كاسل الحضارة والتراث

كاسل الحضارة والتراث

الصيدلة واكتشاف علم العقاقير الطبية عند المصري القديم

بقلم الباحثة : مروة عصام

حين نسعى لتقصي حقيقة الصيدلة وعلم العقاقير في مصر، سيكتشف أن الفراعنة كانوا أول من شخصوا الداء، وعرفوا طرق الدواء، وصنعوا العقاقير والوصفات الطبية، وبرعوا في علوم الصيدلة، فقد اشتهرت مصر القديمة بكثرة عقاقيرها، ووفرة سمومها، ما يعني أن الفراعنة  كان لديهم معرفة جيدة بنوع المرض، وابتكروا طرقاً لعلاج تلك الأمراض من خلال البيئة التي تُحيط بهم، من أعشاب ونباتات ومواد عضوية ومعدنية، لذا لم تختلف طريقة علاجهم ووصفاتهم كثيرا عما نحن فيه الآن، فقد استعملوا الأمزجة  والمراهم والحقن الشرجية، ووضعوا فيها العقاقير، واهتموا بالعلاج العشبي أكثر من غيره والذي كان من أهم أركان العلاج.

"*مانح الشفاء".. كلمة قد تبدو من لفظيها أنها لشىء يؤدي إلي الشفاء، كعقار أو دواء، هذان اللفظان باللغة الهيروغليفية بمعني "فار ماكا"، فما العلاقة بين تلك الكلمة الهيروغليفية وعلوم الـ"فارماكولوجي" أو علم الأدوية "Pharmacology"، حتي ولو كان البعض يقول إن ذاك المصطلح يوناني الأصل، وأن الكلمة تعني الدواء "pharmakon"، ولكنها جاءت ككلمة في عصر متأخر جدا، لم تكن تلك هي المصادفة الوحيدة، فعلماء اللغة أكدوا أن هناك رابطا ملحوظا بين اسم مصر الهيروغليفي "Kmt"، ولفظة "كيمياء" العربية، وأن هذا الرابط تم وضعه نسبةً إلى ما اشتهرت به مصر في هذا الفن.

*وبعيداً عن حديث المؤرخين، ومعاني الكلام، لأنها قطعاً قد تحتمل التأويل والجدال، هناك مصادر أكثر تأكيدا علي عبقرية الأجداد، فقد ترك المصريين القدماء إرثا يجنبنا أي كلام، ويظهر كيف أن قصة الدواء والعلاج في مصر، وقصة الكيمياء تحديدا مفخرة الأجيال، فهناك عدد كبير من البرديات، تسمي "برديات الطب المصرية"، تحكي الكثير والكثير من الوصفات العلاجية، وكيفية تركيبها، ما يكشف عن حضارة وصلت الذروة، و(عن علم وصل القمة)، كما أنها تكشف قصة تركيبة الكثير من الأدوية  من العقاقير الفرعونية.

وفي الحقيقة أن قائمة البرديات المصرية القديمة التي تحدثت عن الطب في مصر، وعن وصفات العلاج للعديد من الأمراض، تكشف بما لا يدع مجالا للشك، مدي تطور هذا العلم، وريادة وادي النيل، كما أنه يكشف عن الحالة التي عاني منها المصري القديم في صراعه مع المرض، وقد تم العثور علي أغلب تلك البرديات في القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، جميعهم يزين المتاحف العالمية، كُتبت البرديات الطبية باللغة الهيراطيقية، باستثناء برديتي الرامسيوم وكاهون، فقد كُتبتا باللغة الهيروغليفية، وللأسف فُقدت معظم تلك البرديات، ولم يصلنا منها سوي القليل، فُقد البعض، سُرق البعض الثاني، حُرق الكثير في أعمال السحر والشعوذة في القرى المجاورة، وان كان ما بقي كان كافياً ليُعطي لنا دليلاً علي أن أصل هذا العلم مصري.

ومن أهم أسماء البرديات الطبية :-

بردية ادوين سميث المموجودة بنيويورك لجراحة الاعصاب..وبردية ايبريز محفوظة في ليبزج لطب عام الباطني ..وبردية كاهون محفوظة في لندن لامراض النساء.. وبردية هرست محفوظة في كاليفورنيا للطب العام ..وبردية شستر بياتي محفوظة في المتحف البريطاني لامراض الشرج ..بردية برلين محفوظة في برلين أيضا للطب العام ..بردية لندن محفوظة في المتحف البريطاني لعلاج السحر..بردية لندن ولايدن محفوظة في المتحف البريطاني للطب العام ..بردية كروكوديليوبليس محفوظة في فيينا لطب العام ..وبردية بوكلين سناك محفوظة في بروكلين لعلاج لدغ الحيات ..وبردية كارلسبرج محفوظة في كوبنهاجن لعلاج امراض النساء..وبردية رامسيوم محفوظة في أكسفورد لامراض النساء والعيون والأطفال.

 

مسبح فيروزي... تحتضنه أحجار الجرانيت "وادي الوشواشي"

 بقلم  رحاب فاروق

فنانة تشكيلية

.. فالبدء تظن أنك هبطت من آلة الزمن.. وذهبت لعصر مختلف.. عصر كنت تراه فقط بأفلام الطفولة الخيالية.. سحر طبيعي مختلط بهواء نقي... خليط عجيب ساحر

إنه.. وادي الوشواشي.. وادي تحيط به جبال الفيروز والجرانيت من كل جانب ؛ يأتيه السياح من كل مكان.

وادي الوشواشي.. يقع علي بعد 15كم من مدينة نويبع ،  بإتجاه مدينة طابا ،  بالقرب من راس شيطان.. ويقع جغرافيا في نطاق محمية أبو جالوم ،  التي تحتوي علي أنظمة بيئية متنوعة من الشعاب المرجانية والكائنات البحرية .

يقع الوادي بين الجبال.. صانعًا مسبحًا طبيعيًا بعمق ستة أمتار ،  ومساحة 500م مربع ،  وجد بفعل الطبيعة.. نتيجة سقوط الأمطار والسيول عبر آلاف السنين.

تتميز مياهه بالدفء.. بسبب أحجار الجرانيت التي تحيط بالمسبح ؛  ويضم ثلاثة عيون للمياه العذبة .

يستغرق الوصول للعين الأولي حوالي ساعة ونصف من التسلق،  ويصل السائحون للعين الثانية والثالثة عن طريق السباحة خلال العين الأولي .

المياه شديدة النقاء وعذبة وشفافة... لدرجة أسموا العين الثالثة بالعين الخضراء .. نسبة إلي اللون الأخضر الذي اكتسبته المياه من أحجار الجرانيت والفيروز المحيطة بالعين .

جبال الفيروز بالوادي يصل ارتفاعها بين 100-150م ،  كما يُعد الوادي منطقة سفاري رائعة وخيالية.. تحيط بها من كل جانب جبال الفيروز والجرانيت .

أصبح الوادي معلما مهما جاذبا للسياح.. ومن يزوره مرة.. يعاود زيارته كل عام .. خاصة مع مزج بدو المنطقة برنامج الرحلة بعاداتهم الجميلة وشرب الشاي بأعشابهم الصحية وزيهم التقليدي الذي يغري السائح لإرتدائه والتقاط الصور به.. كعلامة علي زيارته لهذا

بركليس وتطور الحكم الديمقراطي

بقلم الدكتورة/ بوسي الشوبكي

دكتوراه الدراسات التاريخية والحضارية

مرت أثينا بعد اصلاحات كليثنيس بصراع على السلطة مرة أخري بين أحزابها السياسية الثلاث(الجبل والسهل والساحل) من خلال محاولات بعض القادة الذين استغلوا ذلك الصراع وكان أخرها محاولة كيمون زعيم الحزب المحافظ  الذي قام بمساعدة اسبرطة ضد ثورة الهيلوتس(العبيد) ولكنه عاد بقواته مهاناً بعد رفض اسبرطة تلك المساعدة، وقد دفع كيمون ثمناً غالياً لسياسته المسالمة مع اسبرطة حيث استطاع ايفاليتيس وبركليس من إلهاب مشاعر الأثينيين ضده والإقرار بنفيه عام 461 قبل الميلاد.

وكان افياليتيس زعيم الحزب الديمقراطي وقد اشتهر بالعدل والحزم والبعد عن الفساد، وكان أول من تجرأ على مجلس الأريوباجوس، المجلس الأعلى في أثينا ذي الأصول النبيلة  حيث وجه لهذا المجلس أمام مجلس الشورى "الخمسمائة" وأمام جمعية الشعب الاكليزيا اتهاماً بالفساد وسوء الإدارة وسلبه كل اختصاصاته وقسمها على مجلس الشورى وجمعية الشعب وقد دفع ايفاليتيس حياته ثمناً لجرأته على الحزب الارستقراطي ونبلائه في الوظائف العليا في السلطة الأثينية وحل محله قائداً آخر هو بركليس. 

وقد بدأ بركليس حياته المهنية كزعيم جماعة متشددة هو حزب المحافظين، ولكنه رأى أن مبادئ هؤلاء الارستقراطيين لا تتمشى مع روح العصر فانضم إلى حزب الشعب أي سكان أثينا الأحرار، وعلى الرغم من أن الجنرالات والقادة الشعبيين كانوا من العائلات الثرية في أثينا وكان أشهرهم بركليس إلا أنه انضم إلى المطالب الجماهيرية وحاول استكمال البناء الديمقراطي في أثينا لصالح هؤلاء البسطاء، فقد كان بركليس الزعيم الأثيني الأكثر وعيا بمصالح المدينة الدولة وقد جنب الأثينيين صعوبات كثيرة من خلال سياسته الحكيمة بالقضاء على الانقسامات الاجتماعية والاضطرابات الاقتصادية داخل المجتمع الأثيني وعمل على إيجاد إستراتيجية واضحة للتأكيد على استمرار الديمقراطية.

لقد كانت شخصية بركليس قادرة على قيادة أثينا لما يتمتع به من نزاهة وقدرة على الحكم والسيطرة في الرأي العام الأثيني لاسيما أوقات الحرب الذي استطاع أن يحشد الناس متذرعا في ذلك بالديمقراطية والحرية حفاظاً على المصالح الإستراتيجية والاقتصادية. لما كان الارستقراطيين مستمرين في تحقيق غايات خاصة بهم على حساب هؤلاء البسطاء أدرك بركليس هذا وحاول إنهاء هذا العصر من الطغيان فعمل على تحقيق إصلاحات أكثر ديمقراطية.

 قدم بيركليس برنامجاً إصلاحياً شاملاً يحقق هذا التوازن ويحافظ على المجتمع الأثيني لاسيما في ظروف المواجهة مع الغزو الخارجي والذي ربما حاول بركليس التذرع بها تجنباً لمواقف محلية محرجة، لكنه على أية حال قدم نموذجاً تشريعياً في مسار البناء الديمقراطي مهما كانت ظروفه ومقتضياته.

وقبل الحديث عن الإصلاحات التي قدمها بركليس للمجتمع الأثيني والتي كانت نتائجها موفقة إلى حد كبير في الحفاظ على توازن طبقات المجتمع آنذاك لابد أن نتفهم ما هي الدوافع التي حركت هذا القائد للقيام بمثل هذا الإصلاح المجتمعي وتطوير منظومة قوانينه في تلك الفترة فهتم ببعض النقطات ومنها؛

  • تأمين الجبهة الداخلية من الخطر الخارجي:

كان الاتجاه نحو سياسية التوسع الإمبراطوري وتكوين إمبراطورية أثينية حلم ساد بين زعماء الحزب الديمقراطي الذي كان يتزعمه بركيليس والذي استمر انتخابه لمنصب القيادة خلال خمسة عشر عاماً متوالية وفي أثناء تلك الفترة تزعمت السيطرة الأثينية على بحر إيجة. وعلى هذا كان تدعيم فكرة الشجاعة بين المواطنين أصلاً ضرورية لإعلاء قيمة الديمقراطية التي تتمثل في الحرية والمساواة والأمن للأفراد وتأتي الشجاعة العسكرية على رأس اهتمامات القادة، والتي تنعكس على الوضع الداخلي، حيث أن الحث على الشجاعة وقت الحروب ارتبط في أذهان الناس بالديمقراطية والحرية التي يجب أن يمتع بها الأثيني، وأن يقاتل من أجل الدفاع عن الوطن، وأن لا يسلبه أحد تلك الحرية. وقد رسخ بركليس لتلك المفاهيم حيث بث في روح المواطنين أن الديمقراطية لن تأتي إلا من خلال الشجاعة فكيف يكون المرء حراً وهو مقيداً بقيود التدخل الأجنبي الخارجي في شئون البلاد؛ فلابد من التصدي للعدو الخارجي والدفاع عن الدولة وتحقيق الديمقراطية.

لقد كان بركليس سياسياً محنكاً حيث استطاع ترسيخ مبدأ عام هو أن الحرب من أجل الحياة والحضارة ويجب أن يفهم ذلك جميع العالم اليوناني. وظل الشعور والروح الأثينية تتنامى في كونها قادرة على مواجهة الحرب ليس فقط لتحقيق المحافظة على الديمقراطية الناشئة ،  وإنما كانت قادرة على إدارة مواردها الاقتصادية بعناية فتحققت في فترة حكم بركليس انتعاش اقتصادياً كبيراً.

عمل بركليس تأمين الجبهة الداخلية لاسيما وان لديه مشكلات على المستوى الدولي والإقليمي فكان عليه أن يحقق للقاعدة الشعبية الكبيرة في الداخل بعض ما تريد من حقوق لاسيما وأن طموحاته آنذاك كانت تفوق حدود إرضاء المواطنين فكان لديه مشروع توسعي داخل بلاد اليونان، ثم مشروع آخر هو مواجهة الأخطار الخارجية فضلاً عن إحداث نقلة نوعية والعبور بأثينا نحو آفاق ديمقراطية تتمثل في الاعتراف بالحقوق للطبقة الوسطى داخل المجتمع ولم يكن مبررها الحروب فقط وإنما كان الحفاظ على التحالفات الداخلية واستمرار لاحتفاظ بموارد اليونان جميعها بدعوى الحرب والمواجهة كأحد أسباب الإلهاء للبسطاء وببعض الحقوق المشروعة في الأساس.

  • الاحتفاظ بالموارد الاقتصادية للحلف اليوناني:

لقد استمرت السياسية الأثينية عند بركليس وفي وقت الحروب على النمو التدريجي في السلطة في اتجاه الطموح نحو قيادة العالم اليوناني من خلال تكوين حلف من المدن اليونانية المختلفة، كان يهدف إلى أن يكون تحالف موجه ضد الدولة الفارسية، ولكن أصبحت الرغبة بعد الحرب على أن يصبح منظمة أو تحالف للسلام بين المدن اليونانية تتزعمه أثينا ساعية وراء ذلك لتحقيق نوع من الوحدة بين أجزائها وتصب كل موارد هذه المدن في خزانة الدولة الأثينية وهذا كان مغزى السلام عند بركليس. وبمقتضي ذلك أصبحت أثينا ملتزمة لضمان الدفاع عن الحلف.

لكن ما سبق كان رأي أثينا وزعمائها أما أعضاء الحلف فقد كان لهم رأي آخر فبعد زوال الخطر المباشر للحروب الفارسية على بلاد اليونان وأصبح اليونانيون أحراراً يقررون مصائرهم بحرية، فلم يرى حلفاء أثينا في الحلف الذي قام في وجه الفرس مبرراً للاستمرار في دفع المعونات المالية للخزينة المشتركة فامتنعوا عن الدفع امتناعاً باتاً. ولكن بركليس كان يصر على الاستمرار فراح يقنع المواطنين بمطالبة تطبيق اتفاقية دفع هذه الضريبة. فكان يقول للمواطنين أنه طالما توفرون للحلف حق الحماية ضد الغزو الفارسي فلكم أن تنتفعوا من المال الفائض في السبل التي تشاؤنها فضلاً عن أنه قد آن لهم (أي الحلف) أن يقوموا بتعهداتهم التي أخذوها على أنفسهم ببناء الهياكل التي دمرها.

وقد عبر بلوتارخ عن ذلك فيقول "إن بركليس شرع يزخرف أثينا ويزينها كما تتزين إمرأة تغتر بجمالها، فراح يقيم التماثيل والهياكل في ساحتها. وإعادة بناء المعابد القديمة فوق الاكربولس. وهكذا استحال الاتحاد الذي كانت الغاية من قيامه الدفاع عن النفس إلى إمبراطورية أثينية، ولم يجرؤ أحد من الحلفاء أن يتردد أن يعترض لأن رد فعل أثينا في السنوات التي سبقت كان عنيفاً وقاسياً ضد أية دولة كانت تحاول ان تنفصل عن الاتحاد، حيث شكلت مرحلة بركليس وما بعدها أبعاداً اقتصادية وتكوين إمبراطورية أثينية تحاول تحقيق نوع من العدالة الكاملة والسلام الداخلي والخارجي بين المدن اليونانية بقيادة أثينا ولكن طموحات تكوين الإمبراطورية ربما مثلت نوع من الطغيان وفقدان الحرية السياسية والفردية لتحقيق مصلحة أثينا العامة فقط من أجل حكم إمبراطورية مترامية الأطراف، وليس هناك من شك في أن الضرائب التي كانت أثينا تفرضها على الولايات وتجبيها وفرت للأثينيين بناء المعابد الرائعة كمعبد الباراثينون والإنفاق على الأشغال العامة والمرافق المختلفة مما أدى إلى نوع من الازدهار، لاسيما وأن الدوافع كانت مادية محض تبرر ظهور مثل هذه المطامع الاستعمارية. فضلاً عن إرضاء جماهير أثينا واقناعها بمثل هذه الانجازات ربما على حساب ما لهم من حقوق وحريات تجاه الدولة.

  • تحقيق مطالب الطبقة العامة:

لقد شعرت الطبقات العامة بقوتها والدور الذي تلعبه في الأسطول البحري لاسيما في أوقات الحروب ومن ثم أخذت تطالب أن ينوب زعماؤها عنها في أمور الحكم والإدارة فضلاً عن رغبتها في المشاركة في إدارة شئون الدولة ، حيث بعد الحروب الفارسية أظهرت الطبقات العامة حماسة وطنية بالغة في محاربتها للعدو دفاعاً عن الوطن، بينما كان الطبقات الغنية تؤثر السيطرة الأجنبية إذا كانت مثل هذه السيطرة ضرورية لمنع قيام ثورات اجتماعية، ويقول ثوكيديدس "إن استبعاد المعارضة في الدولة لأفكار الناس وإرادتهم أشد فظاعة من سيطرة الأجنبي وحكمه". ومن ثم كانت الإصلاحات الدائمة والشاملة هي الداعم والضامن لمصالح الطبقات الدنيا في وجه الحكومة الأرستقراطية، وقد دعا بركليس قدر الممكن مشاركة الطبقات العامة في الدور السياسي للدولة حفاظاً على توازن المجتمع بألا ينحدر في هوة سحيقة من الصراع بين فئاته. فجاء برنامجه السياسي الإصلاحي الديمقراطي معبراً عن طموحات وآمال البسطاء، مرضياً للأغنياء أيضاً الذين استجابوا لهذه الإصلاحات والتي نرصدها لاحقاً.

  • إصلاحات بركليس الديمقراطية:

كان أبرز تطور عرفه المجتمع الأثيني في مجال الحياة العامة في عصر بركليس يتمثل في الجانب السياسي الداخلي، فقد شهد هذا الجانب من حياة الأثينيين خطوات أساسية نحو استكمال النظام الذي أبتدأه سولون وأرسى قواعده كليثنيس مع إطلالة القرن الخامس قبل الميلاد، وقد ساعد هذا التطور على ازدياد وعي الطبقة العامة في أثينا بالدور الذي قاموا به سواء في منجزات الحلف الأثيني "حلف ديلوس" ثم في القاعدة العسكرية والاقتصادية التي أدت إلى ازدهار أثينا بعد أن تحول هذا الحلف إلى إمبراطورية أثينية. ومن ثم قام بركليس باستكمال المسار الديمقراطي في نظام الحكم من خلال الإصلاحات التالية:

  1. تحديد اختصاصات مجلس الأريوباجوس:

تم تحديد سلطة مجلس "الأريوباجوس" وهو المجلس الأرستقراطي الذي كان موجوداً في أثينا في عهد الحكم الأرستقراطي وظل قائماً حتى تشريعات سولون وكليثنيس إلى جانب مؤسسات الحكم الجديدة وكل ما يحدث فيه هو أن أعضاءه الذين كانوا يختارون في العصر الأرستقراطي بحكم المولد، أصبحوا منذ عهد سولون يختارون من الأعضاء السابقين للمجلس التنفيذي الأعلى، وبما أن شغل مناصب هذا المجلس كان قاصراً على أفراد الطبقة الأولى في البداية ثم بعد ذلك اتسع قليلاً ليشمل أفراد الطبقة الثانية وهاتان الطبقتان، فقد كانت الصلاحيات التي يتمتع بها مجلس الأريوباجوس تمثل وضعاً طبقياً ومن ثم تخدم مصالح طبقية، وهكذا يصبح تجريد مجلس الأريوباجوس من صلاحياته السياسية خطوة واسعة نحو نظام ديمقراطي أكثر اكتمالاً حيث اقتصرت اختصاصات هذا المجلس على التحقيق في القضايا الجنائية فقط.

  1. اتساع دائرة المشاركة السياسية للمواطنين:

تم توسيع دائرة المواطنين الذين يختار من بينهم أعضاء المجلس التنفيذي الأعلى، فبعد أن كانوا يختارون من قبل من بين صفوف الطبقتين الأولى والثانية، زاد اتساع دائرة المشاركة لتشمل أفراد الطبقة الثالثة "الزوجيتاى" الذين كان دخلهم السنوي تتراوح بين 200 و 300 معيار بعد أن كان لا يسمح لهم من الناحية القانونية بأكثر من شغل الوظائف الثانوية التي تلي مناصب المجلس التنفيذي الأعلى. وإذا أخذنا في الاعتبار أن كتائب المشاة الثقيلة Hoplites وهي عصب القوات الأثينية المحاربة كانت من بين صفوف هذه الطبقة الثالثة فإن إقرار هذا القانون أصبح يشكل في الحقيقة نوع من المساواة أو التعادل بين الواجب الملقى على عاتقها وبين الحق الذي حصلت عليه هذه الطبقة. وينطبق حق المشاركة على الأثينيين الأحرار حيث أكدت قوانين بركيليس على حق المواطنة وأعاد تنظيم القوانين لتحديد الفرق بين المواطنين الأثينيين الأحرار الذين ولدوا من أب وأم أثينية وبين غير المواطن. ومن ثم فقد تطور مفهوم المواطنة مع تطور المجتمع الأثيني الذي كان في نمو متزايد من السكان ابان تلك الفترة وأصبحت المواطنة تشكل مؤسسة متكاملة الوعي بحقوقها وقد تزايد هذا الوعي في عهد بريكليس برعايته للقانون.

ولقد تباهت الديمقراطية الأثينية بأنها وضعت سلطة اتخاذ القرار في يد الأغلبية، حيث أصبح تداول القضايا الرئيسية في أيد الناس الذين يتخذون القرارات في الجمعية العامة وفقاً لتصويت الأغلبية في إطار دستوري وقانوني يريد العمل العام ويعمل لصالح جميع المواطنين.

وهكذا وسع بركليس حق المشاركة السياسية للمواطنين، حيث سمح بحرية التعبير وكفلها للجميع فكان للأعضاء الجمعية العامة في أثينا حقاً أصيلاً في التصويت يعبر في معناه عن حرية التعبير مع وجوب الاستماع حتى ولو لشخص واحد إذ يجب أن يبدي رأيه فضلاً عن حق المجموعات الحزبية التي لديها الفرصة في التعبير عن نفسها ومصالحها، ومن ثم استعادت الديمقراطية الأثينية توجيه إهتماماتها نحو مطالب الجماهير لتحقيق نوع من العدالة، حتى لو على حساب إحراج حكم الأقلية الأرستقراطية، ليستكمل اليونان القديم محاولاته في تحقيق نوع من العدالة الشاملة بحسن الإدارة وصناعة القانون وتطبيقه.

  1. استحداث نظام الأجر "Misthos"

أدخل بركليس نظام المكافأة أو الأجر أو التعويض "Misthos" على حضور جلسات المحاكم الشعبية "Heliaea" ثم على حضور جلسات مجلس الشورى وأيضا على شغل الوظائف الإدارية التي كانت تُشغل بالانتخاب لضمان الجدية في العمل والحد من الابتزاز حيث كان النظام السياسي في إطار الملكية لا يمنح أجراً لمن يقومون بالعمل في الدولة وأصبح الأمر ضرورياً لدفع رواتب لهؤلاء المواطنين لضمان الاهتمام بالعمل.

كما تم إلغاء نظام الاختيار لمناصب الأراخنة ومجلس الشورى "الخمسمائه" وإقرار نظام القرعة المباشر من بين المتقدمين الذين تتوافر فيهم شروط الوظائف.

وهكذا نجحت أثينا من بناء نظام ديمقراطي إلى درجة كبيرة فقد أتخذ التطور الديمقراطي شكلاً شعبياً ومشاركة شعبية واسعة في كل مستويات السلطة الحاكمة وكان الاعتراف بالمجهود البشري أيا كان طبقته وضرورة مكافئة ذلك المجهود بأجر مناسب إعلاء للإنسان وقيمته بغض النظر عن أصله، ولكن ظلت ديمقراطية بركليس منقوصة لأنها عنصرية الهدف قصرت مزاياها على أحرار أثينا فقط دون النساء والعبيد أو حتى اليونانيين خارج تلك المدينة.

حي الظــاهــر مجمعًا للأديان

بقلم : د. إيمان محمد العابد

دكتوراه في الآثار والفنون الإسلامية والقبطية

مفتش أثار ـ وزارة السياحة والآثار

يتعجب الكثيرون من كم التسامح الذي تعيشه مصر وروح الإخاء التي تكلل العلاقات بين أبنائها على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم . ولم لا ؟؟ ، ولم العجب إذن ؟!

إنها مصر يا سادة .. التي يتعانق في سمائها هلالها وصليبها ؛ فصيحات التهليل والتكبير التي تصدح في ربوع مصر كافة ، لتصل حتى عنان السماء والتي كثيرا ً ما تتزامن معها دقات أجراس أبراج كنائسها ؛ جعلت القاصي والداني شهودا ًعلى احتضان سماء مصر للأهلة والصلبان ولسان حالها يجسد قول الحق جل وعلا أن : } كونوا عباد الله إخوانا  {.

إنها أرض السلام والمحبة والإخاء .. التي لطالما احتضنت أعراقا ً وشعوبا ً مختلفة ومتنوعة ؛ فمثلما كانت مصر مهدا ً للحضارات الإنسانية ؛ شهدت أرضها مولد أعرق وأقدم الحضارات ممثلة ً في الحضارة الفرعونية .. فتحت مصر أبوابها استقبالا ً لأبناء نبي الله يعقوب ـ عليه السلام ـ ؛ إخوة نبي الله يوسف الصديق ـ عليه السلام قادمين من أرض كنعان ،، كما كانت أرضها كذلك مهدا ً لبعض الديانات السماوية والرسالات الربانية ؛ إذ لا يخفى علينا أن اليهودية تنزلت على نبي الله موسى ـ عليه السلام ـ بأرض مصر ؛التي شرفها الله ـ عز وجل ـ من عليائه باختيارها ؛ ليتجلى بها لنبيه موسى ـ عليه السلام ـ في سينائها .

كانت مصر كذلك الملاذ الآمن والملجأ الذي فرت إليه واحتمت به السيدة "مريم العذراء" ـ عليها السلام ـ ، عندما وطأت قدماها الشريفتان أرض مصر ؛ هربا ً من بطش الرومان بوليدها "السيد المسيح" ـ عليه السلام ـ ؛ فأضفت على تلك البقاع الكثير من الخير والبركات ، مثلما جاء على لسان المسيح عيسى بن مريم ـ عليه السلام : } مباركٌ شعب مصر {

وبالمثل فتحت مصر أحضانها للإسلام والعرب الفاتحين ، عندما قصدوها لنشر راية الإسلام واتساع رقعته ؛ فلم يجدوا من أهلها الأقباط أي معارضة أو مقاومة تذكر ؛ بل على العكس وجدوا منهم كل ترحاب وإكرام ؛ حيث وجد أقباط مصر في هؤلاء المسلمين الوافدين خير ناصر ومعين لهم للتخلص من الاستعمار الروماني الذي طالما كان يفت بعضدهم ويسلب خيرات بلادهم ويذيقهم ألوانا ً وصنوفا ً من التنكيل والعذاب .

فلا نعجب من تشريف اسم مصر بذكرها في التوراة والإنجيل والقرآن ، وفي مواضع عديدة يعرفها معظمنا ـ نحن المصريون ـ ونحفظها عن ظهر قلب ـ ؛ فقد شهدت أرضها أحداث جلل ووقائع عظمى ارتبطت بالعديد من أنبياء الله ـ عز وجل ـ 

ومثلما كانت مصر الكبرى مجمعا ً للديانات والرسالات الربانية ، جسدت الكثير من بقاعها هذه الرؤية وتلك الفكرة التي جرى تطبيقها ـ دون قصد ـ في مناطق كثيرة ومتنوعة من أرض مصر ؛ فهاهي أحدى بقاعها ممثلة في "حي الظاهر" ، واحدا ً من أقدم وأعرق أحياء مدينة القاهرة ، والذي يقع في قلب القاهرة العامر بالتنوع والاختلاف ، عاش فيه المسلمون جنبا ً إلى جنب بجوار المسيحيين واليهود ؛ حيث صنوف من البشر متنوعين بين طبقات راقية مثل باشاوات القرن الماضي وأخرى شعبية من أبناء مصر من الحرفيين والمهنيين والتجار وغيرهم  .

بادئ ذي بدء لابد لنا أن نعرف سبب تسمية هذه البقعة بهذا الاسم "حي الظاهر" ، ولا يخفى علينا أن الحي كان قد سمي على اسم جامع " الظاهر بيبرس البندقداري" ، الذي شيده السلطان الظاهر بيبرس البندقداري ـ أحد سلاطين دولة المماليك ـ الذي كان يحكم مصر ، وفي عام 1266 م، أُعيد فتح الجامع الأزهر لأداء صلاة الجمعة ليصبح ثالث مساجد القاهرة المسموح فيها فقط بأداء صلاة الجمعة ، وبعد مرور عام شرع السلطان الظاهر بيبرس في بناء جامع أخر لتقام فيه صلاة الجمعة ، وكان الموقع الذي تم اختياره للجامع الجديد ، وهو "جامع الظاهر بيبرس " بـميدان قراقوش" ، وهو مربع كبير شمالي المدينة كان بيبرس يلعب فيه لعبة البولو ؛ وقد انتهى البناء في عام 1269 م ؛ليشغل الجامع مساحة شاسعة قدرها 500.12م2

ظلت الشعائر الدينية مقامة بالجامع ، ولم تعطل حتى أوائل القرن الـ 16م مع دخول العثمانيين، وذلك لاتساعه وعجز الدولة عن الصرف عليه لذلك ساءت حالته ، ولحقت به العديد من مظاهر الخراب والدمار.؛ حيث بدأ العثمانيون بخرابه عند تحويلهم الجامع إلى مخزن للمهمات الحربية ، وفى عهد الحملة الفرنسية تحول إلى قلعة وخيمات للجنود ؛ أما في عهد محمد على تحول لمعسكر لطائفة من الجند ومخبز ثم استعمل بعد ذلك مصنعا للصابون ، فقد عاني الجامع كثيرا ً من الإهمال ومرت عليه عهودا ً طويلة من الخراب والهجر .

وحاليا ً يخضع الجامع كاملا ً لمشروع ترميم ضخم بتمويل من دولة كازاخستان ـ مسقط رأس السلطان الظاهر بيبرس ، وتحت إشراف قطاع المشروعات التابع لوزارة السياحة والآثار ؛ وذلك في محاولة لإحياء الجامع من جديد واستعادة الرونق المعماري والروح الجمالية له كما كان في أزهى عصوره ، بالاستعانة بالأوصاف والشروح التي ذكرها المؤرخون الذين عاصروا الجامع وأوردوه في كتاباتهم ، إلى جانب الاستعانة كلك بالرسوم التوضيحية والاسكتشات التي رسمها الرحالة الذين زاروا المنطقة وقاموا بعمل رسومات للجامع .

شهدت فترة القرن التاسع عشر الميلادي  بناء عدد من المباني الدينية المتنوعة بـ "حي الظاهر" ؛ ففي مواجهة جامع الظاهر وعلى بعد عدة أمتار من واجهته الجنوبية الغربية نشاهد المجمع الكنسي ـ المسيحي ـ ، المعروف باسم "دير طور سينا" ؛ الذي شيد في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ، والذي يشتمل على سكن لإقامة الرهبان من دير سانت كاترين للروم الأرثوذكس وكنيسة مرفقة. وقد عرفت المنطقة المحيطة بمجمع الكنيسة باسم "طور سينا" أي [جبل سيناء] (حيث يقع الدير).

وفي الجهة الجنوبية الغربية من المجمع الكنسي قام "راهبات سيدة النجاة" بإنشاء مدرسة للفتيات عام 1893م لتعليم الأطفال في سن المدرسة على أيد الراهبات والرهبان الكاثوليك الناطقون بالفرنسية ، وبعد خمس سنوات حذا "رهبان المدارس المسيحية" حذوهن، وأقاموا مدرسة "كوليج دو لا سال" للصبيان .

وفيما يتعلق بالمنشآت الدينية اليهودية ؛ فكان من بينها المعبد اليهودي "نيفي شالوم   " Neve Shalomـ أي ـ "واحة السلام"، الذي شيد عام 1890 م ، وظل معروفا ً بأنه المعبد الرئيسي لليهود في القاهرة ؛ حتى تم بناء معبد "شعار هاشامايم Chaar Hachamaïm" ـ أي ـ "بوابة السماء" في شارع عدلي بوسط البلد الذي يعد حاليا ً مقرا ً للطائفة اليهودية ، وقد كان معبد "نيفي شالوم" أو “الكنيس الكبير”، كما كان يُطلق عليه الأول فقط من عدة معابد تم بناؤها في المنطقة ؛ حيث تلاه معبد "نسيم أشكينازي "Nessim Eshkenazi ؛ الذي بني عام 1894م .
كما تأسست العديد من المباني والمؤسسات الجديدة اليهودية خلال العقود الأولى من القرن العشرين ؛ منها على سبيل المثال تأسيس معبدين آخرين إضافة إلى المعبدين سالفي الذكر ؛ وهما  معبد "عتص حاييم" Etz Haïm ـ أي ـ "شجرة الحياة" في عام 1900 م ، ومعبد "بحاد إسحاق" "Ishak – Pahad "قريب إسحاق" في 1925 م ، كما نشأت أيضاً في هذه الفترة كنائس تنتمي إلى الطوائف المسيحية المختلفة ؛ حيث أصبح هناك في هذا الوقت كنيستان من الكنائس الأرثوذكسية اليونانية ؛ الأولى التي في طور سينا وأخرى هي كنيسة رؤساء الملائكة في شارع الظاهر. بالقرب منها كانت توجد أيضاً كاتدرائية القيامة للروم الملكيين الكاثوليك والبطريركية  ، وقد شملت الكنائس الأخرى التي بُنيت كاتدرائية السريان الكاثوليك، وكاتدرائية القديس يوسف المارونية ، والكنيسة الأرمينية الرسولية للقديس غريغوريوس المنوِّر.

وبحلول عام 1936 م تم إنشاء العديد من المدارس في جميع أنحاء الحي. وهي تشمل ما يلي: سانت آن والقلب المقدس ومدرسة القديس يوسف والكلية الأمريكية للبنات ـ الآن كلية رمسيس للبنات ـ  ومدرسة سانت ميشيل.

كما اتسم "حي الظاهر" أيضا ً بتواجد العديد من المؤسسات المختلفة ؛ فإلى جانب المعابد الأربعة التي كانت قد تأسست بين 1890 ـ 1925 م ، كان هناك أيضا ً العديد من المدارس المجتمعية اليهودية في المنطقة ؛ ففي الفترة ما بين 1920 ـ 1936 م ، قام أثرياء اليهود من ذوي النفوذ بتأسيس ثلاث مدارس ؛ جميعها على مقربة من قصر السكاكيني باشا. ، وهي : مدرسة موسى قطاوي باشا ومدرسة ماري سوارس وبيتي ليسيه دي سكاكيني. وبالقرب من ميدان فاروق ـ الذي أصبح فيما بعد ميدان الجيش ـ ، عند تقاطع شارع سبيل الخازندار وشارع مصنع الطرابيشي كان يوجد مبنى بارز جداً، كان قد تأسس بواسطة الاتحاد الإسرائيلي العالمي لتوفير التعليم لغير الميسورين، وهي المدرسة اليهودية المجتمعية والتي لازالت تعرف باسم المدرسة الإسرائيلية .وقد ازداد التواجد اليهودي في الحي بسبب نقل مجتمع مستشفى القاهرة الإسرائيلي إلى حي الظاهر في عام 1924 م .

ومن عجائب القدر ، وما يجسد بالفعل روح التسامح والإخاء فيما بين المصريين ؛ أنه في الوقت الذي تم فيه إنشاء المعابد والكنائس الجديدة التي تستوعب المصلين من اليهود والمسيحيين الذين كانوا يعيشون في المنطقة وكان عددهم كبير، فإنه يبدو أن مسلمي "حي الظاهر" لم يكن لديهم مكان لكي يؤدوا فيه صلاة الجمعة. وفي كراساتها الصادرة خلال الفترة ما بين عامي  1920 ـ 1924 م تذكر لجنة حفظ الآثار العربية ـ التي أنشأها الخديوي توفيق عام 1881م ـ أن سكان حي الظاهر من المسيحيين واليهود كانوا قد طالبوا مرتين أن يتم ترميم جزء من جامع بيبرس بحيث يتمكن إخوانهم المسلمين من أداء صلاة الجمعة ، نظراً لأن عدد المسلمين في الحي كبير جداً ، كما أنه لا يوجد أي جامع آخر في المنطقة .

وختاما ً وبعد تلك الإطالة على "حي الظاهر" ؛ فقد تأكد لنا بما لا يدع مجالا ً للشك أن منطقة "حي الظاهر" تعد من المناطق الفريدة من نوعها بين أحياء القاهرة ، لكونها تجسد فكرة "المجمع الديني" مكتمل الأركان ؛ عاش فيه مسلموه إلى جوار إخوانهم الأقباط واليهود كل ٌ منهم يعبد ربه في محرابه وهيكله الخاص به ؛ دون أن يعتدي على حرية الآخر ؛ بل على العكس عاش الجميع على اختلاف مللهم ونحلهم إخوانا ً متحابين ، لا فرق بين أيا ً منهم ؛ فالجميع أبناء مصر المحروسة .

خمسون امرأة حكمن الأقطار الإسلامية على مر التاريخ، هكذا كانت مكانة المرأة فى الإسلام

بقلم / د.سماح محمد صبري

مدير الوعي الأثري والتنمية الثقافية بالدقهلية

تؤكد حقائق التاريخ أن هناك خمسون امرأة حكمن الأقطار الإسلامية على مر التاريخ ونشير إلى نماذج من هؤلاء النساء ومنهم ست الملك إحدى ملكات الفاطميين بمصر، التي حكمت في بداية القرن الخامس الهجري، مرورًا بالملكة أسماء والملكة أروى، اللتين حكمتا صنعاء في نهاية القرن الخامس الهجري، وزينب النفزاوية في الأندلس، والسلطانة رضية التي تولت الحكم بدلهي في منتصف القرن السابع الهجري، وعائشة الحرة في الأندلس، وست العرب، وست العجم، وست الوزراء، والشريفة الفاطمية، والغالية الوهابية، والخاتون ختلع تاركان، والخاتون بادشاه، وغزالة الشبيبة، وغيرهن

وشاركت المرأة فى الإسلام فى الدفاع عن وطنها وأرضها وشعبها، وقد أقرّ النبى، صلى الله عليه وسلم، مشاركة النساء فى الجهاد والغزوات، بل غزت المرأة مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كأم سليم بن ملحان، وأم حرام بنت ملحان، وأم الحارث الأنصارية، والرُّبَيِّع بنت معوذ، وأم سنان الأسلمية، وأم سليط، وليلى الغفارية، وكعيبة بنت سعيد الأسلمية، وحمنة بنت جحش، ورفيدة الأنصارية، وأم زياد الأشجعية.

ويشهد التاريخ الإسلامى بتولى المرأة العديد من المراكز القيادية فكما تولت المرأة منصب الحاكم تولت أيضاً مناصب أخرى لا تقل فى أهميتها عن منصب القائد ومنها مناصب القضاء والإفتاء والحسبة "السلطة التنفيذية" ورغم ذلك فإن المصادر التاريخية لم تسجل لنا إلا حالة واحدة تولت فيها القضاء امرأة، وهى ثمل قهرمانة شغب أم المقتدر وكانت «ثمل» من ربات النفوذ والسلطان فى الدولة العباسية أيام المقتدر، فكانت الساعد الأيمن لأم المقتدر، تلى شؤون الدولة وسياستها كما تولت المرأة السلطة التنفيذية أو الشرطة أو ما تسمى فى التراث الفقهى الإسلامى «الحسبة»، وكان ذلك فى القرن الأول الهجرى  وعلى خلفية هذه الآثار أجاز بعض علماء المسلمين تولى المرأة هذا المنصب القيادى الحساس فى الدولة الإسلامية، فروى أبو بلج يحيى بن أبى سليم قال: «رأيت سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبى - صلى الله عليه وسلم - عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر».

وتعد شجر الدر هي أشهر النماذج النسائية بتوليها حكم مصر والشام، فهي ذات إدارة وحزم وعقل وبر وإحسان، ملكها الملك الصالح في أيام والده، واستولدها ولده خليل ثم تزوجها، وصحبته ببلاد الشرق ثم قدمت معه إلى البلاد المصرية، فعظم أمرها في الدولة الصالحية، وصار إليها غالب التدبير في أيام زوجها ثم في مرضه، وكانت تكتب خطاً يشبه خط الملك الصالح فتعلم على التواقيع، ولقد باشرت الحكم، وأخذت توقع عن السلطان مراسيم الدولة إلى أن وصل تورانشاه إلى المنصورة، فأرسل إليها يهددها ويطالبها بالأموال، فعملت على قتله، فقتل في ٧ محرم سنة ٦٤٨هـ، ولما قتل وقع الاتفاق على تولية شجرة الدر السلطنة فتولتها، وقَبَّل لها الأمراءُ الأرضَ من وراء الحجاب، فكانت تاسع من تولى السلطنة بمصر من جماعة أيوب، وكان ذلك في ٢ صفر سنة ٦٤٨، وجعلوا عز الدين أيبك الصالحي التركماني أتابك عسكرها، وساست الرعية أحسن سياسة، فرضي الناس عن حكمها خير رضاء، وكانت تصدر المراسيم وعليها توقيع شجرة الدر بخطها باسم والدة خليل، وخُطِب في أيام الجمع باسمها على منابر مصر والشام، وضُرِبت السكة- أي النقود- باسمها ونقش عليها: «السكة المستعصمية الصالحية ملكة المسلمين والدة الملك المنصور خليل».

تلك نماذج من صفحات صدر الإسلام والتاريخ الإسلامي التي يعرفها القاصي والداني، والتي تنم عن قيمة المرأة في الحضارة الإسلامية، وكم لها من إسهامات في بناء المجتمع وإرساء دعائمه.

عالمية المرأة في الاسلام

 

بقلم / د.سماح محمد صبري

مدير الوعي الأثري والتنمية الثقافية بالدقهلية

كانت المرأه في الحضارات الأولي القديمة تعتبر كآداه للتسلية فقط ووسيلة لسد الرغبات والشهوات وعليها أن تلبي رغبات زوجها دون التعبير عن رأيها، وقد كانت بعض القبائل العربيه في العصر الجاهلي تئد البنت حيه خشية العار، وقد تغير هذا الأمر مع ظهور الاسلام الذي أعطي للمرأة مكانتها داخل المجتمع وساوي بينها وبين الرجل في عدة أمور.

فقد كرم الاسلام المراه وفتح أمامها كل ساحات الخير والاسهام النافع في بناء المجتمع، وقد تناول القرآن الكريم شئون المرأه في أكثر من 10 سور (النساء ، الطلاق ، البقرة ، المائدة ،.النور ، الاحزاب ، المجادلة ، الممتحنة ،التحريم)، وقد أعطي الاسلام المرأة حقوقها  كاملة من الزوج أو في الميراث الشرعي وفتح الاسلام الباب علي مصراعيه أمام تعليم المرأة وعملها ، ووصي بها الله عز وجل في قرآنه الكريم وكذلك أوصي بها النبي (ص) وجعل حسن تربيتهن  تأشيرة لدخول الجنة ، وقد شرف الله المرأة بأن جعل أول شهداء الاسلام امرأة (سميه بنت خياط) والدة عمار بن ياسر، ولعبت النساء دورا كبيرا في الهجره ونشر الدعوة الاسلامية .

وظهر دور النساء بشكل واضح في الحياة السياسية خلال العصر العباسي الثاني فكانت أم سلمة زوجة السفاح أبو العباس بمثابة مستشارة له ، وقد ابتدعت زوجة أبو جعفر المنصور بدعة جديدة للنساء وهي أنها اشترطت علي زوجها عند قرانها ألا يتزوج عليها ولا يتسري الا بإذنها، وظهر في عهد الدولة الفاطمية الكثير من النساء المؤثرات لعل أشهرهم السيدة ست الملك إبنة الخليفة العزيز وأخت الخليفة الحاكم والتي كانت وصية عليه وأثرت كثيرا في حكمة وتدخلت في إنقاذ الدولة الفاطمية من أعماله المشينة فدبرت لقتلة وحافظت علي الحكم لولدة أبو الحسن علي وتوفيت ست الملك في 415هـ/1024م ، كذلك اشتهرت السيدة رصد أم الخليفة المستنصر الفاطمي التي كانت وصية علي ولدها وسيطرت علي شئون الحكم والولاية وإتخذت العديد من الألقاب وكانت لها توقيعات خاصة بها وكانت تعزل الوزراء وتعينهم وتدخلت في الصراعات بين العبيد السودان والأتراك .

و قد تولت المرأه عبر التاريخ الاسلامي العديد من المناصب المهمه في المجتمع الاسلامي، فقد ساهمت المرأه المسلمه مساهمه كبيره وفعاله في الحركة العلمية، إذ برزت العديد من النساء العالمات والفقيهات والمحدثات والأديبات والشاعرات وهذا إن دل علي شئ فهو يدل علي جدارة المرأه وكفاءتها في قيادة العديد من الأمور .

فكما أخرجت هذه الأمه رجالا لا يعرف لهم مثيل في العالم في مجالات شتي فقد أخرجت كذلك نساء فضليات يعتبرن قدوة يحتذي بهن وعنهن قال رسول الله (ص) "إنما الرجال شقائق الرجال "

ولم يفرق الاسلام بين الرجل والمرأه في طلب العلم فطلب العلم فريضة علي كل مسلم، ولهذا حرصت النساء علي حضور مجالس رسول الله والتعلم من أمور الفقه والدين ولا عجب في ذلك فالمراه هي  التي تربي وتعلم وتلقن المبادئ الأولي لشخصية الطفل الذي يتطور ويكبر ليصبح عالما يساهم في بناء الحضارة وتطور المجتمع وخدمة الانسانية، وقد لمع بين نساء الأندلس إبنة فائز القرطبي والتي لا نعرف اسمها والتي رحلت الي غرناطه للتعلم علي يد المقرئ أبي عمر الداني وحين علمت بمرضه استفسرت عمن يشابهه في العلم للأخذ عنه، كذلك أم الحسن بنت اللواء التي كانت لصيقه بالباقي بن مخلد مثلها في ذلك مثل التلاميذ الرجال.

وعن حسن الحظ وجودته فقد لمعت عائشه بنت أحمد القرطبيه المتوفيه عام 400 هـ والتي قال عنها المؤرخون " لم يكن في زمانها من حرائر الأندلس من يعادلها علما وفهما وأدبا وعزا، كانت تمدح ملوك الأندلس وتكتب المصاحف والدفاتر بحسن خطها، ومن اللواتي ذكرهن لنا التاريخ بالتمجيد صفية بنت عبد الله الكاتبه التي تفرغت لنقل المخطوطات وإشتهرت ببراعتها في الخط والانشاء.

وقد ساهمت المرأه بخبرتها في الطب والصيدلة في ميادين الحروب التي خاضها المسلمون ، وكان العرب يطلقون  إسم الآسيات و الأواسي علي النساء العربيات اللائي يعملن في تضميد الجراح وجبر العظام ومن أشهرهن رفيده الأسلمية أول ممرضة في الاسلام من جيل الصحابيات ، و أم الحسن بنت القاضي التي جاءت من المغرب الي الأندلس لتعليم الطب، و أميه بنت قيس الغفاريه وهي زعيمة الطبيبات ولم تبلغ سن السابعة عشر من عمرها ، وزينب طبيبة بني أود التي كانت خبيرة بالعلاج ومداواة آلام العين والجراحات وكانت مشهورة بين العرب بذلك.

وقد سجل التاريخ بعض الأسماء للنساء العالمات في ميدان العلوم الطبيعيه وخاصة الفلك  نذكر منهن مريم العجليه الحلبيه المعروفه بالإسطرلابيه والتي تعتبر سيرتها استثنائيه فهي لم تنهج نمط حياة معظم نساء عصرها في القرن العاشر بل إمتهنت حرفه وبرعت فيها وإشتهرت بمهارتها في صنع الأدوات والأجهزه الفلكية ولا سيما الاسطرلاب ، وفاطمة المجريطيه التي عاشت في نهايات القرن 10 وبدايات القرن 11 وهي إبنة عالم الفلك الأندلسي العظيم  مسلمة المجريطي والتي ساهمت بشكل كبير في تصحيح الجداول الفلكية للخوارزمي والتي ما تزال تدرس إلي يومنا في مدريد، ولبني القرطبية  المتوفيه عام 984م عالمة الفلك والرياضيات ومدونة الخليفة والتي كانت تدون الكتب وتترجمها.

وقد  أعطت الحضارة الاسلامية للمرأه الحق في التمتع بحقوقها  الماليه كاملة فلها أن تكسب المال بالطرق المشروعة لها كما لها الحق في أن تبيع وتشتري ، ويذكر لنا التاريخ الاسلامي دور المرأه الفعال في رعاية اليتامي ونساء الأرامل  وسباقهن في فعل الخيرات والأوقاف ، ويعتبر أقدم وقف نسائي في الغرب الاسلامي هو جامع القرويين في فاس والذي أصبح فيما بعد جامع وجامعة وتؤكد المصادر التاريخية أن فاطمه الفهرية بنت محمد عبد الله الفهري هي منشأة هذا الجامع وإليها ينسب، أما جامع الأندلس بفاس فينسب لأختها مريم الفهرية، وقد إهتمت قبيحة زوجة الخليفة العباسي المتوكل و شغب أم الخليفة العباسي المقتدر بإنشائهما البيمارستانات داخل بغداد وخارجها ، كذلك وقف مسجد القرافة  366هـ/976م الذي يعد ثاني جامع أقامة الفاطميون في مصر بعد الأزهر إلي السيدة تغريد زوجة الخليفة المعز وأم العزيز بالله ، كذلك كانت المرأه المسلمة سباقة الي وقف المصاحف والكتب النفيسة والنافعة لطلاب العلم ، وقد لقي المصحف الشريف عناية كبيرة في أوقاف المسلمين من طرف الحكام والرعية عبر القرون ، وقد ضربت لنا فضل مولاة أبي أيوب الجارية القيروانية نموذجا رائعا لفعل الخير ونشر العلم ووقف الكتب .

لقد نبغ في مختلف مراحل التاريخ الاسلامي الآلاف من العالمات المتفوقات في أنواع العلوم وفروع المعرفة وحقول الثقافة العربية الاسلامية ويرجع الفضل في ذلك الي مبادئ الاسلام السمحة قبل مئات السنين التي أعطت للمرأة كافة حقوقها وحفظت لها كرامتها وسمحت لها بالمشاركة المجتمعية مع الاحتفاظ بحياءها ولباسها وأخلاقها.

نساء العوام ودورهن في المجتمع الإسلامي

                بقلم د :  ريهان نجدى

             دكتوراه في التاريخ والحضارة الإسلامية

رفع الإسلام من شان المرأة  و أعترف بمكانتها وكرامتها الإنسانية ، لذا فقد تمتعت المرأة بمنزلة كبيرة فى المجتمعات الإسلامية ، وكانت الذميات من مسيحيات ويهوديات يشكلن جزء من هذا المجتمع ، وقد حددت الشريعة الإسلامية للنساء وضعا يختلف عن وضع الرجال فى بعض الوجوه مثل قلة الخروج من البيت والسفر مع المحارم فقط وعدم الاختلاء بأجنبى وذلك حفاظا عليها ، وقد تأثرت حياة المرأة بهذه التعليمات الشرعية بالرغم من عدم الإلتزام بها بصفة كاملة

ومن المعتقد أن الدور التى قامت به المرأة فى ذلك الوقت لم يكن مستندا الى مبادئ معينة سعت المرأة لتحقيقها مثل العصور الحديثة ، وإنما يرجع الى الظروف التى واجهتها بما يتلائم مع الروح السائدة لهذا العصر.

وقد تمثلت حقوق المرأة  فى التعليم وفى مشاركتها فى الحياة العامة من خلال المهن التى مارستها ومشاركتها فى الحياة الإقتصادية ، فقد كانت تمارس التجارة والبيع فى المحال ، أما التعليم فكان مهملا الى حد كبير ، حيث كان من المعروف أن الفتيات لا يتلقين تعليما فى المدارس ، إلا ان هذا لا ينفى وجود من كانت تجيد القراءة والكتابة من النساء ، ولكن فى حالات نادرة كالصبيان وذلك لتحفظ المجتمع وعدم إباحته الخروج للمرأة بصورة دائمة ، كذلك لمحدودية دورها وعدم مشاركتها بطريقة فعالة فى المجتمع ،أما عن مشاركتها  فى الحياة العامة من خلال المهن التى  مارستها ، فقد كان اشتراك المرأة المسلمة فى هذا المجال بسيطا ومرهونا بشروط معينة منها عدم قضاء فترات طويلة أو المبيت خارج المنزل ، وكان النصيب الأوفر للمرأة  الذمية  وخاصة اليهودية ، ذلك لأن النساء لا يخرجن كثيرا من المنازل طبقا لعاداتهم وتقاليدهم ، وكانت معظم النساء العاملات يساعدن أزواجهن فى العمل كغسالات أو خادمات فى بيوت الأثرياء ، كما كان من الأرامل والمطلقات ونساء الطبقات الفقيرة اللاتي لا يملكن شيئا ولا يستطعن انتظار الإحسان من تخرج إلى العمل أيضا  للحصول على متطلبات الحياة اليومية بما يتناسب مع طبيعتها.

إلا أن العادات الإجتماعية  للمجتمع كانت أحيانا تفرض على المرأة نوعا من التشديد  كما حدث أيام الحاكم بأمر الله حيث منع  كافة  النساء من الخروج من بيوتهن ، وأمر بقتل كل من تخرج منهن ، وأمرأن يحمل كل ما يباع  فى الأسواق الى الدروب ويباع الى النساء ، وأن يحمل كل بائع حامل بساعد طويل يضع عليه البضاعات  ويعطيها للنساء من وراء الباب فإذا ارتضتها وضعت له النقود على نفس الحامل ، كما منعت النساء أحيانا من زيارة الحمامات والقبور.

* مهن المرأة : أمتهنت المرأة الكثير من المهن التى أرتبطت فى معظمها بالمظاهر الإجتماعية للمجتمع ، ومنها ما كان يتم خارج البيت ومنها :

**"الماشطة": وهى المختصة بتحضير العروس يوم الزفاف سواء فى المنازل أو فى الحمامات العامة ، وعملت فى تلك المهنة كلا من المرأة المسلمة والذمية .

 **"القابلة": وهى المرأة  التى تساعد الزوجات عند الولادة ، وقد سميت بالقابلة إستعارة من معنى القبول والإعطاء لإنها تتقبل المولود عند ولادته .

**الصانعة": وكان عملها مرتبط أيضا بتحضير العروس مثل الماشطة.

 **"الغاسلة" : وهى التى تقوم بغسل الموتى ، وقد ظهرت فى هذه المهنة نوعا من الإختصاص فقد أختصت كل غاسلة بالطائفة التى تنتمى اليها سواء كانت مسلمة أو ذمية ، كانت الغاسلة فى هذه المهنة يتنوع أجرها بين النقود الى ثياب المتوفية وما تحتها من فراش.

**"النائحة": وهى التى تخرج بالطبل والزمر والصياح مع غيرها مكشوفات الوجوه على الميت ، إلى غير ذلك من حلق شعورهن وتسويد وجوههن وشق أثوابهن وراء الجنائز.

**"الدلاله": وهى من تتردد على الدور لبيع الأقمشة والملابس الفاخرة والعطور، وقد ظهرت هذه المهنة لأن نساء الطبقة العليا من المسلمات كن لا يستطعن الخروج الى الأسواق لشراء إحتياجاتهم من بائعو الثياب لعدم السماح لهن بذلك من أزواجهن ، وكانت هذه المهنة تتيح لهذه الفئة الدخول الى البيوت ، والتعرف على أحوالها لذا أستخدمت هذه المهنة فى بعض الفترات فى أغراض سياسية للحصول على المعلومات التى لا تأتى إلا من هذه الفئة لمخالطتها لنساء البيوت ومعرفة أسرارهن ، وقد عملت كلا من المرأة الذمية  والمسلمة فى هذه المهنة التى كانت تدر دخلا كبيرا لمن تقوم بالعمل بها .

**"المعلمة": وهى من تقوم بتعليم الفتيات الصغيرات فن التطريز وشغل الإبرة ، وقد إقتصرهذا

العمل على المرأة الذمية  لا سيما اليهودية .

**"الخبازة": وهى من تقوم بصنع الخبز وبيعه ، بل كانت هناك من تبيع الدقيق.

**"الساقية": وهى من تصنع المشروبات وتبيعها.

**"بائعات العطور": وهن من تمتهن مهنة بيع العطور كالعنبر وغيرها من الروائح .

**الطبيبات: اللاتى يمارسن هذه المهنة بالعادة وليس من خلال تعليم سابق

* الأعمال المنزلية: وهى الأعمال التى كانت تمتهنها المرأة داخل البيت للحصول على الرزق ومنها صناعة المنسوجات وغزل الصوف ، وصبغ الحرير، وحياكة الملابس ، وبعض الأعمال البسيطة التى كان يتم بيعها فى الأسواق بواسطة الدلالة ، وعن أعمالها المنزلية الخاصة فكانت المرأة تؤديها بالإضافة الى الأعمال الأخرى من تخزين القمح وشراء الخبز من السوق، وأعداد الطعام والعناية بالدواب والحيوانات وشئون من يحلون بالبيت من الضيوف ، وأحضار الماء من مصادره القريبة والبعيدة ، وكل ما تبقى كانت مكلفة به بالإضافة الى مسئوليتها عن البيت فى حالة إنقطاع الزوج عن طلب الرزق ، فكانت مكلفة أيضا بكل ما تستلزمه المعيشة وتربية الأطفال ، أما المرأة البدوية والنبطية فكانت غالبا ما تتمتع بمكانة يسودها الإحترام  والتشريف بين أفراد قبيلتها طبقا لأعراف العرب وتقاليدهم ، وكن مضمونات الحقوق ، وكان لها قدر كبير من الاحترام حيث كان البدو يتباهون بأنساب أمهاتهم ، وكان لها من الرأي المسموع مكانة كبيرة ومن المشاركة فى جميع الأمور الحظ الوفير.

* الأحوال الدينية للمرأة:

أما عن الأحوال الدينية للمرأة  فقد كانت النساء يحرصن على حضور المجالس الدينية التي تقام فى المساجد لتلقى العلم ، لتهيأتها  لتصبح زوجة صالحة ، حيث كانت تدعو النساء الى التحلي بالقيم والأخلاق الفاضلة وإبراز دورها فى المجتمع  وحسن معاملة الزوج وحثهن على العفة والطهارة.

أما المرأة الذمية  فمع  التسامح  الدينى الذى شمل به الإسلام أهل الذمة ، فقد كن يمارسن احتفالهن بأعيادهن يشاركهن المسلمات فى ذلك ، وكن يذهبن الى أماكن عبادتهن لتلقى تعاليم دينهن سواء النصارى منهن او اليهوديات ، فقد كانت المرأة النصرانية تذهب الى الكنائس لتلقى تعاليم دينها التى ترتكز على حثهن على العفة وعدم مخالطة الرجال ، وعدم الجلوس فى طريقهم ، وطاعة الأزواج ، أما المتعبدات منهن داخل الأديرة فكن يقمن على العبادة بالإضافة الى بعض الأعمال الفردية الطفيفة مثل تطريز الملابس الكهونتية  وملابس دفن الموتى ، وكذلك اليهوديات حيث كان لهن أروقة خاصة بهن تتصل بالمعابد يطلق عليها جاليرى يتلقين فيها أيضا تعاليم دينهن ، مما يدل على مدى حرص المرأة على أداء واجباتها الدينية بصورة منتظمة .

 

توم و جيرى وأصوله المصرية القديمة

بقلم الأثارية:سهيلة عمر الرملي

توم و جيرى كارتون شير و محبوب و اللى معروف عنه إنه كارتون أمريكي الأصل تم إنتاجه عام 1937م و لكن هذة ليست الحقيقة

فكرة  توم و جيرى اللى استوحها (وليم حنا – جوزيف باربيرا ) من أوستراكات و برديات مصرية قديمة  والاوستركا هى قطعة من الفخار كان بيتكب عليها او بيترسم عليها فن كاريكتير

 اللى إبتدعة المصريين  و من المفاجيء وجود اوستراكات مرسوم عليها نوادر بين القط و الفار

 كنوع من الاسقاط السياسي على الحكم فى الدوله بتصوير القط بالحاكم المغرور و الفأر بالمواطن الذكى المشاغب

 و ضمن النوادر الجميلة ان الفأران هجمت على قعلة القطط و حاصرتها و انتصرت عليها

و أصبحت القطة عبده عند الست فاره

كما دلل اكثر من عالم مصريات على مصرية توم وجيري  وهم (جان يو يوت – إف إل ليونيه – أيه أيه إس إدواردز - جان روديس - سيرج سونرون) و قاموا بتوثيقه

 فى موسوعتهم التاريخية  (معجم الحضارة المصرية القديمة) كما أكد عالم الأثار الراحل د:عبد الحليم نور الدينأن أول ظهور لرسم كاريكاتيرى (القط والفأر) يعود لعام 1500 قبل الميلاد  ويشبه التاريخ المصرى  النزاع بين (القط والفأر) بالخلاف بين "الملك والشعب"

و سبب رمزية اختيار القط و تشبيه بالملك لأن القط كان من الحيوانات المقدسة فى الحضارة المصرية

و يأكد ذلك الكثير من النصوص و الجداريات و التماثيل كما عرف نوعاً من القطط البرية يسمى (شوس)منذ عصور ما قبل التاريخ وكان يعيش فى الغالب الصحراء وكان (شوس) القصير الذيل والممتلئ الجسم صياد ماهر شرس كما أثر القط فى العقيدة المصرية فقط وجد (القط العظيم) الذى ذكر فى كتاب الموتى بأنه يحمى المتوفى و يمزق الثعبان الشرير

و غيرها من أنواع القطط فى مصر التى كانت محبوبه و مؤثرة سواء فى المعتقد الدينى او الأدب و الفن الشعبى  

عيد الأم

بقلم الآثارية سهيلة عمر

بص بقي عاوز تشترى نفسك اوعى تجيب وردة بلاستك او طقم كبايات هتنام فى الشارع الفيس بوك فتح عنيهم بس على فكرة ولا بلاش نظلم الفيس بوك الموضوع دة من زمان اوووووى

طب ما تيجى نحكى

الانترو

عيد الأم لا هو عيد أوروبى ولا عيد يونانى ده عيد مصرى بحت

المصرى القديم هو أول من قدس مكانة الأم و تضحياتها و تعبها فى تربية أولادها

  وعشان عملو للأم عيد تكريما لها وكان عيد الأم بيكون فى شهر هاتور

اللى جاى من اسم المعبوده حتحور رمز الأمومة و الجمال و هو أول من شهور بذر البذور

 و ده رمز للأمومة شبه المصرى القديم الأم و الأرض و انها السبب فى استمرار الحياه و هنلاقى الكتير من الحكماء وصوا الأبناء على الأمهات زى (بتاح حتب – كاجمنى – أنى)

 و من ضمن الوصايا  "(فتذكر أمك التي ولدتك وأنشأتك تنشئة صالحة.. الأم هبة الإله للأرض، فقد أودع فيها الإله سر الوجود، أجلب الرضا لقلب أمك والشرف لبيت أبيك)

و كمان لاقينا بردية من عصرالدولة القديمة  في منطقة سقارة

وجد فيها كلمات خاصة بعيد الأم

(اليوم عيـدك يا أماه ..لقد دخلت أشعة الشمس من النافذة لتقبل جبينك،وتبارك يوم عيدك )

و كان طريقة الأحتفال انهم يحطوا هدايا فى غرفه الأم من عطور أو ملابس

 او زهور او تمثال إيزيس و هى بترضع حورس اللى كان من اهم رموز الأمومة

يعنى مكنوش بيجيبوا ورد بلاستك ولا طعم كوبيات هااا

خلصت حدوته النهادرة و كل سنه و كل الأمهات طيبين

ترانيم إخناتون،تعكس فلسفته الدينية

                 بقلم د. سهام عبد الباقى محمد

باحثة أنثروبولوجيه – كلية الدراسات الأفريقية العليا جامعة القاهرة

من أشهر ترانيم إخناتون الدينية هى الترنيمة الكبرى والتى كتبها لإله الشمس آتون وقد عٌثر عليها كاملة مكتوبة بالهيروغليفية على أحد الجدران الجانبية في مقبرة "إيي" وهى المقبرة رقم(25) بتل العمارنة أو أختيتاتون القديمة،وتعد الترنيمة هى أغنية دينية أى كان الدين الذى تنتمى إلية وتٌعبر عنه يشترك فى إنشادها جمهور المصلين أو فرد واحد،وقد يٌطلق عليها أيضاً الترتيلة،وترجع أهمية تلك الترنيمة إلى أنها عكست لنا موقف إخناتون العقائدى تجاه الأله آتون، كما أن طول تلك الترنيمه قد صبغها بصبغة المناجاة والتبتل والإستغراق فى العبادة والتبجيل والتقديس لآتون،وسوف نقوم بتحليل مضمون تلك الترنيمة وقفوفاً على أهم ما ورد بها من تصورات دينية لعقيدة إخناتون وأهم الافكار التى إنبنت عليها.

يبدأ إخناتون نص ترنيمته الكبرى قائلاً:

تظهر في أفق السماء أيها الشمس الحية،الذي يقدر الحياة،تشرق في الأفق الشرقي في الصباح وتملأ كل البلاد بجمالك،أنت جميل وعظيم ومشرق الآن فوق جميع البلدان، وأشعتك تملك كل البلاد حتى آخر كل ما خلقت.أنت رع عندما تصل إلى حدودهم وتجعلهم يركعون لإبنك المحبوب.أنت بعيد ولكن أشعتك تصل إلى الأرض،وإنك في وجوههم،ولكن مسارك مجهول.

عندما تغرب تحت الأفق الغربي يبقى العالم في ظلام، في حالة كالموت،النائمون في بيوتهم يكسون أنفسهم بالغطاء،ولا ترى عين عينا أخرى،إذا سرقت أمتعتهم من تحت رؤوسهم،لا يشعرون ويخرج كل وحش من مكمنه،والثعابين تعض.الظلام كالقبر وتبقى الأرض ساكنة،إذ أن خالقهم قد غرب خلف أفقه.وتشرق في الصباح على الأفق وتضيئ كالشمس أثناء النهار،وتخفي الظلام وتنشر أشعتك.ويظل القطران(الشمالي والجنوبي) محتفلين بالنهار،ويستيقظ الناس ويقفون على أقدامهم،فقد نصبتهم على أرجلهم،أجسامهم نظيفة ويلبسون الملابس،ويرفعون أذرعتهم تقديسا لظهورك.وكل البلاد تمارس عملها.كل الأنعام راضية بأعشابها وأشجارها ونباتاتها الخضراء.وتنطلق الطيور من أعشاشها،ترفرف أجنحتها تسبح بروحك وتقفز كل الوحوش على أرجلها،وكل ما يطير يرفرف،ويحيون عندما تشرق لهم.وتسير السفن الحاملة شمالا وجنوبا.وكل طريق ينفتح بظهورك،وتقفز الأسماك في النهر أمام وجهك،وتملأ أشعتك قلب البحار.

أنت الذي ينبت البويضات في النساء، وتجعل من "الماء" أناسا. وتبقي على حياة الطفل في بطن أمه وتهدئه فلا يسقط له دموع.إنك المربية في بطن الأم.وتعطي النفس لكي تحيا جميع المخلوقات.وعندما يولد (الطفل) من بطن أمه، فلكي يتنفس وقت ولادته،فإنك تفتح له فمه كاملا وتعطيه احتياجاته.وتكلم الكتكوت في بيضته الذي يتكلم من قشرته،تعطيه الهواء فيها لكي يعيش.وتقدر له الوقت،ثم تكسر القشرة ويخرج منها،ويخرج من البيضة ينقنق في وقته،ويجري على رجليه،عندما يخرج منها.كم كثرت أعمالك والخافي منها.

إنك الإله الواحد،لا مثيل له.خلقت الأرض برغبتك منفرداً،فيها الناس والأنعام وكل الحيوانات،وبكل ما على الأرض،وما يسير على أرجله وكل ما يطير بجناحيه في السماء.البلدان الغريبة في سورية والنوبة وكذلك أرض مصر،كل تعطيه مكانه وتؤمن إحتياجاته،الكل يحصل على غذائه، وتقدر قدر عمره.يتكلمون بألسنة مختلفة، وتختلف ملامحهم، وتختلف ألوانهم، فإنك تخلق الشعوب.خلقت النيل في عالم الخفاء، وتصعده بحسب رغبتك وتحفظ حياة الناس لأنك أنت خالقهم. وإنك لهم، ترعاهم أنت أيها الملك على كل البلدان.تشرق لهم، فأنت شمس اليوم، عظيم في رفعتك، وتُبقي كل البلدان الغريبة على قيد الحياة.وخلقت نيلا في السماء لكي يهبط عليهم، يشكل أمواجا على الجبال،مثل البحر لكي يروون حقولهم،ويحصلون على مايحتاجون.كم أن تقديرك فعال، أنت ياسيد الأبدية. نيل السماء تمنحه للشعوب الغريبة، ولكل حيوانات الصحراء،التي تجري على أقدام، ولكن النيل الحقيقي يأتي من عالم الخفاء إلى مصر.تُرضع أشعتك جميع الحقول، وعندما تشرق يحيون ويترعرعون من أجلك.وخلقت فصول السنة لكي تتطور جميع مخلوقاتك. في الشتاء يبردون،وفي الصيف يحترون، لكي يشعروا بك.وجعلت السماء بعيدة المنال،لتعلو فيها وتري كل شيء قمت أنت بخلقه

.إنك فريد عندما تشرق، وفي جميع أشكالك كآتون الحي، الذي يظهر ويضيئ، وتبتعد ثم تقترب. وتخلق ملايين الأشكال منك أنت، مدن وقرى وحقول وطرق ونهر.كل الأعين تنظر إليك عندما تظهر كشمس النهار فوق البلاد.عندما تغرب لا تصبح عينك هنا، تلك خلقتها أنت من أجل خاطرها، لكي لا ترى نفسك كالأوحد الذي خلقته، تبقى في قلبي، ولا أحد آخر يعرفك إلا إبنك "نفر خبر رع - أوان رع" الذي جعلته يعرف جوهرك وقدرتك. تخلق العالم بإشارة منك مثلما خلقته، وعندما تشرق يعيشون، وعندما تختفي يموتون.إنك أنت عمر الحياة، وتعيش الناس منك. وتستمتع الأعين بجمالك حتى تغرب،وتـُترك الأشغال عندما تغرب في الغرب. يا مشرق أنت، قوّي كل الأذرعة للملك.واعط سرعة لكل قدم. منذ أن أسست الدنيا، فقد أنشأتها من أجل ابنك،الذي نشأ من بدنك، ملك القطرين المصريين" نفر خبرو رع - أوان رع - ابن رع "،الذي يعيش من ماعت، سيد التيجان، إخناتون، كبير في حياته.والملكة الزوجة العظيمة،التي يحبها، ملك القطرين نفرتيتي.تبقى حية وشابة دائما وإلى الأبد.

وبعد هذا العرض لترنيمة إخناتون الكبرى،يتضح لنا ما يلى:

يشير إخناتون فى الجزء الأول من ترنيمته إلى صفات الأله آتون حيث وصفه بصفات الجمال والعظمة والإشراق لأنه يمنح النور ليعٌم الضياءالكون،ويحمد الاله على تجدد حب وسلطان أخناتون فى الامبراطورية المصرية فى كل يوم تشرق فيه شمس معبوده آتون بصفتة خليفة الأله آتون على الأرض.ويشير الجزء الثانى من الترنيمة إلى ما يعترى الكون من ظلام بغروب آتون،وفوضى وشرور محتملة يحملها الظلام ليشعر البشر بنعمة وجود آتون جالب النور،وواهب الحياة للبشر بعد أن أفاقهم من غفوتهم فى الصباح ونثر عليهم ضيائة،فتبدأ دورة حياة المخلوقات من بشر،وطيور،وحيوانات،وأسماك تسبح بحمد الأله وشكره كل يوم مع أولى لحظات بزوغ نوره. ويتحدث الجزء الثالث من الترنيمة عن خلق آتون للإنسان بإمتزاج بويضات المرأة مع ماء الرجل مما يعنى أن الفراعنة كان لديهم تصوراً جيد وعلمياً عن عملية الإخصاب والكيفية التى يتم بها تكون الأجنة فى بطون أمهاتهم وهو ما يوافق ما ورد فى القرآن الكريم عن خلق الإنسان، ويؤكد إخناتون على عناية معبوده أتون بتكون الجنيين داخل رحم أمه ومده بمقومات حياته.ولا يقف الأمر عند الأجنة الإنسانية بل يمتد إلى جميع الكائنات الحية. وفى الفقرة الرابعة تناول اخناتون صفات الله التى ينفرد بها كالوحدانية وعدم وجود شريك له ولا ند، فهو الخالق الأوحد لهذا الكون فهو من يحدد أجل الإنسان وعمره ويكتب أقداره وخلق كافة الاجناس البشرية وعدد ألوانهم،ولغاتهم،ومواصفاتهم الشكلية والجسمانيةـ وخلق المطر ليخضر ويعمر الكون ويؤمن حاجات البشرية من غذاء وماء كما تعكس الترنيمة عدم توصل المصريين الى معرفة منابع النيل  فكانما يأتى من مكان مجهول أشبة بمعجزة ، كما تحدث إخناتون عن تعاقب الفصول والتى تلبى إحتباجات الإنسان وتساعده على النمو والإستمرار وتشعره ايضا بصغره المتناهى أمام قدرة آتون الذى يبدّل ويٌغير الكون بينما يبقى هو ثابت ومتجدد. وتشير الفقرة الأخيرة إلى أن الملك الفرعون هو إمتداد جسدى لأتون. فالفرعون لا تقف قداسته على ما تحمله عروقة  من دماء الألهة وإنما تشمل بدنه أيضا الذى تحل فية روح الآله المقدسة، وفى جميع أفراد العائلة الحاكمة من أشقاء وأبناء وزوجة،ولم تغيب عن الترنيمة نفرتيتى التى دعى لها اخناتون بالصحة والسعادة الدائمة بصفتها زوجة اخناتون وحبيبته وشريكة دعوته وأهم عباد اتون.

وبعد هذا العرض لتلك الترنيمة الهامة التى عكست معظم عقيدة إخناتون نجد ان مفهوم تبجيل وتقديس الاله لدية اقتربت فى بعض الاوصاف والمسميات من صفات واسماء رب العزة المنزه عن كل عيب ونقص الخالق البديع الذى ابدع خلق الكون واتقن صنعه غير انه ربط تلك الصفات بالشمس التى هى من صنع الله واحدى  دلائل قدرته، لذا من العبث ان نقول ان دعوة اخناتون قامت على اساس التوحيد بالمعنى الدينى والذى يعنى افراد العبادة لله وحده، انما كانت قائمة على التوحيد بالمعنى الجغرافى والاقليمى وهى عبادة اتون دون سواه من الالهة لتحقق وحدة دينية فى جميع اقاليم الامبراطورية المصرية ربما ليضمن اخناتون ولائهم السياسي له بصفته ظل الأله وخليفته على الأرض. وربما لو لم تفرض بالاكراه لأمتدت لعقود طويلة ونضجت وأقتربت تدريجياً من فلسفة التوحيد بمعناه الدينى الحقيقى.لذا تظل دعوة اخناتون مجرد تصورات دينية بدائية بسيطة ولا ترقى لعقيدة دينية كالدينات السماوية التى فرضها الله تعالى بِدء باليهودية والمسيحية وختاماً بالإسلام.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.