكتوراه فى تاريخ العصور الوسطى

     وُلدت ونشأت الرهبنة كنظام مسيحي في مصر، لذلك كان أمر طبيعي أن يولي الباحثون إهتمامًا عظيمًا للأطوار الأولي للرهبنة المسيحية، وتطور أنظمتها وأنماطها علي يد رهبان ونساك مصريين، لما كان لها من تأثير كبير علي النظام المسيحي العالمي ككل، وعلي العالم الأوروبي بصفة خاصة.

     تعني كلمة رهبنة monasticism المؤسسة التي تنظم الظروف النسكية والحياة الاجتماعية لحياة الشركة التي أسسها الأنبا باخوميوس، ورهبنة الوحدة التي أسسها الأنبا أنطونيوس. وأصل كلمة رهبنة من الكلمة اليونانية موناخوس التي تعني وحيدًا أو معتزلًا Solitaries، ومع بداية القرن الرابع الميلادي أصبحت كلمة رهبنة تعني الإنسان الذي يحيا حياة رهبانية حتي لو كان يحيا مع آخرين. حتي أن البابا أثناسيوس الرسولي قد استخدم كلمة " دير monastery " حين دَوَّنَ سيرة أبو التوحد أنبا أنطونيوس بمعني قلاية متوحد وليس مسكنًا لجماعة من الرهبان مثلما أصبحت تستخدم بعد ذلك. وتقوم الرهبنة على أساس محبة التفرغ للعبادة والنسك.

     كان السبب في ظهور الرهبنة ازدياد اضطهاد المسيحية وأتباعها في عهد الإمبراطور الروماني ديكيوس Decius Augustus ( 249 – 250م ) ، الذي أصدر مرسومًا في عام 250م يُحتِّم فيه ضرورة إعادِة ديانِة الدولة الوثنية، وحصول كل مواطن علي شهادة من الحاكم المحلي تفيد بأنه قدم القرابين للآلهة الوثنية، وأدي جميع طقوسها. وكل من لم يخضع لهذا المرسوم عرَّض نفسه لمعاملة وحشية غاية في العنف. وساد اضطهاد عام وشامِل في عهده، راح ضحيته عدد كبير من الشهداء الذين تمسَّكوا بإيمانهم ومحبتهم للسيد المسيح  بشجاعة نادرة مُذهلة، وكان الولاة أكثر شراسة مع الأساقفة والرعاة والخدام، الذين أرادوا نيل بركة الاستشهاد حُبًا في الله.

     أطاع الكثير من المسيحيين أساقفتهم وفروا إلى الصحاري حيث عاشوا هناك حياة نُسكية تحت ظروف قاسية، وصاروا أوَّل نُسَاك مسيحيين، وعندما انتهى الإضطهاد، لم يرجع البعض إلى مُدُنِهِم بل ظلُّوا في الصحراء حيث وجدوا فيها أفضل موضِع لجهادهم الروحي، ويُعتبر اضطهاد داكيوس السبب التاريخي الذي جعل المسيحيين الغيورين في الكنيسة الأولى مُتدربين ومُعتادين على حياة الوحدة في الصحاري والجبال.

     لكن حتي بعد أن انتهي عهد الاضطهاد بعد أن اعترف الإمبراطور قنسطنطين الأول بالمسيحية، استمر العديد من الرجال في الفرار إلي الصحراء واستمر الازدهار في حياة الرهبنة خلال القرن الرابع الميلادي، ويرجع المؤرخون ذلك إلي 3 أسباب، الأول، زيادة الضرائب الباهظة التي عاني منها الناس خلال تلك الفترة، بسبب المتاعب الاقتصادية العديدة التي مرت بها الدولة، فترك العديد من الفلاحين أراضيهم وأعمالهم فرارًا من وطأة الأعباء المالية فوق كاهلهم إلي الصحراء، مع أن جميعهم لم يصبحوا رهبانًا إلا أن ظروفهم شجعتهم علي العيش في المناطق الصحراوية والنائية، فجرب بعضهم حياة الزهد والرهبنة.

     كان السبب الثاني للرغبة البعض في حياة البعض سعيهم نحو مثالية حياة الاستشهاد، فبعد إنتهاء عصر الاضطهاد والاستشهاد، واستمرارية ذكر أولئك الشهداء الذين ماتوا فداءًا لإيمانهم وعقيدتهم، فرغب البعض أن يسلك طريق يوازي طريق الاستشهاد، وقد وفرت لهم حياة الرهبنة ذلك بما تمتلكه من زهد في الأمور الدنيوية وإنكار للذات وخدمة الله وعبادته. حتي أن البعض قد أطلق علي الرهبنة اسم " الشهادة البيضاء أو الخضراء التي حلت محل الشهادة الحمراء ".

     كان السبب الثالث أيضًا وراء انتشار حركات الزهد والرهبنة في الدولة البيزنطية بشكل كبير، ازدياد نفوذ وسلطان رجال الكنيسة، خاصة بعد إعلان قنسطنطين الأول تسامح الدولة مع الديانة المسيحية، فاندمجت الكنيسة في النظام الحكومي للدولة. ومع تعميد قنسطنطين أيضًا قبيل وفاته عام 337م تحول وضع المسيحيين من أقلية مضطهدة إلي جماعة مؤيدة رسميًا من قبل الدولة.

     كرد فعل من المؤمنين الملتزمين الذين أزعجهم تصرفات رجال الكنيسة ومعيشتهم البعيدة عن كل زهد وتقشف وعدم رضاهم عن هذا الوضع، فقدر رأوا أن الكنيسة بات من المستحيل عليهم الحصول علي حياة مسيحية حقة بداخلها، فاجتماعات العبادة العامة، وتعليم الأسقف، وغيرها من الأمور التي كانوا يرونها شكلية ذات أهمية ثانوية مقارنة بتهذيب النفس وتربية الروح التي تتكون قبل كل شيء من الإماتة الشخصية وإنكار الرغبات الجسدية والصلاة المستمرة. قرروا الفرار بأنفسهم إلي الصحاري بحثًا عن حياة القداسة، فأنشأوا الأديرة التي لعبت دورًا هامًا في الحياة الروحية المسيحية، فتبؤت الأديرة ورهبانها مكانة عليا في المجتمع، وسارع للإلتحاق بها العديد من النساء والفتيات وكذلك الرجال والفتيان. فقد كانت حياة الراهب نقدًا صريحًا للمجتمع الكنسي ورجاله ، ذلك المجتمع الذي فقد الكثير من طهارته وقداسته التي تمتع بها سابقًا وفي عصور الاضطهاد.

المصحف الشريف والخط العربي

بقلم - سعيد رمضان أمين

مسئول قسم المسكوكات بالمتحف الإسلامي

" القرآن " كتاب الله وكلمته التي اجتمعت حولها الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها ، نزل على رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وحيا منجما في الثلاثة والعشرين عاما الأخيرة من عمره صلى الله عليه وسلم.

كان عليه الصلاة والسلام شديد الاهتمام بالوحي وتثبيت النص القرآني محفوظا ومسجلا : فعمد بنفسه إلى تلقينه للحفاظ وإملائه على كتبة الوحي ، حيث كتبوا آياته مفرقة على الرقاع والعظام وعسب النخل واللخاف والرق دونما ترتيب زمني أو موضوعي .

ومع العلم بأن بداية التدوين الفعلي للقرآن قد جرت في عهد الرسول الكريم في المدينة فإن هذا التدوين لم يكن مرتب السور بل كان مجرد تسجيل لها ؛ أي أنه كان مفرقا لم يتخذ صفة الجمع في كتاب واحد. 

أدت الحروب - خاصة حروب الردة - التي قتل فيها عدد كبير من حفظة القرآن إلى الإسراع في عملية جمع القرآن خوفا  عليه من أن يذهب بذهابهم . فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعرض أهمية الأمر وخطورته على الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي تردد بادئ الأمر ـ بحجة أن الرسول الكريم لم يأمر بمثل هذا العمل ـ لكنه بعد أن اقتنع بضرورة ذلك كلف زيد بن ثابت·رضي الله عنه ، كبير كتاب الوحي·، بهذه المهمة الجليلة يساعده فيها آخرون كعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم .

 فأخذ زيد في البحث عن آيات القرآن وجمعها من العسب واللخاف وصدور الرجال في صحف جمعت وحفظت عند الخليفة أبي بكر ، وهذه كانت البداية الحقيقية لجمع القرآن وهو ما يعرف " بالجمع البكري ".

 وبعد أن تم ذلك دعا الخليفة أبو بكر الصحابة ليختاروا لهذه الصحف المجموعة اسما· فأجمعوا على اقتراحه بتسميته مصحفا وشهد كتابة هذا المصحف أصحاب الرسول والحفاظ منهم . وكان هذا المصحف بمثابة وثيقة للتسجيل تحفظ عند الخليفة .

وبعد وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقي المصحف عند ابنته السيدة حفصة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم، على حاله، إلى أن قام الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه بطلبه منها، إذ نتج عن اتساع رقعة البلاد الإسلامية اختلاف ألسنة الأمة الإسلامية في قراءة القرآن ، وقيل للخليفة عثمان : أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فسارع إلى استشارة الصحابة في جمع الناس على مصحف واحد خوفا من تصحيف القرآن وتحريفه، وأمر بنسخ عدة مصاحف اختلف في عددها بين الأربعة والسبعة من المصحف البكري عرفت باسم المصاحف الأئمة أو العثمانية وبعث بها عثمان إلى الأمصار وآمر بحرق ما سواها من المصاحف ؛ وذلك منعا للخلاف بين المسلمين . وقد عرف هذا الجمع بالجمع العثماني ولقب عثمان بعد قيامه بهذا العمل الجليل بجامع القران .

 أدت كتابة القران الكريم بالخط العربي إلى إعلاء شأن هذا الخط وإجلاله؛ لذا كان لا بد في هذا المجال من التطرق إلى أصل الخط العربي ونشأته وتطوره ومن ثم تحسينه وتجويده . 

تضاربت الآراء حول أصل الخط العربي ونشأته ، إلى أن استقر الرأي بعد اكتشاف بعض النقوش الكتابية، التي يعود أقدمها وهو نقش أم الجمال الأول إلى سنة 250 م على أنه اشتق من الخط النبطي الذي نشأ بدوره من الخط الآرامي . ويعتقد بأن مسار هذا الاشتقاق قد وجد سبيله إلى بلاد العرب عن أحد طريقين أحدهما أو كليهما حيث يحتمل أن يكون قد

بدأ رحلته من حوران في بلاد الأنباط ، ثم اتجه نحو الحيرة والأنبار في العراق ومنهما إلى المدينة فالطائف .

 أو أن يكون قد جاء من البتراء عاصمة الأنباط وسار جنوبا إلى شمال الحجاز فالمدينة فمكة. 

ومهما يكن من أمر فقد مر الخط العربي منذ اشتقاقه من الخط النبطي برحلة تطور طويلة بدأت قبل الإسلام بطور الاقتباس والتنظيم تلتها بعد الإسلام مراحل عدة أملتها الظروف المتغيرة التي واجهت لغة القرآن الكريم، استهلت بمواجهة مشكلة اللحن الذي أخذ يتسرب إلى القرآن نتيجة لدخول الكثير من الأعاجم في الإسلام، حيث اضطلع أبو الأسود الدؤلي ( ت 69 هـ/ 688 م) بهذه المهمة فوضع الشكل لضبط الكلمات ( أي تقييد الحروف بالحركات، أو إزالة الإشكال أي عدم الوقوع في اللحن عند القراءة ).

وكانت في أول الأمر على هيئة نقط تنوب عن الحركات الثلاث - تكرر في حالة التنوين - وتكتب بمداد يخالف مداد الكتابة، وكان على الأغلب باللون الأحمر.

 ولم تشتهر طريقة أبي الأسود هذه إلا في المصاحف حرصا على إعراب القرآن .. أما بالنسبة للكتب العادية فكان نقطها ( تشكيلها) يعتبر إهانة وتجهيلا للقارئ .

 ولم تكن مشكلة اللحن هي المشكلة الوحيدة التي واجهت لغة القران ، بل واجهته أيضا مشكلة التصحيف ، إذ ظل خاليا من النقط لوقت متأخر ؛ مما أدى إلى خطوة أخرى من التطور تمثلت في الإعجام أي النقط ؛ ذلك أن عدم تمييز الحروف المتشابهة الصورة بعلامة تفرق بينها كالدال والذال مثلا أدى إلى اللبس ومن ثم إلى تغيير الكلمة وحتى المعنى أحيانا. 

وقد كثر التصحيف - خاصة في العراق - مما أفزع الحجاج ابن يوسف الثقفي ( ت 95 هـ/ 714 م) الذي طلب من كتابه وضع العلامات على الحروف المتشابهة .

وقد قيل إن أول من أعجم المصاحف هو نصر بن عاصم الذي لقب ب " نصر الحروف " (ت 89 هـ/ 707 م) أو يحيى بن يعمر (ت 129 هـ/ 746 م) وهما من تلاميذ أبي الأسود الدؤلي . 

وهكذا أدخلت النقط على الحروف حرصا على سلامة القرآن. وقد يكون هذان الكاتبان هما أول من نقط المصاحف بصورة كاملة لكنهما لم يكونا أول من اخترع النقط في الكتابة العربية، حيث إن النقط كان معروفا في عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إذ ورد أنه طلب من معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه وهو يكتب بين يديه أن يرقش الخط أي ينقطه.

 كما عثر على بردية نقطت بعض حروفها تعود إلى سنة 22 هـ/ 642 م، وظلت هذه الطريقة شائعة في العصرين الراشدي والأموي ، كما وجدت مصاحف غير مشكولة تنسب إلى القرن الأول الهجري نقطت بعض كلماتها، ثم أخذ هذا التطور يدخل مرحلة جديدة في زمن الدولة العباسية أملتها رغبة الناس في تسهيل الكتابة وجعلها مع الشكل بمداد ذي لون واحد.

هنا برزت مشكلة اختلاط الإعجام بالإعراب - أي التشكيل الذي تمثل في النقط - مما أدى في النهاية إلى الحل الذي أوجده الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 70اهـ/ 786 م)· فبدل نقط الشكل إلى الحركات التي نعرفها اليوم حيث أصبح بعدها من الممكن كتابة الكلمات بشكلها واعجامها بنفس المداد.

 وبديهي أن يمر الخط العربي بهذه المشاكل - من اللحن والتصحيف - نتيجة لخلوه أصلا من الشكل والاعجام متبعا في ذلك جذوره التي اشتق منها.. فالخط النبطي نفسه لم يكن مشكولا ولا معجما، ولا نعرف متى دخل الاعجام إلى القلم العربي الشمالي إذ تخلو النقوش التي عثر عليها تماما من الاعجام.

 خلاصة القول أن العرب تمكنوا - بسبب التعديلات والإضافات التي أدخلوها على الكتابة العربية - من المحافظة على لغتهم , لغة القران الكريم.

 

مقام سيدي الطشطوش

بقلم : د. إيمان محمد العابد

دكتوراه في الأثار والفنون الإسلامية والقبطية ـ وزارة السياحة والآثار

إعتاد الكثيرون على استخدام عبارات وصيغ للقسم والحَلف ؛ وذلك لإضفاء قدرا ً من المصداقية على أقوالهم وأفعالهم . فقد يلجأ البعض للقسم بالنبي ـ ص ـ أو بأحد الأشخاص ممن كانوا يتمتعون بمكانة كبيرة بين الناس لما كانوا يتسمون به من مظاهر الزهد والورع ، وهم من يعرفون باسم : } أصحاب الكرامات { ـ ( رغم إجماع الفقهاء على عدم جواز الحَلف بغير الله ـ جل وعلا ـ ) ؛ ومع أننا لسنا مؤهلين لمناقشة مدى مشروعية هذا الموضوع لكوننا غير ذي اختصاص من الناحية الشرعية ؛ إلا أننا أردنا أن نرصد هذه الظاهرة من خلال الوقوف على إحدى تلك العبارات .

ولعل من أشهر صيغ القسم والحَلِف التي كثيرا ً ما تتردد على لسان البسطاء ، مقولة : } ومقام سيدي الطشطوشي { !! تلك العبارة التي تتكرر على مسامعنا من خلال ورودها في الأعمال الدرامية المختلفة. فمن هو ذا " الطشطوشي " ؟!! ، وما هو سر تعلق البسطاء بهذه الشخصية ؟!!

" الطشطوشي" ـ كما يعرفه البسطاء ـ ؛ هو الشيخ محى الدين عبد القادر بن العارف بالله بدر الدين شرف الدين موسى الدشطوطى  ؛ وليس الطشطوشي ـ كما هو متداول بين البسطاء من الناس ، ينتمي لقرية دشطوط التي ولد بها بمركز ببا الكبرى بمحافظة بنى سويف .

كان " عبد القادر الدشطوطي " شافعي المذهب ، واشتهر بكونه ناسكاً زاهداً لا يأكل من الطعام إلا القليل ، ولم يكن له زوجة ولا ولد ؛ كما عاش طوال حياته دون أن يهتم بمظهره ؛ فدائما ً ما كان يسير مكشوف الرأس لا يحلق شعره ، مرتديا ً جبة خشنة ، هذا ويعد الشيخ " عبد الوهاب الشعراني" ، من أشهر تلاميذ الشيخ عبد القادر الدشطوشي، ووصف الشعراني شيخه ، بأنه كان من أكابر الأولياء، صاحبه طيلة عشرين عاما ً ، وكانت هيئته تشبه المجاذيب ؛ حيث كان يسير بين الناس مكشوف الرأس حافيا ً، ولما كُف بصره ـ أي فقد البصر ـ ، صار يتعمم بجبة حمراء، عليها جبة أخرى، فإذا اتسخت تعمم بالأخرى، وكان يسمى بين الأولياء بـ "صاحب مصر".

وتكاد المراجع المختلفة تتفق على أن الشعراني كان قد اجتمع بشيخه "الدشطوطي"، وكان دون البلوغ، في أول أيام رمضان سنة 912 هـ ، وأخذ منه "البركة"، ويقول "الشعراني": أن الدشطوطي قال له: اسمع هذه الكلمات واحفظها، تجد بركتها إذا كبرت.. فقلت له: نعم.. فقال: "يقول الله عز وجل: يا عبدي لو سقت إليك ذخائر الكونين فملت بقلبك إليها طرفة عين فأنت مشغول عنا لا بنا، فحفظتها فهذه بركتها".

من كرامات الشيخ الدشطوطي :

يذكر "الشعرانى" أن شيخه "الدشطوطى" كان «صاحب أحوال». فيقول الشعرانى في «الطبقات الكبرى»:

} قالوا إنه ما رؤى قط في معدية، إنما كانوا يرونه في مصر، والجيزة، وحج رضى الله عنه ماشياً حافياً، وأخبرنى الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمرى رحمه الله، أنه لما وصل إلى المدينة المشرفة، وضع خده على عتبة باب السلام، ونام مدة الإقامة حتى رجع الحج، ولم يدخل الحرم، وعمر عدة جوامع في مصر، وقراها، وكان رضى الله عنه له القبول التام عند الخاص والعام، وكان السلطان قايتباى يمرغ وجهه على أقدامه"{.

كما يذكر الشعرانى بعضا ً من كرامات شيخه "الدشطوطى" ، ومنها كرامات كثيرة يتفق فيها أولياء الله الصالحون، وما يتردد عنهم ؛ منها ما يرويه الشعرانى: } حلف اثنان أن الشيخ نام عند كل منهما إلى الصباح في ليلة واحدة في مكانين، فأفتى شيخ الإسلام جلال الدين السيوطى بعدم وقوع الطلاق { .

واقعة أخرى يرويها الأمير يوسف ابن أبى أصبغ ؛ حيث يقول :

} أنه لما أراد السلطان قايتباى أن يسافر إلى بحر الفرات، استأذن الشيخ عبدالقادر الدشطوطى في السفر، فأذن له، فكنا طول الطريق ننظره يمشى أمامنا، فإذا أراد السلطان أن ينزل إليه يختفى، فلما دخلنا حلب وجدنا الشيخ رضى الله عنه ضعيفاً بالبطن في زاوية بحلب مدة خمسة شهور، فتحيرنا في أمره رضى الله عنه { .

هذا وقد توفى الشيخ الدشطوطي فى اليوم التاسع من شعبان سنة 924 هجرياً عن عمر يناهز ثمانية ثمانون عاماً ودفن بمسجده الكائن بالقاهرة.

مقام الدشطوطي

يرجع تاريخ إنشاء المسجد والضريح للفترة ما بين عامي 912 ـ 914 هـ /1506م ؛ خلال عهد السلطان قنصوى الغوري ـ أحد سلاطين دولة المماليك الجراكسه ؛ ويقع ضريحه في الركن الشمالي الشرقي لمسجده الشهير المطل على شارع بورسعيد بالقرب من ميدان باب الشعرية ، والضريح عبارة عن غرفة مربعة تتوسطها تركيبة ضريحية مدفون بها الشيخ الدشطوطي ؛ يُدخل إليها من الإيوان الشمالي، وفي أركان المربع من أعلى توجد حنية واحدة كبيرة حولت المربع إلى مُثْمَن أقيمت فوقه قبة مرتفعة ، وفتحت في حوائط الضريح الأربعة نوافذ قنديلية مغشاه بالزجاج المعشق المتعدد الألوان مماثلة للموجودة في الغرفتين المطلتين على إيوان القبلة .

أما عن المسجد  فهو من المساجد المعلقة ؛ حيث بُنيّ على أعلى دورات المياه الموجودة أسفله أو مجموعة من الحواصل ؛ التي تم الكشف عنها أثناء عملية ترميمه عقب زلزال 1992والتي تم الانتهاء منها عام 2001.

والمسجد مشابه في تخطيطه المعماري لمسجد قايتباي بقرافة المماليك حيث يتكون من درقاعة يحيط بها أربعة إيوانات أعمقها إيوان القبلة الذي يتقدمه ثلاثة عقود نصف دائرية محمولة على عمودين ويقابله إيوان مماثل هو الشمال الغربي الذي يضم دكة المبلغ ؛ حيث يتخذ المسجد في تخطيطه شكل المدارس المتعامدة ؛ فالصحن مربع الشكل يتوسط المسجد، مغطى بسقف خشبي، وبه شُخشيخة ، ويحيط بالصحن أربعة إيوانات ؛ المكان المتسع من الدار تحيط به حوائط ثلاثة ، أو المجلس الكبير على هيئة صُفّة واسعة لها سقف محمول من الأمام ، كان مخصص لجلوس كبار القوم ؛ وإلى جانب إيوان القبلة من الجهة الجنوبية، غرفتان معقودتان ومفتوحتان على الإيوان، بهما نوافذ قنديلية مغشاة بزجاج معشق متعدد الألوان، ويضم الإيوان الشمالي ست نوافذ، تطل على شارع جانبي، بينما الإيوان الجنوبي له باب يؤدي إلى طرقة، تنتهي إلى مدخل المسجد الرئيسى الذي يطل على شارع بورسعيد ؛ الذي يعد من أكثر شوارع القاهرة التي تتسم بالعشوائية ، إلا أن الآثار الإسلامية المرصعة على جوانبه ؛ تظل كالدرر المتلألئة الوضاءة التي تزيد تاريخ مصر جمالا ً وتجسد بعمارتها الإسلامية الفريدة ، ورقي تصميمها العتيد ، حقبة تاريخية مهمة من تاريخ المحروسة، وتكشف لنا عن أسماء أعلام عاشوا هذا العصر، غابت أرواحهم، إلا أن أثارهم ظلت صامدة .

 هذا ويمتاز مسجد "الدشطوطي" بتصميم معماري فريد، حيث تم بناء دورة مياهه الأصلية أسفله، ولعل المعماري أراد بذلك أن يتفادى النشع ؛ الذي قد يصيب المسجد وقت الفيضان ؛ نظرا ً لوقوعه على الضفة الغربية للخليج المصري الذي كان يخرج من فُم الخليج في منطقة مصر القديمة ، وينتهي عند خليج السويس، الذي ردم في أوائل القرن العشرين، وقد أبطل استعمال هذه الدورة القديمة، وبُنيت بدلًا منها دورة أخرى تقع في الضلع الجنوبي للمسجد.

ظل مسجد  الدشطوطي محتفظا ً برونقه طوال ستة قرون ميلادية ، مواجها ً للتغيرات التاريخية التي تعاقبت أحداثها على مصر المحروسة ، ورغم شموخ المظهر الخارجي للمسجد الأثري، إلا أن المياه الجوفية تفت في عضده وأساساته ، مهددة بقاءه.

مكانة الأم بالحضارة المصرية القديمة

                                                             د. سهام عبد الباقى محمد

باحثة أنثروبولوجية- كلية الدراسات الافريقية العليا

                                                                جامعة القاهرة

كانت الحضارة المصرية من أبرز الحضارات فى تعظيم مكانة الأم وتقديسها منذ بداية الأسرات، وأسبقها فى الإحتفال بعيد الأم والذى إنتقل بعد ذلك لمعظم الحضارات من باب محاكاة الحضارة المصرية القديمة وقد تجسدت إحتفالات عيد الأم في تحديد يوم سنوي للإحتفال بإيزيس رمز الأمومة والزوجة الصالحة في الديانة المصرية القديمة وتخليدهاعلى شواهد المعابد والأساطير والبرديات المقدسة، كما تضمنت المعتقدات الدينية المصرية العديد من الآلهة من الأمهات.كالحتحورات السبعة الحاميات للمولود والأم،وصورتها العديد من التماثيل تقوم بإرضاع طفلها كالآلهة "تاورت" ربة الحمل والولادة والخصوبة، فضلاً عما تضمنته وصايا الحكماء من قيم إحترام للأم وتبجيلها،نتناول فى هذا المقال مكانة الأم فى المجتمع المصرى القديم،وطقوس الإحتفال بعيد الأم، ومكانة الملكة الأم فى حياة الكثير من الملوك المصريين.

وصايا الحكماء المصريين بالأم

سجلت العديد من البرديات المصرية وصايا بعض الحكماء بالأم منها وصايا "الحكيم آنى" إلى إبنه: قائلاً لا تنسى فضل أمك عليك، ما حييت فقد حملتك قرب قلبها

وكانت تأخذك إلى المدرسة،وتنتظرك ومعها الطعام والشراب

 فإذا كبرت واتخذت لك زوجة،فلا تنسى أمك،رد إلى أمك

 ضعف الخبز الذي أعطته لك، وأحملها كما حملتك

 لقد كنت بالنسبة لها عبئاً مرهقاً وثقيلاً وهى لم تسأم أو تضجر

 عندما أزف موعد مولدك،وحملتك رقبتها ومكث ثديها على فمك سنوات

فأجلب الرضا لقلب أمك والشرف لبيت أبيك.

وتعد تلك الحكمة بمثابة إفراد لعطاء الأم الذى لا ينفذ،كما حثت على عدم تفضيل الزوجه على الأم، وإكرامها فى شيبها لأن برها يؤكد حسن تربية الأب لإبنه،ويعكس أيضاً بر الإبن بأبية.مما يعكس لنا مكانة الزوجه المصرية بمصر القديمة.والقيم الإجتماعية التى دعمت إحترام الأم،بوصفها أساس الحياة وأصل الحضارة.

إحتفالات المصريين القدماء بعيد الام

أطلق المصريين القدماء على عيد الأم العديد من المسميات منها عيد الأم المقدس،عيد أم الوجود،عيد أم الحياة، وعيد الأم الجميلة، كما لقبوها بلقب "نبت بر" أي ربة البيت.وقد إحتفل المصريون القدماء بعيد الأم آخر شهور فيضان النيل وهو شهر"هاتـور"في التقويم المصري القديم وهو وقت خصوبة الأرض في مصر،ولقد شبه المصريون القدماء الأم بنهر النيل،الذي يهب الحياة والخصب والخير والنماء ووثقت أحدى البرديات التى يرجع تاريخها إلى خمسة آلاف عام ق.م إحتفالات عيد الأم، حيث كان يبدأ الاحتفال به مع شروق  الشمس،ومن طقوس المصريين القدماء فى هذا اليوم تزيين غرفته الأم بالزهور،وتقديم التماثيل المقدسة لها كتمثال"إيزيس" تحمل إبنها حورس.وتقدم إليها هدايا من العطور والزيوت العطرية،والملابس،كما كانت الأم تحرص على نظافة طفلها وحمايته من الأمراض والحسد فكانت تستعمل التمائم والتعاويذ،التي كان يلبسها الطفل حول رقبته،وتذهب به إلى الكهنة من أجل رقيته.وقد عٌثر على بطاقة تهنئة بعيد الأم سجلتها أحد البرديات كٌتب بها

اليوم عيـدك يا أماه، لقد دخلت أشعة الشمس من النافذة لتقبل جبينك

تبارك يوم عيدك،واستيقظت طيور الحديقة مبكرة لتغرد لك في عيدك

وتفتحت زهور اللوتس المقدسة على سطح البحيرة لتحيتك

اليوم عيدك يا أماه فلا تنسي أن تدعو لي في صلاتك للرب

وتعكس لنا تلك البردية أن الأم بالحضارة المصرية هى سر رضاء الآلهة وانها مستجابة الدعوات.

 مكانة الملكة الأم عند المصريين

لم يرتبط تقديس المصريين القدماء للأم بكونها ملكة تحكم مصر أو إمرأة من عامة الشعب، فالأم هى الأم مهما كانت مكانتها الإجتماعية،وقد وثّقت لنا الحضارة المصرية القديمة جانب من علاقة بعض الملوك وارتباطهم بأمهاتهم منهم الملك رمسيس الثاني،الذى منح أمه الملكة "تويا" تكريماً ملكياً كبيراً، زوجة الملك سيتي الأول،والتي عاشت حتى تنصيب أبنها الملك على عرش والده،وقام أبنها الملك رمسيس الثاني، بدفن جثمانها بين ملوك مصر العظام في منطقة وادي الملوك بجبانة طيبة في غرب مدينة الأقصر من قبيل التكريم والتشريف لها،بينما أقام مقبرة زوجته الملكة نفرتارى،بين الملكات والأميرات في منطقة وادي الملكات. لتحظى بمقبرة أدنى منزلة من مقبرة أمه مما يعكس لنا شدة حبة لأمه،وحرصه على إكرامها ،ومن النماذج  الأخرى الملك أمنحوتب الرابع الشهير بإخناتون والذى جمعته بأمه الملكة تى علاقة خاصة،ورعم أنها لم تكن ذات أصولاً ملكية ،فقد كانت أبنه يويا كاهن الإله مين رب الخصوبة وأمها تويا رئيسة حريم الإله مين بأخميم وقد كانت الملكة تى من أعظم ملكات مصر الفرعونية،كما لعبت دوراً كبيراً فى مساندت إبنها الملك فى أمور المملكة إقتصادياً،وسياسياً، وكانت نائبة عنه فى الإحتفالات،لدرجة أنه كان يكتب أسمها فى المرسلات الدولية. كما لم تعارض أبنها الملك من عبادة آتون رغم إستمرارها على عبادة أمون مما أجل غضبة كهنة آمون على إخناتون، إكراماً للملكة تى التى استمرت على عقيدة عبادة آمون وأجزلت الهبات والعطايا للكهنة لتمنعهم من ايذائه،مما يعكس لنا قوة العلاقة بين الملكة وإبنها الملك .

 

الموت الأسود ..

بقلم - سهر سمير فريد

باحث دكتوراه فى تاريخ العصور الوسطى

     تفشي الطاعون في وقت ما في ثلاثينيات القرن الرابع عشر الميلادي من موطنه المعزول في أراضي أواسط آسيا الوسطي، وانتشر شرقًا في الصين وجنوبًا في شبه القارة الهندية. وبعدها ظهر في المناطق الشرقية من العالم الإسلامي في أواسط أربعينيات القرن الرابع عشر، وامتد إلي الجنوب الغربي عبر البحر الأسود، وكانت تلك المناطق خاضعة لحكم المغول القفجاق (القبيلة الذهبية)، وخاصة " مدينة كافا kefe " الميناء التجاري الهام للمغول علي البحر الأسود، وانتقل بعدها إلي القسطنطينية والأطراف الغربية للبحر المتوسط في أواخر عام 1347م.

     ولعبت مدينة القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية دورًا في نقله إلي بلاد اليونان ومنها إلي شرق أوروبا، وربما انتقل منها أيضًا إلي بعض المدن الشامية ذات الصلات التجارية بها. وفي ذلك الوقت بدأ المسلمون والمسيحيون في تسجيل ما عرفوه عن منشأ الطاعون ومساره المبكر والأهوال المصاحبة له، الذي راح ضحيته من الأنفس البشرية ما يقرب من 50% من سكان العالم، لذلك لا عجب أن أطلق عليه في الغرب الأوروبي اسم " الموت الأسود The Black Death  "، وقيل أنه سمي بهذا الاسم أيضًا لظهور بقع سوداء علي جسم المريض نتيجة لحدوث نزيف تحت الجلد.

     انتقل الوباء مع التجار والقوافل والجيوش والحجاج والبعثات الدبلوماسية، وعلي متن السفن المحملة بالبضائع والمسافرين من موانئ المناطق التي ضربها الطاعون. فتفشي في صقلية ومرسيليا وبيزا وجنوا والاسكندرية. وأما انتقاله إلي المناطق الداخلية فجاء عبر القوارب والصنادل علي طول الممرات المائية، وعلي متن العربات في الطرق ودروب الجياد وعلي حيوانات الحمل، ولعبت المراكز التجارية كالقاهرة ودمشق وحلب دورًا في نقل الوباء عبر طرق التجارة الداخلية. اجتاز بعدها الطاعون جبال الألب والأبينيني والبلقان، والقناة الإنجليزية وبحر الشمال، ووصل في نهاية المطاف إلي السهول الكبري في أوروبا الشرقية والمدن الروسية في حوض نهر الدون (غرب روسيا) وموسكو نفسها.

     كان هناك العديد من العوامل التي ساعدت علي نشر الوباء سواء في الشرق أو في الغرب، منها الأزمات الاقتصادية في الفترة التي سبقت انتشاره، وما ترتب عليها من ارتفاع في الأسعار، وندرة في الأقوات، وكذلك زيادة الكثافة السكانية في الغرب الأوروبي مع قلة في الإنتاج، والمعاناة من سوء التغذية، بالإضافة إلي الأحوال الصحية السيئة، لذلك بدا الموت الأسود للكثيرون ممن عايشوا تلك المعاناة، وكأنه الخلاص الذي ينشدونه.

     أما عن أعراض هذا الوباء فهي ارتفاع في درجة الحرارة لدي المصاب، مع ألم في الصدر وسعال وصعوبة في التنفس، واضطراب في النبض، ثم يتقيأ المريض دمًا، ويعاني من انتفاخ في العقد الليمفاوية خلف الأذن، وحدوث نزيف تحت الجلد.

     اختلفت آراء المؤرخون الأوروبيون عن أقرانهم الشرقيون المسلمون حول سبب تفشي الوباء المميت، فقد انتقد الأساقفة ورجال الدين خطايا البشر التي أغضبت الرب واستنزلت سخطه المتمثل في الطاعون، وقد أيدهم بعض المؤرخون الغربيون في هذا الرأي، ويبدو أم للإصلاح الديني الذي أدي إلي انقسام الكاثوليكية في أوائل القرن السادس عشر جذور عميقة في الاستياء الذي أعقب فترة الطاعون، لكنه لم يتطور إلا بعد مرور قرون ونصف القرن علي تفشي الوباء لأول مرة، ولا شك في أن البروتستانت الأوائل سعوا في البداية إلي تنقية الدين وكنيسته لا الحلول محلها.

     بينما أرجع البعض الآخر سبب المرض لأسباب فلكية بسبب إلتقاء بعض الكواكب مثل المريخ وزحل، والذي يسبب في رأيهم تسمم أو تلوث في الهواء الذي أدي إلي حدوث الوباء. بينما رجح فريق ثالث أن أسباب الوباء حدوث زلازل في عام 1347م أدت إلي تلوث الهواء بسبب خروج الغازات السامة وانتشارها عبر المدن أصابت البشر، وانتشر بسببها الوباء في الغرب الأوروبي.

     وقد اختلف كذلك المؤرخون الشرقيون حول سبب انتشار هذا الوباء، رجح الفريق الأول سبب انتشاره إلي أسباب فلكية وتلوث الهواء أيضًا، وحدوث العفن الذي أضر بالإنسان والحيوان والنبات، وهذا العفن ناتج في رأيهم من تعفن جثث سكان بلاد المغول الممتدة من الصين وحتي البحر الأسود وبحر قزوين وحوض الفولجا الذين هلكوا جميعًا عام 1341م، وحمل الهواء والرياح نتنهم إلي البلاد. ورجح الفريق الثاني سببه إلي اختلال الفصول من حيث درجة الحرارة والرياح والأمطار. في حين أرجعه فريق ثالث إلي كثرة العمران وما ينتج عنه من كثرة الرطوبات الفاسدة، هذا فضلًا عن العدوي عن طريق إفرازات الجهاز التنفسي للشخص المصاب أو عن طريق الحشرات كالبعوض والذباب.

في عيدها.. كيف احترم المصريون القدماء الأم؟

بقلم د. حسين دقيل

الكاتب المتخصص فى الآثار اليونانية والرومانية

تخلق المصريون القدماء بأخلاق فاضلة ومكارم حسنة، ما زالت النصوص الأدبية والنقوش الفنية التي تركوها لنا شاهدة على ذلك؛ حتى إنها ولجلال معانيا وجمال ألفاظها يكاد الواحد منا لا يصدق أن المصري القديم الذي سبقنا بآلاف السنين قد التزم بها وحث غيره على التمسك بها.

والمنقب منا عن تلك الأخلاق السامية والقيم الفاضلة، لن يقف طويلا أو يبحث كثيرا حتى تتلألأ أمام عينيه حكم راقية ونقوش بديعة تُظهر بما لا يدع مجالا لشك ما كان عليه المصري القديم من احترام وتقدير وإجلال وتبجيل للوالدين وخاصة الأم. لذا فنحن هنا وفي ذكرى "عيد الأم" نحاول أن نكشف عن بعض تلك الجوانب.

لقد حظيت الأمومة في مصر القديمة بمكانة كبيرة، حتى إن المصري القديم اتخذ من معبوداته ربات للأمومة، كالمعبودة إيزيس التي سعت نحو حماية ابنها حورس بكل الطرق في مواجهة قاتل أبيه عمه الشرير ست، ولذا فهي كثيرا ما تظهر وهي ترضع ابنها كناية عن حبها له.

وقد أوصى المصري القديم بالأم خيرا، فها هو الحكيم "بتاح حتب" منذ 4500 عام؛ يحث ابنه على طاعة أمه، ويذكره بما قدمته له منذ أن كان طفلا، ويحذره من تفضيل زوجته عليها فيقول: "أوصيك بأمك التي حملتك؛ هي أرسلتك إلى المدرسة كي تتعلم الكتب، وهي تُشغل نفسها بك طول النهار، وهي التي تعطيك الطعام والشراب من البيت، والآن وقد كبرت وتزوجت وأصبحت سيد بيتك؛ التفت إلى تلك التي ولدتك وزودتك بكل شيء؛ هي أمك؛ لا تدع لها فرصة للغضب عليك، لا تدعها ترفع يدها غضبا بسببك، لأن الرب سيستمع إليها بلا شك".

أما الحكيم "آني" فمنذ ما يقرب من 3500 عام؛ يوصي ابنه أيضا بأمه، مبينا له بعض ما فعلته من أجله مذ كان جنينا في أحشائها، فيقول: "أعد لأمك كل ما فعلته من أجلك، أعطها المزيد من الخبز، واحملها كما حملتك، لقد كان عبؤها ثقيلا حين حملتك، وحين وُلدت بعد تمام شهورك حملتك على عنقها، وظل ثديها في فمك ثلاث سنوات، ولم تكن تشمئز من قاذوراتك، وأرسلتك إلى المدرسة كي تتعلم الكتابة؛ وفي كل يوم كانت تنتظرك بالخبز والجعة في بيتها، فإذا شببت وتزوجت واستقررت في دارك، ضع نصب عينيك كيف ولدتك أمك؛ وكيف عملت على أن تربيك بكل سبيل، ولا تدعها تلومك وترفع كفيها ضارعة إلى الرب؛ فيستجيب لدعائها".

وفي تعاليم الحكيم "عنخ شاشنقى" التي سجلها لنا منذ ما يقرب من 2500 عام، ما يبين أن قيمة الأم كانت أعلى درجة من قيمة الأب، فها هو عنخ شاشنقي يقول: "لا تُضحك ولدك وتُبكيه على أمه، تريد أن يعرف أهمية أبيه، فما وُلد فحل من فحل" أي من غير أم.

وفي متون الأهرام نرى والدا من عصر الدولة القديمة يُحث ابنه على طاعة والدته، موضحا له أن طاعتها ستجعله ينال المناصب العليا، فيقول: "طُوبى لمن كان جادا إزاء أمه، فهو جدير بأن يصبح جميع الناس له تبعا". ولم يوص المصري القديم بالأم في حياتها فقط، بل دعا أيضا إلى برها ووالده حتى بعد مماتهما، من خلال زيارة قبرهما، فها هو الحكيم "آني" يقول: "قدم الماء لأبيك وأمك اللذين انتقلا إلى قبرهما في الصحراء، وإياك أن تغفل عن هذا الواجب، حتى يعمل لك ابنك بالمثل".

وككل عصر لم يخلُ ذاك العصر من عقوق الوالدين، فها هي امرأة مصرية من القرن الثاني عشر قبل الميلاد توضح لنا، ولو إجمالا ما حدث معها من عقوق أبنائها لها، وكيف كانت ردة فعلها تجاههم، إذ تقول: "ها أنا ذا قد طعنت في السن وهم لا يعتنون بي، فمن بادر منهم ووضع يده في يدي فسأعطيه من أملاكي، ومن لا يفعل ذلك فلن أعطيه شيئا".

لم تكن النصوص هي الوحيدة التي تدل على اهتمام المصري القديم بالأم، بل هناك أيضا العديد من النقوش التي تزين جدران المقابر والمعابد والتي نرى فيها مناظر لملوك بجوار أمهاتهم في صورة تعبر عن مدى تقدير هؤلاء الأبناء لأمهاتهم. كما أن هناك أيضا العديد من المنحوتات التي مثّل فيها الفنان المصري القديم الأمهات وهن يرضعن أبناءهن الملوك، مثل التمثال الفريد المصنوع من الألباستر والمعروض بمتحف بروكلين للفنون بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي يمثل الملكة "عنخ إن إس مري رع"، وهي تُجلس ابنها الملك "بيبي الثاني" على حجرها مما يدل على مكانتها عند ابنها.

كما أن هدايا الملك أحمس لأمه "إياح حتب" لدليل على احترام الأم وتقديرها، فبعد أن انتصر الملك الشاب أحمس على الهكسوس وطردهم من الأراضي المصرية مكملا بذلك دور والده "سقنن رع" وأخيه "كامس"؛ لم ينس دور أمه في هذا النصر فقام بإهدائها وسام الذبابة الذهبية تقديرا لشجاعتها وصلابتها واعترافا بدورها الكبير في هذا النصر. وكان هذا الوسام هو أعلى وأرقى وسام عسكري في الدولة حينذاك؛ حيث كان يمنح لم قام بأداء دور بطولي في المعارك العسكرية، وكانت إياح حتب بذلك أول امرأة تتقلد هذا الوسام. هذا إلى جانب إهدائها أيضا المشغولات الذهبية والأساور الفريدة. ولم يكتف أحمس بذلك فقط بل دعا إلى تبجيل والدته، وتقديسها في حياتها وبعد مماتها أهداها.

احترام الأم عند المصري القديم والمعاصر

كتبت : مريم عاطف شاكر

باحثة دكتوراه في الآثار المصرية

                      احتفل المصري القديم بالأم وخصصوا لها يومًا ،فقد كانت الأم مقدسة منذ أقدم العصور وهو ما تمثل جليًا في تحديد يوم سنوي للاحتفال بإيزيس رمز الأمومة والزوجة الصالحة في الديانة المصرية القديمة 

كان إحترام الأم وتقديرها أمرًا  واجبًا في المجتمع المصري القديم مما يعكس مركزها الرفيع آنذاك ولاسيما في الأسرة، إذ ورد ذكر فضلها على أولادها الذين ولدتهم وحملتهم في بطنها فضلًا عن رضاعتهما وكانت مدة الرضاعة عند المصريين القدماء ثلاثة أعوام([1]).

وكانت الأمهات يشعرن بالسعادة عند أرضاع أطفالهن([2])، ومن أروع ما خلفه الأدب المصري القديم ما قاله الحكيم (آني) عن الأم: " لقد وُلدت لها بعد تسعة أشهر وضمتك إلى صدرها، وأرضعتك طيلة ثلاث سنوات كاملة"([3])، "أعط المزيد من الخبز لأمك وأحملها كما حملتك، لقد كنت عبئا ثقيلا عليها، حين وُلدت بعد تمام أشهرك، حملتك على عنقها وظل ثديها في فمك ثلاث سنين كاملة، ولم تكن تشمئز من قذارتك ولم تقل (ماذا أفعل؟) أنها أدخلتك المدرسة لتتعلم الكتابة وظلت تنتظرك في كل يوم تحمل لك الخبز والجعة من منزلها وعندما تصبح شابًا وتتخذ لك زوجة وتستقر في منزلك فضع نُصب عينك كيف ولدتك أٌمك وكل ما فعلته من أجل تربيتك، ولا تجعلها توجه اللوم إليك وترفع يدها إلى الإله بان يستمع إلى شكواها " ([4]).

 

وقد أوصي المصري القديم بحسن معاملة الأم وعدم عقوقها

ومن حكم (سنت حوتب) بهذا الخصوص:

"حُب الأم يهب كل شي.. ولا يطمع في شيء".

"الأم هبة الإله، ضاعف لها العطاء فقد أعطتك كل حنانها، ضاعف لها الغذاء فقد غذتك من عصارة جسدها، احملها في شيخوختها، فقد حملتك في طفولتك أذكرها دائمًا في صلاتك وفي دعائك للإله الأعظم، فكلما تذكرتها تذكرتك وبذلك ترضي الإله فرضاؤه يأتي من رضائها عنك".

كما ورد في بردية (آني) بحق الأم ما يأتي:

"دعاء الأبناء لا يصل إلى آذان السماء إلا إذا خرج من فم الأمهات".

"الأم هي الإله للأرض.. فقد أودع الإله سر الوجود من وجودها استمرار لوجود البشر".

"أجلب الرضا لقلب أمك والشرف لبيت أبيك"([5]).

هكذا كان التقدير الذي يكنه الابن لامه كبيرا في مصر القديمة فقد ورد في احد الأمثلة المصرية القديمة: "يأتمن الرجل أمه على أسراره أفضل من أن يأتمن زوجته"، كما يلاحظ على المشاهد الفنية على مقابر الدولة القديمة أم المتوفى في العادة ممثلة إلى جانب زوجته، وكانت تُهمل صورة والده في أغلب الأحيان([6]).

كما تؤكد الرسائل الخاصة أهمية العلاقة بين الأم والابن فقد كتب الكاهن والمزارع (حقا نخت ) في القرن العشرين قبل الميلاد رسالة ذكر فيها بازدراء أبنائه ومستخدميه، بيد انه أرسل تحيات محترمة وحنونة إلى أمه المترملة ([7])، وهكذا فإن محبة الأولاد لأمهم كانت ذا معنى عميق؛ نظرًا لما بذلته الأمهات من أجلهم "كن دائما مُحبًا لأمك، إذا لم تفعل ذلك فسوف تغضب عليك الآلهة " ([8]).

عثر علي بردية توثق الاحتفال بعيد الأم الذي تم تحديده في آخر شهور الفيضان أي وقت خصوبة الطبيعة في مصر حيث تكون الارض مُعدة لبذر البذور ،وقد كان المصري القديم يضع الهدايا في غرفة الأم ،واعتبروا تمثال "إيزيس" التي تحمل ابنها "حورس" رمزًا للأمومة ،فكانوا يضعونه في غرفة الأم مُزين بالزهور ويحيطونه بالعطور والدهون وملابس الكتان

كما توضح مناظر جدران المقابر احترام الأم ،فنجد منظر الوليمة الملكية التي أُقيمت علي شرف زيارة الأم الملكية "تي" لأبنها "إخناتون"  وزوجته نفرتيتي في مدينة "تل العمارنة " ،حيث يجلي إخناتون قُبالة أمه الملكة "تي"  وأخته "باكت آتون "وخلفه تجلس زوجته "نفرتيتي" وبناته الأميرات وبجانب كل منهم مائدة طعام خاصة به ومائدة أخري للمشروبات حيث يقوم كل منهم بوضع الطعام في فمه كما توجد سلة مملوءة بالحلويات وأنواع الكعك المختلفة ،كما يوجد موقدين مشتعلين ربما للمحافظة علي سخونة الطعام ،وهذا إن دل يدل علي حُسن استقبال الملك الشاب لوالدته واحترامها ووضعها في مكانة مميزة. ([9])

  • بقدر ما يغدق الأهل العاطفة والحنان علي أولادهم بقدر ما يظهر هؤلاء عميق الإمتنان والإحترام تجاه والديهم , ويعتبروا عقوق الوالدين خطيئة الخطايا فيدرجونها في خانة الخطايا الست الشائنة, ونادراً ما يُسمع عن عقوق طفل بين المصريين , ومن عاداتهم أن يقبَل الولد يد والده ووالدته ([10]), وتحث الأديان السماوية علي إحترام الوالدين : ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ (النساء: 36) , ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 23-24) , ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (مريم: 30-32) , ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (لقمان: 14-15) , ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأحقاف: 15) ,  جاء رجل إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : ( أمك ) قال : ثم من ؟ قال : ( ثم أمك ) قال : ثم من ؟ قال : ( ثم أمك ) قال : ثم من ؟ قال : ( ثم أبوك ) ( البخارى)
  • "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ" (خروج 12:20) , يقول سليمان الحكيم: "يَا ابْنِي، احْفَظْ وَصَايَا أَبِيكَ وَلاَ تَتْرُكْ شَرِيعَةَ أُمِّكَ" (سفر الأمثال 20:6) , "الْمُخَرِّبُ أَبَاهُ وَالطَّارِدُ أُمَّهُ هُوَ ابْنٌ مُخْزٍ وَمُخْجِلٌ" (سفر الأمثال 19: 26) , "مَنْ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يَنْطَفِئُ سِرَاجُهُ فِي حَدَقَةِ الظَّلاَمِ" (سفر الأمثال 20:20) , "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هذَا حَقٌّ" (أفسس 1:6) .

 

([1]) بيير مونتيه، المرجع السابق، ص81.

-Stol, M., Op. Cit., p. 376.

-Thompson, Op. Cit., p. 52.

([2])روز اليندم ، وجاكيانسن: الطفل المصري القديم، ترجمة: احمد زهير أمين، ألاف كتاب الثاني، 236، مصر، 1997، ص97.

([3]) محمد فياض، المرجع السابق ، ص97.

-نبيلة محمد عبد الحليم، المرجع السابق، ص167.

([4])عبد العزيز صالح , المرجع السابق , ص70.

-فاضل عبد الواحدوعامر سليمان، المرجع السابق، ص228.

-أدولف آرمان، المرجع السابق، ص164.

-Stol, M., Op. Cit., p. 376.

-زيدان عبد الباقي,المرجع  السابق، ص14.

-ويبدو أن الفطام كان وسيلة طبيعية لتنظيم النسل. أنظر: روزاليندم، المرجع السابق، ص22.

([5]) سيد كريم، المرجع السابق، ص90-93.

([6]) Stol, M., Op. Cit., p. 378.

-، أدولف أرمان: مصر والحياة المصرية في العصور القديمة، ترجمة: عبد المنعم أبو بكر، (القاهرة1958)، ص164.

-وليم نظير، المرجع السابق، ص36.

([7]) Stol, M., Op. Cit., p. 378.

([8])Margaret, A. M.,Op. Cit., p. 75.

([9]) جوليا سامسون ،نفرتيتي الجميلة التي حكمت مصر، ص186-190.

([10]) إدوارد وليم لاين، المرجع السابق، ص67.

مسجد الماردانى

بقلم الآثارية عزة الدسوقي

قسم الآثار والحضارة

يقع فى القاهرة التاريخية وبالتحديد فى منطقة الدرب الأحمر، يوجد مسجد يعود للعصر المملوكى ويتميز بطراز معمارى إسلامى فريد  وهو مسجد الطنبغا الماردانى والذى يقوم الدكتور خالد العنانى وزير الآثار بتفقده أمس  لمتابعة أعمال الترميم التى تتم بالمسجد، الذى يتم بمنحة من مؤسسة أغاخان كما يتم ترميم منبره بمنحه من الحكومة البريطانية  ولهذا نستعرض خلال السطور المقبلة تاريخ تلك المسجد، الذى تم إنشاؤه عام 739هـ/740هـ - 1338م/1339م.

بداية القصة ترجع عندما شغف السلطان الناصر محمد لمملوكة الطنبغا الماردانى  ووصلت درجة الإخلاص بينهما  إلى أن السلطان تولى تمريضة بنفسه عندما أصيب بإعياء شديد  ولم يتركه حتى عوفى منه وتقديرًا للسلطان أخب الطنبغا أن ينشئ له جامعا.

وعن وصف المسجد الطنبغا الماردانى فقد بنى على نمط المساجد الجامعة (الجوامع) وتصل أبعاد المسجد:

ــ العرض 20م  الطول 22.5م

ــ يتوسط المسجد صحن تحيط به أربعة أروقة  أعمقها وأكبرها ذلك الرواق الذى يأخذ اتجاه قبلة الصلاة.

ــ للمسجد ثلاثة أبواب وتوجد على يسار المدخل هذا المئذنة المكونة من ثلاث دورات.

ــ للمسجد قبة بثمانية أعمدة جرانيتية تسبق المحراب.

ــ يتوسط الصحن نافورة مثمنة (ثمانية الأضلاع) رخامية.

ــ واجهة الرواق الشمالى مغطاة برخام جميل نقش عليه تاريخ الإنشاء، وباقى أجزاء حائط القبلة مغطى بوزرة من الرخام الدقيق المطعم بالصدف.

يزين مسجد الطنبغا المارداني بطرازه المعماري الفريد ونقوشه المميزة منطقة الدرب الأحمر التاريخية التي تضم بين طياتها أكثر من 65 أثراً إسلاميا، وعلى الرغم من ما تعرض له المسجد من وقائع إهمال ونسيان في العقود الماضية فإنه سيكون على موعد جديد من التألق والازدهار، بعد انتهاء أعمال الترميم التي تجريها وزارة الآثار المصرية بالتعاون مع مؤسسة أغاخان، والمقرر الانتهاء منها بعد نحو عامين.

ويحظى مسجد المارداني بشهرة واسعة في مصر، لا سيما وأنه يعد أحد أهم المساجد الأثرية العريقة في مصر القديمة، ويبلغ عمره أكثر من 900 عام، لكن بسبب الأخبار التي كانت تتحدث عن سرقة منبره وأعمدته الأثرية، قبل أن يدخل مجددا في دائرة اهتمام السلطات المصرية المعنية بتطوير الأماكن الأثرية.

رسوم الأيدي البشرية رابطًا وثيقًا بيننا وبين عصور ما قبل التاريخ(الجزء الثاني)

بقلم -  ياسر الليثي

الباحث في أنثروبولوجيا ما قبل التاريخ

كنت قد ختمت مقال الاسبوع الماضي بعدة تساؤلات عن التفسيرات والنظريات التي جرت حول معنى  و هدف  صور اليدين علي صخور الكهوف  و بالاخص حول البعض منها الذي يفتقد بعض الأصابع ,و تسائلنا  هل كانت هناك طقوس  (طقس قطع الاصبع) ؟ أم أنهم  فقدوا أصابعهم من البرد القارس؟ أو ، كما يعتقد و هو الأكثر شيوعًا بأنهم قاموا فقط بثني أصابعهم عند رسم اللوحة؟

تدعي مجموعة من علماء الآثار الكنديين أنهم قد حلوا لغزًا  من  ألغاز الفن الصخري العلوي من العصر الحجري القديم و الذي واجهه العالم العلمي منذ منتصف القرن العشرين و هو لغز رسوم اليد مبتورة الأصبع.

قد تكون الأيدي ذات العظام المفقودة لبعض الأصابع ، والتي تظهر في العديد من الكهوف ، قد ظهرت بسبب طقوس من شأنها تعزيز العلاقات الشخصية بين الأفراد , فقد  توصل الباحثون في جامعة Simon Fraser (كندا) إلى هذا الاستنتاج من خلال مقارنة رسومات الايدي المتاحة بأكثر من مائة حالة بتر متعمد  للأصابع أو شرائحها في المجتمعات البدائية في إفريقيا وآسيا وأمريكا وأوقيانوسيا ، والتي وصفها علماء الإثنوغرافيا بالتفصيل , كما أخذوا في الاعتبار العثور على عظام إصبعين صغيرتين في إحي الكهوف في بولندا  , و بعد الدراسة قيل أن تلك الصور للايادي مبتورة الاصابع كانت من إنتاج أفراد بُترت بالفعل  أصابعهم, و إن الافتراض حول احتمال بتر الأطراف ليس بالأمر الجديد ، لكنه على مدى عقود كان يفتقر إلى الحجج والتفسيرات في الوقت المناسب ، كما يعترف المؤلفون.

جدير بالذكر ان تلك الدراسة قامت علي أساس دراسة صور الأيدي في بعض الكهوف الاسبانية و الفرنسية فقط , و هذا من وجهة نظري(كباحث متخصص في الرسوم الصخرية الافريقية)  أحد أسباب ضعف تلك الدراسة, حيث أن القائمين علي تلك الدراسة قد نسوا او تناسوا أحد أهم سمات الثقافة في عصور ما قبل التاريخ  و هي الوحدة الفكرية و الإنتشار الثقافي و الفكر الموازي (و كلها مصطلحات أنثروبولوجية لوصف حالة التشابه الفني و الثقافي في معظم الرسوم الصخرية في شتي أنحاء العالم)  بين إنسان ما قبل التاريخ في معظم قارات العالم, فصور الايادي البشرية موجودة في معظم الكهوف بشتي قارات العالم  , و لذلك فإن الدراسة قد افتقدت إلي المنهجية في دراسة أحد السمات الثقافية, و قامت بدراستها بشكل منفصل عن الكل , و هذا ما يصعب عملية الوصول إلي نتائج في الغالب تكون سليمة إلي حد ما, لأنة و من خلال دراستي لصور الأيادي بالكهوف الافريقية ة خاصة الليبية و المصرية ( و هم منبع الثقافة العالمية منذ عصور ما قبل التاريخ) قد توصلت إلي نتائج مغايرة لما ورد في نتائج الدراسة الاوربية و التي أكدت وجود ذلك الطقس الدموي ( طقس قطع الاصبع ) , تلك النتائج ساكتب عنها بالتفصيل في المقال القادم بإذن الله.

  إنها تمثل إشارات يدوية أو نظام عد تم إنتاجه بأيدي سليمة ، ولكن هناك أسبابًا للاعتقاد بأنها كانت كذلك.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.