كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 11, 2021 - 368 Views

دعوة إخناتون وأسباب فشلها

Rate this item
(0 votes)

بقلم/ سهام عبد الباقى محمد  
الباحثة الأنثروبولوجيه- كلية الدراسات الأفريقية العليا

جامعة القاهرة  

 كانت مصر حتى عهد الملك أمنحتب الثالث الذي حكم بين عامي 1417 و1379 قبل الميلاد تٌحكم من قبل العاصمة التقليدية طيبة(الاقصر)على بعد نحو 690 كيلو مترا جنوبي القاهرة في ظل سيادة ديانة (آمون) وفيها كان الكاهن الاكبر لمعبد آمون بالأقصر يمثل سلطة دينية ويفرض نوعاً من الهيمنة حتى على الأسرة الملكية.حتى جاء(أمنحتب الرابع) الشهير(باخناتون)فحكم البلاد ودعى لعبادة آتون(قرص الشمس).وقد عٌرف عن الملك الشاب أنه كان يتسم بشخصية مٌسالمة تميل الى التأمل والشعر،والموسيقى فلم يكن الملك رجل دولة بالمعنى الحرفى للكلمة ولم يعتمد فى بناء واستمرارية دولتة على استتباب الأمن،وتحقيق نهضة إقتصادية بقدر إهتمامة بالنواحى الدينية التى تمثلت فى توجية العبادة نحو الإله أتون مما أكسبة عداوة كهنة آمون اللذين حاولوا إسقاطه ومحو كل أثر له من الحضارة المصرية المرتبطة بعقيدة أتون الذى سعى الملك اخناتون إلى تعميمها بمصر وجعلها عقيدة موحدة يجتمع عليها فكريا وعقائديا كل المصريين وقد انتهت دعوتة بفوضى عارمة عمت مصر أشبة بانفلات أمنى أدت الى تأجج ثورة شعبية أطاحت بالملك وبدعوته.

قوة عقيدة آمون

ضرب اخناتون بالمعتقدات الدينية المصرية عرض الحائط، ممثلة فى عبادة الأله أمون،ورع،وحورس، وايزيس،وتحوت، وغيرهم.ولم يقم اخناتون بثورته الدينة دفعة واحدة بل قام بتعظيم شان الأله رع فى البداية، ثم أعلن الثورة بشكل رسمي في السنة الخامسة من حكمة وحارب كهنة معابد أمون وبقية الآلهة وقام باسقاطهم ومحوهم من العقائد والشعائر الدينية،ومحو شواهد الإله آمون من المعابد،ثم فرض اخناتون عبادة ديانة أتون على المصريين وقام ببناء المعابد للإله آتون.وفي السنة السادسة من حكمة قرر إخناتون بناء مدينة أو عاصمة خاصة بإلهه الواحد فاستبدل طيبة مركز عبادة آمون، بعاصمة جديدة أسماها (أخي _ ناتون)أو أخيتاتون وتسمى ألان بتل العمارنة وهي بالقرب من منطقة المنيا جنوب مصر.مما استغضب الكهنة اللذين حاولوا الحفاظ على مكتسباتهم المالية،ومكانتهم الدينية جراء التنكيل الذى نكله بهم الملك اخناتون. فقاموا بثورة سميت ثورة كهنة آمون ونجحت ثورة الكهنة ومعها جموع المصريين فى الإطاحة باخناتون الذى أطاح بدين مصر القديم ليؤسس دين جديد، واسقط تعدد الآلهة، ليثبّت ديانة الإله الواحد أتون خلال مدة حكمه التى قدرت بنحو 18 عام. وربما كان السبب فى قوة عقيدة آمون قيامها على اساس مبدأ تعدد الألهة وحرية اقامة الطقوس والشعائر الدينية التى فطرت عليها الشخصية المصرية التى لم يمنعها هذا التعدد الدينى من التوحد والاندماج الشعبى فكان يحدث امتزاج  دينى بين الاقاليم المصرية ممثلا فى دمج معبوداتهم دعماً لوحدتهم السياسية،مثلما ذكرنا فى المقال السابق أنظر فى(الديانات فى الحضارة المصرية القديمة).وربما كان ما أتاحه الكهنة للمصريين من حرية فى الإعتقاد سبباً فى تعظميم وعلو مكانتهم الدينية وادى إلى الإلتفاف الشعبى نحوهم.

دعوة اخناتون للتوحيد

برغم  كثرة الادعاءات بان اخناتون هو نبى الله موسى والثابت فى التاريخ المصرى انه هو الملك أمنحوتب الرابع ابن الملك أمنحوتب الثالث ابن الملك تحتمس الرابع،ابن الملكة (تي) والتى لم تكن من سلالة الملوك انما من عامة الشعب.وزوجته الملكة (نفرتيتي) جميلة الجميلات.وهو عاشر فراعنة الأسرة الثامنة عشر حكم مع زوجته نفرتيتي لمدة  18 عام،وتٌوّج  بعد موت والده ملكاً على عرش الإمبراطورية المصرية.وقد رأى امنحوتب الرابع أن جميع الآلهة ليست إلا صورة متعددة لإله واحد، فنادى بعقيدة دينية جديدة تدعو إلى عبادة إله واحد هو "آتون" الذى كان يمثله قرص الشمس،وصوره بقرص تخرج منه أشعة تحمل الحياة والنور إلى الأرض وما عليها.وقام بتغيير اسمه الى (اخناتون) أي المٌرضي لآتون.ويرى الكثير من الباحثين فى الحضارة المصرية القديمة ان الديانات المصرية القديمة لم تكن ديانات وثنية، وان كثرة معبوداتهم من حيوانات وزواحف وطيور لم تكن سوى رموزاً  للاقاليم المصرية المتنوعة وشعاراً لها، ووفقاً لما أكده العالم هنرى بريستد بأن دعوة إخناتون للتوحيد لم تكن بدعة أو اختراعاً فأصل عقيدة التوحيد ومبادئه كانت راسخة ومٌتجذرة بالمعتقدات المصرية،والدليل على ذلك وجود أفكار راسخة لدى المصرى القديم عن الآخرة ،والبعث، والحساب، والثواب والعقاب،ووضع قلب الناس بميزان. فكل  تلك الافكار لا تستقيم الا فى ظل وجود اعتقاد بوجود اله واحد خلق الكون ومنح الخلق صفاته. فلم يكن الأمر غريباً فى المعتقدات الدينية المصرية.

فشل دعوة التوحيد التى أطلقها اخناتون

 كانت سياسة الإكراه التى إتبعها إخناتون هى السبب الرئيسى فى فشل دعوتة. والتى انتهت بموته حيث يميل الكثير من الباحثين إلى إرجاعه إلى الكهنة الذين تآمروا على قتله من أجل إستعادة عبادة أمون وجميع الآلهة ولم يتركوا أي أثر يدل على حكم إخناتون حيث ألغو أسمة من قوائم الملوك ومحوا كل النقوش التي تناولت ذكره لكي لايبقى من ثورته شيء يذكر.ومرجع ذلك أن الديانات المصرية القديمة، كانت تدور ‏حول فكرة وجود إله مركزي للعاصمة، إلى جانب آلهة ألأقاليم، لذا كان للأله آتون وجود قائم بالفعل جسده الأله رع  كأحد الألهة المعروفة والمعبودة لدى المصريين، لذا لم يكن لهذا التعصب الديني ممثلاً فى فرض عبادة آتون بالقوة وتحريم سواه من الآلهة أمراً مقبولاً أو مشروعاً فى الثقافة المصرية التى تستوعب تعدد المعبودات وامتزاج آلهة الآقاليم تحت مظلة سياسية ودينية،ولهذا أسقط المصرين دعوة إخناتون لأنها حملت معنى الإجبار والسيطرة وعدم إحترام معتقداتهم الدينية ورموزهم الإقليمية، كما تسبب الصراع الذى نشب بين الكهنة وإخناتون فى إضعاف الإمبراطورية المصرية‎ وأوشك على إسقاطها لولا التفاف المصريين حول فكرة التعدد التى كانت ترعاها كهنة آمون حيث أنها قد ضمنت لهم  حرية الإعتقاد وسلامة ووحدة أراضيهم.

ومن خلال هذا الطرح تنكشف لنا طبيعة المجتمع المصرى التى ترفض دمج الدين بالسياسية التى دعمتها دعوة اخناتون للتوحيد، واطاحت بها ثورة شعبية اشعلتها رغبة المصريين فى التمسك بحقهم فى ممارسة معتقداتهم بعيداً عن أية قوى جبرية أو توجهات سياسية دينية.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.