كاسل الحضارة والتراث Written by  آب 06, 2020 - 320 Views

مصر...لم أمارس السخرة، وحضارتي بنيت بأيدي أبنائي حضارتي

Rate this item
(2 votes)

ماري جوزيف

معيدة بآداب عين شمس قسم التاريخ

 ذهب المؤرخ ليجلس فوق رمال هضبة الجيزة، ولما داعب عينيه وهج قرص الشمس، ابتسم قائلًا

- يا آتون الساطع على الأهرام ...قل لي هل بنت مصر كل هذه الصروح العظيمة بالسخرة والإذلال؟ وهل بنتها حقًا عناصر أجنبيه على أرض مصر العزيزة، كما يزعمون؟!

أقبلت عليه الأرض العزيزة مصر متسربلة بردائها الذهبي المنسوج من خيوط أشعة الشمس، وابتسمت قائلة

-دعني أجيبك نيابة عن آتون فهو فوضني للرد عليك.. لا يا بني لم ادعم السخرة ولم أمارسها قط، وبناة حضارتي هم أبنائي وأجدادك، سطر بقلمك لكل الأجيال أن الأهرامات هي "رغبة ملك مصري يؤسس مثواه الأخير وبيته الأبدي، صممها علم وقلم وخيال مهندس مصري، ونفذها جهد مواطن مصري من العمال أو الفلاحين بكامل رضاه، مستوعبًا أنه في مهمة مقدسة ومشروع وطني لبلاده يجب عليه إنجازه"،

ولكي يطمئن قلبك سوف أسوق إليك أهم ثلاثة أدلة، وسأترك الزمان كي يتكفل بكشف البقية لك، قضلًا عما أثبته العلماء:-

أول هذه الأدلة أن العنصر البشري والعقل المخطط كان المهندسون المصريون، فلا تنس إنني أم لكل من "إم-حتب"، و"حم-إيونو" و"عنخ حا إف"

أما "إم حتب" فهو ذلك المهندس العبقري، أول العقد في سلالة المهندسين المصريين المبدعين، وهو العقل الذي دعم فكرة الملك "جسر" (زوسر) وحول حلمه إلى حقيقة، وكان زوسر قد صرح لإم حتب برغبته في أن يكون عهده عهدًا فريدًا مميزًا، وطلب منه أن يشيد له قبرًا لم يُشيد لأحد من ملوك مصر من قبله، كي يخلد ذلك القبر ذكره طوال العصور التالية له، وترك لإم حتب فرصة كي يفكر قيما ينبغي عمله، وبعد فترة من التفكير جاءه إم حتب ليخبره بأنه سوق يشيد له عرمًا مدرجًا، يجسد من خلاله السلم الذي سيرتقيه الملك عند صعود روحه إلى السماء كي يقف أمام محكمة "أوزير" (أوزيريس)، ومع إدخال التعديلات والتطوير على فكرة المصطبة -التي كان ملوك مصر القديمة اعتادوا بناءها كي تكون مقابر لهم- تحولت المصطبة إلى عدة مصاطب، وعليه فقد أسس إم حتب فكرة الهرم كي يصبح بعد ذلك مصدرًا ملهمًا لباقي المهندسين،.

ما لبثت الفكرة أن تطورت من بعد إم حتب علي مر العصور، لم تقف أعمال إم حتب وإنجازاته لمعشوقته مصر عند حد بناء الهرم فقط، وإنما كان له أيضًا مواقف أخرى لا تُنسى، فمثلًا عندما عز فيضان نهر النيل في عصر الملك زوسر، دعا الملك مهندسه المحبوب، وطلب منه أن يحدد له منابع نهر مصر الخالد، وأن يكشف له عن الإله الذي يتحكم في النهر المقدس، وبالفعل استطاع إم حتب بعبقريته الفذة أن يجيب طلبات زوسر وأن يكشف له أن مدينة ألفنتين (جزيرة بأسوان الحالية) هي المنبع، وأن المعبود الإله خنٌم هو الإله المسئول عن النهر، كما كان لإم حتب أيضًا الفضل في بناء مدينة الشمس(أون/هليوبولس)، وقد تقلد إم حتب مناصب عديدة في الدولة من بينها مسجل الحوليات، وأمين أختام الوجه البحري، والمسئول عن البيت الكبير  "القصر الملكي" ، كما لٌقب أيضًا بـ "كبير الرائين"، وذلك لنبوغه في علوم الفلك ورصد النجوم؛ نتيجة لذلك اعتبره كل المثقفين في مصر القديمة مثلهم الأعلى.

أما ابني الثاني فهو "حم إيونو" أأاأي خادم مدينة إيونو (مدينة الشمس وهي منطقة المطرية وعين شمس حاليا)، وذلك نظرًا لأهمية هذه المدينة قديما، ويعتبر حم إيونو من أمهر المهندسين الذي شاركوا في إنجاز بناء الهرم الأكبر الخاص بالملك "خوفو"، حيث كان المشرف علي الأعمال الملكية في عهد الملك، ولكن الذي اكمل بعده العمل والأشراف علي بناء الهرم هو المهندس "عنخ حا إف"، والذي استمر عمله أيضا ليساهم في الإشراف علي بناء الهرم الثاني، وهو الهرم الخاص بالملك "خع إف رع" (خفرع)، وجدير بالذكر أن مقبرة حم إيونو توجد في جبانة الجيزة، وهي من أكبر المقابر هناك حيث كان المهندس حم إيونو من أفراد العائلة المالكة فهو ابن الأمير "نفر ماعت" أخو الملك خوفو من زوجته "إتت" وتوجد مقبرتهما في منطقة ميدوم، ولا ادل علي شهرة ذلك المهندس من أن له تمثال مشهور بمتحف "هيلدسهايم" الألماني .

وسوف أحدثك الآن عن ابني الثالث عنخ حا إف وقد كان هو الآخر من أمهر من أنجبت من المهندسين، وسبق أن ذكرته لك في سياق حديثي عن حم ايونو (ما عرف من معلومات عنه كانت من خلال بردية وادي الجرف)، وقد كان عنخ حا إف يعمل مع المفتش "مرر"، وقد اكمل بناء الهرم الأكبر وبعدها اتجه ليكمل الهرم الثاني الخاص بابن أخيه "الملك خفرع"، أي أن عنخ حا إف كان هو الآخر منتميًا للعائلة الملكية، وقد أبدع عنخ حا إف في بناء الهرم الثاني ليجعله لا يقل عن الأول في الروعة وعظمة البناء، ويحتفظ متحف الفنون الجميلة بتمثال نصفي للمهندس عنخ حا إف يمثله بهيئة طبيعية رائعة.

أما ثاني أدلتي يا مؤرخي العزيز فهو الأرض، لأرض التي شهدت وصرخت موضحة أنها تحتضن مقابر بناة هذه الأهرامات، فعلى بعد امتار من الأهرامات، حدث أن تعثر أحد الخيول بالصدفة، فكشف بتعثره ذلك عن مقابر العمال الذين بنوا الأهرام، أي أن من بنى أهراماتي كانوا مصريين من أبنائي، ودليلي على ذلك أنهم دفنوا في مصر وفي رحاب جبانة الملك ومثواه الآخير.

وسوف آتيك الآن بدليلي الثالث وهو النص، وأعني بالنص "بردية وادي الجرف"، وهي بردية ضمن مجموعة برديات –عددها حوالي ثلاثين بردية- ترجع لعصر الملك خوفو، وسميت البردية باسم الوادي الذي اكتشفت به، وهو ميناء وادي الجرف الذي يقع علي بعد 24 كيلو متر جنوبي منطقة الزعفرانة حاليًا، و119 كيلومتر من مدينة السويس في مواجهة ميناء "المرخا" القديم في جنوب شبه جزيرة سيناء، كما يعد وادي الجرف من أقدم الموانئ في تاريخ الملاحة البحرية العالمية.

يتراوح طول البردية الأصلي بين 150 و 200سم تقريبًا، وهي تخص أحد كبار الموظفين-ربما كان يشغل وظيفة مفتش- ويدعي "مرر"،  وهو نفسه الذي شارك في بناء الهرم الأكبر، حيث كان قائدًا لمجموعة من العمال والموظفين، وقد أخبرتنا البردية عن جوانب من حياته الوظيفية لفترة تقدر بثلاثة أشهر تقريبًا، ليس ذلك فحسب بل صورت لنا جانبًا من حياة الموظفين عموما في عصر الأسرة الرابعة، ومن أشهر تلك الأمور قيام فريق من البحارة بتنفيذ توجيهات "مرر" الذي أمرهم بنقل كتل الحجر الجيري من محاجر طره علي الضفة الشرقية للنيل إلى منطقة هرم خوفو عبر النيل وقنواته، وذلك لإتمام بناء الهرم، كما تتضمن مجموعة برديات وادي الجرف جداول توضح توزيع الحصص اليومية للأطعمة، كما أوضحت بردية أخرى من نفس المجموعة مكتوبة بشكل واضح ومختصر إحصاء لأعداد الماشية في عهد الملك خوفو، وكان ذلك هو الإحصاء الثالث عشر في عهد الملك خوفو، حيث كان هذا الإحصاء أو التعداد يتم مرة كل عامين ومن هنا تم الاستدلال علي مدة حكم خوفو بشكل واضح، كما أكدت البرديات أن العمل في بناء الهرم كان يتم بأسلوب على أعلى درجة من الدقة والتنظيم.

أختتم كلامي معك يا بنى بأن أطرح عليك آراء العلماء، وبالطبع فإن هذه الآراء تتسم بروح الحياد وتبتعد بكل شك عن أية شبهة للمجاملة أو التحيز، وهنا أتلو عليك ما قاله عالم المصريات -الكندي الجنسية-"دونالد ريدفورد" في أبحاثه حيث يؤكد أن هناك مجموعة من الفلاحين -لا الموظفين والعمال فحسب- قد اشتركوا في عملية بناء الأهرامات، وقد حصل هؤلاء الفلاحين علي بعض الحوافز مثل الإعفاء من الضريبة بالإضافة إلى مساكن وأطعمة وملابس مجانية.

كل هذا بخلاف العديد من الأدلة التي تتناول بالدراسة العدد الكبير للأهرامات التي بنيت في مصر، وأن هذا العدد لا بد أنه قد بُني في عصور وأزمنة مختلفة، وأيضًا بطرق مختلفة، ما يؤكد استحالة أن تكون هناك مجموعة من البشر ظلت طوال تلك المدة الزمنية مسخرة وذليلة في سبيل بناء الأهرامات، وإلا فأين هي آثارهم؟ وأين دفنوا؟ ولماذا لم تصل إلينا ولو حتى شذرة من كتاباتهم عن فترة وجوهم وتسخيرهم لبناء الأهرامات ؟!!

ثق يا ولدي أنه لا يوجد أي دليل على ذلك، وبالتبعية فإنه فلا يوجد دليل واحد يؤيد مزاعم مزيفي الحقائق حول حضارتي، بينما في المقابل هناك العديد من الأدلة التي توكد أن عقول وسواعد أبنائي هي التي بنت الأهرام، وأن أبناء مصر هم من أبدعوا في شتي الفنون والمجالات خاصة في مجال العلم والهندسة التي مازالت مثار جدل وجذب لعلماء وباحثي العالم أجمع.

اختتم حديثي معك يا ولدي فأقول لك

-ذكر العالم أنني أنا أم المهندس العبقري حسن فتحي رائد عمارة الفقراء وأحد أبرع المعماريين في العالم بشهادة الغرب، وأنني أنا من أهديت الغرب المهندس العبقري هاني عازر الذي أبدع وأفاد الغرب بمشروعاته وتصميماته الهندسية، وأنني أنا أم المصري الحديث الذي خطط وأنجز حفر قناتي السويس القديمة والجديدة، فأنا أم ذلك المهندس الذي يصمم ويخطط، وأم العامل البسيط الذي ينفذ، وأم الجندي الذي يدافع يحرس، أما أم كل هؤلاء الذين مازالوا يبدعون وينجزون حتي يومنا هذا في بناء الكباري والطرق والمدن الجديدة بسرعة مشهود لها، لذا فأبناء اليوم بقوة عقولهم وسواعدهم هم أقوي دليل علي أنهم من نسل أجداد كرام شيدوا الأهرامات والمعابد، وما زعم الحاقدين إلا اعتراف منهم ودليل قوي علي أن حضارتي مجيدة عريقة، يريد أن ينال القاصي والداني شرف انه ذات يوم كان جزءًا منها حتي لو ادعي أنه قد تم تسخيره !! فيا للعجب وياللمجد معا.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.