كاسل الحضارة والتراث Written by  آب 27, 2020 - 644 Views

موائد القرابين في مصر القديمة

Rate this item
(2 votes)

كتب / علي سرحان

باحث آثرى بكلية الآثار جامعة جنوب الوادى

تعد مؤائد القرابين أحد العناصر الهامة في بناء العمارة الجنائزية في مصر القديمة ، ويعد أول استخدام لها منذ بداية الأسرات الحاكمة ويعد أقدم منظر يصور مائده القرابين علي الأختام الأسطوانية الحجرية منذ الأسرة الأولي حوالي (2890- 3000) ق.م[1]، حيث أنها تمثل الطريقة العقائدية لإعادة الروح للمتوفي[2] ، وكان في بداية الآمر اعتبار موائد القرابين مجرد أوعية للطعام والشراب ، والتي تتوافق تماما مع الواقعية القديمة للملك في جميع مراحلة الإيدلوجية أيضا تم ظهور الزخرفة التصويرية علي موائد القرابين[3] ، لكن هناك فرق بين مؤائد القرابين واللوحات الجنائزية ، اللوحه الجنائزية عبارة عن قطعة من الحجر المنحوت مستطيلة الشكل وفي الغالب تكون ذات قمة مستديره وينقش علي وجهها اسم المتوفي وألقاب[4] لم تكن مائدة الطعام التي تقدم للمتوفي قرباناً في عصور مصر الأولي ، يتجاوز رغيفاً يوضع علي حصير يبسط أمام المقبرة وأضحت صورة الرغيف والحصير رمزاً للقربان في الكتابة المصرية ، وأصبحت بتطور الحضارة منذ الدولة القديمة تتخذ أشكالاً شتي ، منها المنقول الذي يؤتي به عند أداء الشعائر ، ومنها الثابت الذي ينحت في الحجر أمام الباب الوهمي أو اللوح الذي يدل علي مكان القربان[5] ، يعتبر الغذاء عنصراً أساسياً لكل مجتمع ، ويمثل إعداده النشاط المركزي لكل ثقافة, وعلى ذلك فالكثير من المجتمعات تقضي الكثير من الوقت في تجهيز الطعام [6]، وكما هو الحال في الوقت الحاضر في مصر فقد اعتبر الخبز عنصر أساسي في تكوين الغذاء المصري القديم[7] ، واعتبر Barta أن الخبز هو عنصر أساسي في غذاء المتوفى, فعلى الرغم من تضمن حملة القرابين وجملة القرابين وكذلك قوائم القرابين للعديد من أنواع الطعام التي تفيد المتوفى في العالم الآخر, إلا أن الخبز قد تميز بظهوره على مائدة القرابين الموضوعة أمام المتوفى صاحب المقبرة الجالس إلى مائدة القرابين، وفي الغالب ما يصور صاحب المقبرة وهو يلامس أرغفة الخبز[8].

وهناك بفرق بين موائد القرابين وآواني القرابين ، تباينت أحجام أواني القرابين التقليدية بين الأواني صغيرة الحجم التي تراوح ارتفاعها بين 15-20 سم وبين الأواني الكبيرة التي تراوح ارتفاعها بين 25-38 سم, ويبدو من دراسة أحجام هذه الأواني أن الأشكال الأولى من عصر الأسرتين الثالثة والرابعة قد تميزت بأنها أكبر حجما من مثيلاتها من عصر الأسرتين الخامسة والسادسة ، وان كان ذلك لا يمثل قاعدة عامة لأحجام أواني القرابين في مختلف الأماكن.[9]

صنعت أواني القرابين التقليدية من طمي النيل الخشن الذي لم يحرق - في الغالب- حرق جيد [10]، وقد اعتبر "رازينر" Reisner هذه الأواني من أردأ أنواع الفخار التي صنعت في الدولة القديمة[11] ، وقد قام الباحث بالتحليل النظري لعينات من مادة صناعة هذه الأواني ولاحظ أنها صنعت من طمي نيل خشن ذو مسامية عالية ، وأضيف إليه في اغلب الأحيان القش بكميات كبيرة [12]، في اغلب الأحيان ما يكون السطح الخارجي لهذه الأواني خشن عادي بلون بني مائل إلى الحمرة أوبني فاتح, وفي أحيان أخرى يغطى السطح الخارجي لهذه الأواني بغشاء رمادي اللون[13] ،  أو بلون أحمر [14]، أو اللون الابيض.

وكثيراً ما كانت تنقش بعض مناظر الطعام من خبز ولحم وطير وفاكهة وزهر من فوق رسم الحصيرة الأصلية وذلك مع آدعية تقليدية بوافر الطعام من قبل الملك والآلهة لروح المتوفي[15]، وربما زودت أحياناً بمواضع منقورة للزيوت ، وقناة يجري فيها ما يصب عليها من القربان السائل ، حيث يستقبل في وعاء ملحق بها أو يوضع تحتها ، وكانت هذه الموائد تقام أحياناً هدية من الأحياء إلي أحبابهم المتوفين ، وقد أطلق علي مائدة القرابين اسم ( خاوت ) و (تت) .

كان لهذه المائدة مغزي ديني ، وكان يوضع علي الموائد شتي أنواع القرابين وأهمها الخبز الذي كان له أهمية كبيرة للمتوفي حيث عثر عليه في المقابر منذ عصر بداية الأسرات ووجدت تعاويذ في نصوص الأفراد ومتون الأهرام والتوابيت وكتب الموتي تهدف إلي ضمان إستمرارية إمداد المتوفي بالخبز في العالم الأخر[16]  ، واعتبر الخبز طعام للآلهة أنفسهم واللحوم بأنواعها وخاصة الساق الأمامية للثور التي تحوي قوة الإنعاش وجاء في بعض البرديات الطبية أنه يمكن تنشيط المريض بعلاجه بجسم آخر يحتوي علي قوة الحياة وهو الساق المقطوعة من ثور حـي .

وكانت القرابين تُوضع بدءاً من عصور ما قبل التأريخ على حصير من القصب وكانت كلمة " Htp"  تُمثل تصوير تلك الحصيرة الموضوع عليها رغيف الخبز والتى أصبحت فيما بعد السطح العلوى للمائدة الذى تُوضع عليه القرابين.[17]

المسميات المختلفة لكلمة مائده في اللغة المصرية القديمة :

  • أطلق مصطلح ،  Htp     تمثل هىذه العلامة مائدة قرابين عليها قطعة خبز مسكوب عليها الماء ، وهي ايضاً تشبه  رغيف على حصيرة وقد ظهر بكثرة فى عصر الدولة الحديثة [18] ، وتأتي أيضا  بمعني الرضا والسرور كما ترتبط في كثير من الأحيان بالقرابين والتقدمات.[19]
  • أطلق أيضا كلمة     xAt  وذكرت   xAwt  وتعني مائده قرابين أو مذبح أو لوحة قرابين وظهرت العلامة التصويرية   كقربان عليها خبز وإناء.[20]
  • ظهرت كلمة وكتبت   wDHw  بمعني صحن الطعام أو مائده القرابين وظهرت في نصوص الأهرام منذ عصر الدولة القديمة حتي بداية الدولة الحديثة.[21]
  • ظهرت الكتابة ATt خلال الدولة الوسطي وتعني حامل أو قاعده أو طبق.[22]

[1] Neil.O. B., Setting the Scene the Deceased and Regenerative Cult within Offering Table Imagery of the Egyptian Old to Middle Kingdom (C 2686- C.1650 BC) Oxford 2015.P.17.

[2] Abdalaal. A., "Late Middle Kingdom Offering Table Cairo Temp. No. 25. 10.17.1" In :Sonderdruck aus Den Mitteilungen Des Deutschen Archäologischen Instituts Abteilung Kairo Band, 2006, Walter De Gruyter, ·Berlin New York /2006.pp.1:6.

[3] Redford. D, Offering Table, in The oxford Encyclopedia of Ancient Egypt, Volume2, Oxford 2001, p. 574.

[4]  سامي الحسين مجاهد ، اللوحات الجنائزية في العصر المصري القديم ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة القاهرة 2001 ص 4.

[5]  محمد حسين محمد حسين ، حملة القرابين في مقابر الأشراف خلال عصر الدولة الحديثة والعصر المتأخر بجبانة طيبة الغربية ) دراسة تحليلية – مقارنة للمناظر والنصوص( رسالة ماجستير ، جامعة المنيا 2018 . ص 73.

[6] Samuel. D., A New looks at Bread and Beer" Egyptian Archaeology 4 (1994), p. 9.

[7] Wilson .H., Pot-baked bread in Ancient Egypt” Discussions Egyptology 13 (1989), p.89.

[8]  Barta, M., "Archaeology and Iconography: bDA and abrt bread moulds and "Speistischszene" development in Old kingdom" SAK 22 (1995), p.21.

[9] كانت أواني القرابين التي ظهرت في عصر الأسرة الخامسة بمقابر بالجيزة متوسطة الحجم حيث قل ارتفاعها عن 30 سم انظر:-

 Reisner, G.A., Giza Necropolis II, p.71.

بينما لاحظ "بارتا" أن أواني القرابين التي تعود الي نهاية عصر الأسرة الخامسة والمستخرجة من معبد (نفر اف رع) قد تراوح ارتفاعها بين 30-36 سم بينما الأواني المستخرجة من مقبرة (كاعبر) تراوح ارتفاعها بين 25-26 سم انظر:-

Barta, M., CCE 4 (1996), p.128.

[10] Falting.D., op.cit. p.209.

[11] Reisner, G.A., Giza Necropolis II, p.70.

[12] يطلق علي هذا النوع من مادة الصناعة حسب تصنيف "فيينا" Nile C.

[13] Kanawati. N., Hawawish IV, fig 21 No. H81-M22.03

[14] Brunton .G., Matmar, London: 1948, pl. XXX No.57.

[15] O’Neill. B., setting the scene: the deceased and regenerative cult within offering table imagery of the Egyptian old to middle kingdom (C.2686-c.1650 BC) Oxford 2015. P.17.

[16]  آية محمود نجيب إبراهيم عبد العليم ، موائد القرابين في مصر في العصرين البطلمي والروماني )دراسة تحليلية ) دراسات يف آثار الوطن العربي 9ص503.

[17]  Bolshakov. A., "Offering : Offering Tables" , in : OEAE II , Cairo , 2001 , p. 572

[18] Janssen.J.J., Commodity Prices from the Ramessid Period an economic Study of the Village of Necropolis workmen at Thebes, Leiden, 1975, p.160.

[19]  محمد حسين المرجع السابق ص 74.

[20]  عبدالحليم نورالدين ، اللغة المصرية القديمة ، القاهرة 2008 ، ص435.

[21] Gardiner.A., Egyptian Grammar Being An Introduction To The Study Of Hieroglyphs Oxford First Published 1927Second Edition 1950 Third Edition /1957, P.28

. محمد حسين المرجع السابق ص 74 [22]

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.