كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 21, 2021 - 335 Views

خبيئة الدير البحري

Rate this item
(1 Vote)

بقلم - إسراء نشأت

طالبة بكلية الآداب جامعة المنصورة قسم الآثار

أينما ذهبت، سيُلاحقك الغموض وكأنها دائرة ليس لها نهاية.. الكثير من التساؤلات قد تدفعك للجنون، والكثير من التعمُق والهدوء يصل بك للحقيقة.. لإجابة أفكارك المُتداخلة.. كُلما ثقلت عليك الحياة توجه لحضارتك، فهي منك.. وأنت منها، وأنت مُرحب بك في كل وقتٍ وحين

فعليًا نحن هنا، ولكننا داخليًا هُناك، لنشهد سويًا على أحداثٍ غامضة لم نعهدها من قبل.. فلنُلقي السلام على أجدادنا، ولنُغمض أعيننا ونُسلّم كل ما بنا لهم، فكيف حالكم يا أجدادي في الأسرة الـ ٢٠ و الـ ٢١ ؟

ضاقت بكم الحياة، وصلتني أخباركم.. لذا جئت إليكم بنفسي، فأنتم مأمني وملجأي الوحيد، ولكنني أعلم تمام العلم أنكم أصحاب أفكار عبقرية، وأريد أن أعرف تفاصيلها منكم فقط..

لأُخبرك الآن عما حدث في عصري، أنا رمسيس التاسع

لقد سمحت للكاهن الأعلى لآمون أن يقوم بجمع الضرائب، ولكنّه حولها إلى معبدٍ ما دون أن أعلم، ودون أن تمر على خزائن الدولة فأصبحت مكانة الكهنة ونفوذهم تعلو أكثر فأكثر حتى عصر رمسيس الحادي عشر، يا لها من خسارة! أصبح الكهنة يستولون على الحُكم دون خجل منهم.. ومن تلك اللحظة تدمرت البلاد، وكثُر فيها الفساد وأصبحت سرقات المقابر من أكثر الأمور بشاعة وانتشارًا، حتى أنه حدث صراع ما بين طيبة الشرقية وطيبة الغربية وكُتبت أحداث ذلك الصراع في بردية عُرفت بـ « بردية سرقات المقابر » ولكنّنا أجدادك العظماء فحتى لو ساءت الأمور فنُفكر كثيرًا حتى نجد الحلول المُمكنة..

قام الكهنة بنقل المومياوات الملكية من مقابر إلى مقابر أخرى مثل : مومياء الملك رمسيس الأول أول ملوك الأسرة الـ ١٩ من مقبرته بوادي الملوك إلى مقبرة إبنه الملك سيتي الأول والتي كانت تُجاورها، ثم نقلوا المومياوات حتى قرروا أن تُصبح في مقبرة الدير البحري، وظلّ هذا السر غامضًا لسنوات عديدة.. والآن دعنا نتعرف على نقطة الوصل بيننا وبين خبيئة الدير البحري وهو : عبد الرسول

أنا عبد الرسول راعي الغنم، في يومٍ من الأيام كنت أتجول في الدير البحري، وإذ فجأة أجد معزة تقع في بئر عميق، فلم يكُن أمامي أي حل سوى أن ألحق بها، فهذا عملي وأنا أُقدّسه كثيرًا، فأحضرت حبل وذهبت لأحضر المعزة من البئر.. أو المغارة الخفية..

يا لها من صدمة لم أتخيلها يومًا، لقد وجدت العديد من المومياوات الملكية التي بلغ عددها أكثر من الـ ٥٠، بالإضافة إلى التوابيت والمُقتنيات الملكية..

دعنا نتوقف هُنا، ونُفكر ماذا لو كُنا مكان عبد الرسول في تلك اللحظة!

بكل أسف، لم يكن أمينًا.. فتح التوابيت وأخذ ما فيها من ذهبٍ وقطع أثرية، وباعها للخارج وظلّ على هذا الحال لمدة ١٠ سنوات، حتى أصبحت آثارنا في المتاحف الأوروبية، وذلك أدى للحيرة الشديدة من قبل السُلطات المصرية.. كيف يُمكن أن تُعرض المقتنيات الخاصة بالملوك ونحن لم نكتشف مقبرة ملكية!.. ومن هُنا بدأوا في مراقبة جميع الناس في الأقصر، حتى قبضوا على عبد الرسول « أشهر تاجر آثار » ولكن تم ذلك بعد أن باع أغلب المُقتنيات التي تُزيّن متاحف أوروبا الآن..

يعود الفضل لـ « ماسبيرو » الذي قبض على عبد الرسول، وهو مُنقبًا أثريًا أتى من فرنسا للبحث عن بعض الآثار والمخطوطات، وكان قد نقل لفرنسا كثيرًا مما عثر عليه، وبمرور الأيام ترّقى في المناصب حتى أصبح مُدير مصلحة الآثار المصرية، وأمين المتحف المصري بـ بولاق، كما أنه كان مهتمًا كثيرًا بالمقابر التي تحتوي على نصوص هيروغليفية، ولذلك قام بإنشاء المعهد الفرنسي للآثار في القاهرة وكان أول مديرًا له، لينقل لعامة الناس خبرته في الآثار المصرية، وفي عام ١٨٨١ قبض على عائلة عبد الرسول وعرف منهم كل المعلومات عن خبيئة الدير البحري، وتوفى في ٣٠ يونيو ١٩١٦ ودُفن في فرنسا، وكان قد سجّل دوره في السنيما أيضًا في الفيلم السنيمائي المصري المعروف بـ : المومياء، للمخرج شادي عبد السلام..

تحدثنا كثيرًا، ولكننا الآن سنقف معًا أمام تلك الخبيئة الغامضة المُحيّرة.. تحت السماء الساطعة، في الأُفق العالية، نلتقي بأجدادنا ليطبعوا بروحنا جمال أرواحهم..

نحن الآن خلف معبد حتشبسوت، هُنا توجد خبيئة الدير البحري.. هُنا توجد أسرار مرّ عليها التاريخ بكُل أوقاته، حيث تقع المقبرة الخاصة بالخبيئة في قلب الجبل للدير البحري، وتحديدًا إلى الجنوب من معبد الملك مونتوحتب الثاني « أحد ملوك الأسرة الحادية عشر »

ولكن.. ماذا عن مُحتويات الخبيئة بالتفصيل!.. أعلم أنك تريد أن تعرف كل المحتويات، فهذه القصة مُمتعة للغاية، وفريدة من نوعها..

ضمّت خبيئة الدير البحري حوالي ٥٥ مومياء ملكية سواء كانوا : ملوك، ملكات، بعض النُبلاء، الكهنة، وبقايا الجهاز الجنائزي..

أنظر معي الآن، تلك المقبرة عبارة عن مدخل ثم ممر سنمُر به معًا، فهيّا بنا.. لا يجب أن نُضيع الوقت، وبعد أن نسير في مُنحنيات ذلك الممر سنصل إلى حجرةٍ مربعة، ثم ممر آخر، وأخيرًا.. نحن الآن في حجرة الدفن.. أشعر بالحماس كثيرًا، والدهشة في الوقت ذاته.. أجدادنا حولنا بكل مكان!

لنُشاهد الآن تلك المومياوات العظيمة بترتيب وجودها بالمقبرة معًا..

تابوت الكاهن الكاتب بت سيتي، تابوت المُرضعة الملكية رعي ويحتوي التابوت أيضًا على مومياء أحمس انحعبي زوجة تاعا الثاني سقنن رع، الغطاء الخارجي لتابوت زوجة باي نجم الأول ويحتوي على مومياء أيضًا، تابوت الملك سيتي الأول، صندوق أوشابتي والأثاث الجنائزي لزوطة باي نجم الأول، لفائف من الجلد لإيزيس إم حتب إبنة الكاهن الأعلى من خبر رع، قطع من تابوت الملك رمسيس الأول، بالإضافة إلى تابوت باي نجم الأول والذي يحتوي على مومياء الملك تحتمس الأول، وبنفس الطريقة دُفن الملك أمونحتب الأول وتحتمس الثاني..

تابوت مومياء الملك أحمس الأول وابنه سا آمون، مومياء وتابوت سقنن رع، مومياء باي نجم الأول وأحمس نفرتاري.. والعديد من المومياوات التي تجعلك تندهش كلما نظرت حولك..

لا تتعجب عزيزي القارئ، أتعلم أن سرقة الآثار لم تقتصر فقط على أحمد عبد الرسول! وإنما ظهرت كثيرًا في عصور مختلفة، وكان الهدف الأول والرئيسي من تلك السرقة المساعدة من الدول الخارجية، حقًا إنهم عار كبير على حضارة أجدادهم.. حتى أن محمد علي باشا وأثناء حُكمه في مصر فعل الكثير من التجاوزات وفرّط بكثيرٍ من الآثار.. آثارنا المنهوبة في الخارج

نُهبت الآثار في السنوات الأولى من حُكمه وأصدر الفرمانات للأوروبيين بالسماح لهم للكشف والبحث عن الآثار في أي مكان يطلبون أن يبحثون فيه!.. فهُربت الآثار وتم بيعها للمتاحف الأوروبية، فكان محمد علي واقفًا في حيرة ما بين فرنسا وإيطاليا ونفوذهما ليستقل بمصر ويتخلص من نفوذه في الداخل، ولذلك سمح لهم أن ينهبوا الماضي في سبيل أن يتركوا له الحاضر والمستقبل، فتجاهل كل ما كان يحدث من نهب وسرقة للآثار والمعابد القديمة التي استُخدمت حجارتها في بناء المصانع.. حقًا إن الوضع أصبح في غاية القُبح والبشاعة سواء كان من الخارج، أو حتى الداخل..

وفي ٢٩ يونيو ١٨٣٥ توترت علاقة محمد علي بأوروبا، فأعاد النظر في ما يفعلونه بالآثار، ولكن بعد ماذا! وهُنا قرر أن يُصدر مرسومًا بإنشاء مصلحة الآثار والمتحف المصري، وحظر التجارة بالآثار ومنع تصديرها، وأن تُجمع في متحفٍ واحد ألا وهو : المتحف المصري، بالإضافة إلى منعه لهدم الآثار أو تدميرها..

وأخيرًا.. وصلنا لنهاية رحلتنا معًا، كانت مؤلمة ومُحزنة، ولكنها ممتعة في الوقت ذاته، فعلى الرغم من تعرض آثارنا للنهب قديمًا، ولكنها تُعانقنا الآن وتُعلن للعالم كله أنها لن تُهزم مهما حدث.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.