كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 18, 2021 - 287 Views

ترانيم إخناتون،تعكس فلسفته الدينية

Rate this item
(0 votes)

                 بقلم د. سهام عبد الباقى محمد

باحثة أنثروبولوجيه – كلية الدراسات الأفريقية العليا جامعة القاهرة

من أشهر ترانيم إخناتون الدينية هى الترنيمة الكبرى والتى كتبها لإله الشمس آتون وقد عٌثر عليها كاملة مكتوبة بالهيروغليفية على أحد الجدران الجانبية في مقبرة "إيي" وهى المقبرة رقم(25) بتل العمارنة أو أختيتاتون القديمة،وتعد الترنيمة هى أغنية دينية أى كان الدين الذى تنتمى إلية وتٌعبر عنه يشترك فى إنشادها جمهور المصلين أو فرد واحد،وقد يٌطلق عليها أيضاً الترتيلة،وترجع أهمية تلك الترنيمة إلى أنها عكست لنا موقف إخناتون العقائدى تجاه الأله آتون، كما أن طول تلك الترنيمه قد صبغها بصبغة المناجاة والتبتل والإستغراق فى العبادة والتبجيل والتقديس لآتون،وسوف نقوم بتحليل مضمون تلك الترنيمة وقفوفاً على أهم ما ورد بها من تصورات دينية لعقيدة إخناتون وأهم الافكار التى إنبنت عليها.

يبدأ إخناتون نص ترنيمته الكبرى قائلاً:

تظهر في أفق السماء أيها الشمس الحية،الذي يقدر الحياة،تشرق في الأفق الشرقي في الصباح وتملأ كل البلاد بجمالك،أنت جميل وعظيم ومشرق الآن فوق جميع البلدان، وأشعتك تملك كل البلاد حتى آخر كل ما خلقت.أنت رع عندما تصل إلى حدودهم وتجعلهم يركعون لإبنك المحبوب.أنت بعيد ولكن أشعتك تصل إلى الأرض،وإنك في وجوههم،ولكن مسارك مجهول.

عندما تغرب تحت الأفق الغربي يبقى العالم في ظلام، في حالة كالموت،النائمون في بيوتهم يكسون أنفسهم بالغطاء،ولا ترى عين عينا أخرى،إذا سرقت أمتعتهم من تحت رؤوسهم،لا يشعرون ويخرج كل وحش من مكمنه،والثعابين تعض.الظلام كالقبر وتبقى الأرض ساكنة،إذ أن خالقهم قد غرب خلف أفقه.وتشرق في الصباح على الأفق وتضيئ كالشمس أثناء النهار،وتخفي الظلام وتنشر أشعتك.ويظل القطران(الشمالي والجنوبي) محتفلين بالنهار،ويستيقظ الناس ويقفون على أقدامهم،فقد نصبتهم على أرجلهم،أجسامهم نظيفة ويلبسون الملابس،ويرفعون أذرعتهم تقديسا لظهورك.وكل البلاد تمارس عملها.كل الأنعام راضية بأعشابها وأشجارها ونباتاتها الخضراء.وتنطلق الطيور من أعشاشها،ترفرف أجنحتها تسبح بروحك وتقفز كل الوحوش على أرجلها،وكل ما يطير يرفرف،ويحيون عندما تشرق لهم.وتسير السفن الحاملة شمالا وجنوبا.وكل طريق ينفتح بظهورك،وتقفز الأسماك في النهر أمام وجهك،وتملأ أشعتك قلب البحار.

أنت الذي ينبت البويضات في النساء، وتجعل من "الماء" أناسا. وتبقي على حياة الطفل في بطن أمه وتهدئه فلا يسقط له دموع.إنك المربية في بطن الأم.وتعطي النفس لكي تحيا جميع المخلوقات.وعندما يولد (الطفل) من بطن أمه، فلكي يتنفس وقت ولادته،فإنك تفتح له فمه كاملا وتعطيه احتياجاته.وتكلم الكتكوت في بيضته الذي يتكلم من قشرته،تعطيه الهواء فيها لكي يعيش.وتقدر له الوقت،ثم تكسر القشرة ويخرج منها،ويخرج من البيضة ينقنق في وقته،ويجري على رجليه،عندما يخرج منها.كم كثرت أعمالك والخافي منها.

إنك الإله الواحد،لا مثيل له.خلقت الأرض برغبتك منفرداً،فيها الناس والأنعام وكل الحيوانات،وبكل ما على الأرض،وما يسير على أرجله وكل ما يطير بجناحيه في السماء.البلدان الغريبة في سورية والنوبة وكذلك أرض مصر،كل تعطيه مكانه وتؤمن إحتياجاته،الكل يحصل على غذائه، وتقدر قدر عمره.يتكلمون بألسنة مختلفة، وتختلف ملامحهم، وتختلف ألوانهم، فإنك تخلق الشعوب.خلقت النيل في عالم الخفاء، وتصعده بحسب رغبتك وتحفظ حياة الناس لأنك أنت خالقهم. وإنك لهم، ترعاهم أنت أيها الملك على كل البلدان.تشرق لهم، فأنت شمس اليوم، عظيم في رفعتك، وتُبقي كل البلدان الغريبة على قيد الحياة.وخلقت نيلا في السماء لكي يهبط عليهم، يشكل أمواجا على الجبال،مثل البحر لكي يروون حقولهم،ويحصلون على مايحتاجون.كم أن تقديرك فعال، أنت ياسيد الأبدية. نيل السماء تمنحه للشعوب الغريبة، ولكل حيوانات الصحراء،التي تجري على أقدام، ولكن النيل الحقيقي يأتي من عالم الخفاء إلى مصر.تُرضع أشعتك جميع الحقول، وعندما تشرق يحيون ويترعرعون من أجلك.وخلقت فصول السنة لكي تتطور جميع مخلوقاتك. في الشتاء يبردون،وفي الصيف يحترون، لكي يشعروا بك.وجعلت السماء بعيدة المنال،لتعلو فيها وتري كل شيء قمت أنت بخلقه

.إنك فريد عندما تشرق، وفي جميع أشكالك كآتون الحي، الذي يظهر ويضيئ، وتبتعد ثم تقترب. وتخلق ملايين الأشكال منك أنت، مدن وقرى وحقول وطرق ونهر.كل الأعين تنظر إليك عندما تظهر كشمس النهار فوق البلاد.عندما تغرب لا تصبح عينك هنا، تلك خلقتها أنت من أجل خاطرها، لكي لا ترى نفسك كالأوحد الذي خلقته، تبقى في قلبي، ولا أحد آخر يعرفك إلا إبنك "نفر خبر رع - أوان رع" الذي جعلته يعرف جوهرك وقدرتك. تخلق العالم بإشارة منك مثلما خلقته، وعندما تشرق يعيشون، وعندما تختفي يموتون.إنك أنت عمر الحياة، وتعيش الناس منك. وتستمتع الأعين بجمالك حتى تغرب،وتـُترك الأشغال عندما تغرب في الغرب. يا مشرق أنت، قوّي كل الأذرعة للملك.واعط سرعة لكل قدم. منذ أن أسست الدنيا، فقد أنشأتها من أجل ابنك،الذي نشأ من بدنك، ملك القطرين المصريين" نفر خبرو رع - أوان رع - ابن رع "،الذي يعيش من ماعت، سيد التيجان، إخناتون، كبير في حياته.والملكة الزوجة العظيمة،التي يحبها، ملك القطرين نفرتيتي.تبقى حية وشابة دائما وإلى الأبد.

وبعد هذا العرض لترنيمة إخناتون الكبرى،يتضح لنا ما يلى:

يشير إخناتون فى الجزء الأول من ترنيمته إلى صفات الأله آتون حيث وصفه بصفات الجمال والعظمة والإشراق لأنه يمنح النور ليعٌم الضياءالكون،ويحمد الاله على تجدد حب وسلطان أخناتون فى الامبراطورية المصرية فى كل يوم تشرق فيه شمس معبوده آتون بصفتة خليفة الأله آتون على الأرض.ويشير الجزء الثانى من الترنيمة إلى ما يعترى الكون من ظلام بغروب آتون،وفوضى وشرور محتملة يحملها الظلام ليشعر البشر بنعمة وجود آتون جالب النور،وواهب الحياة للبشر بعد أن أفاقهم من غفوتهم فى الصباح ونثر عليهم ضيائة،فتبدأ دورة حياة المخلوقات من بشر،وطيور،وحيوانات،وأسماك تسبح بحمد الأله وشكره كل يوم مع أولى لحظات بزوغ نوره. ويتحدث الجزء الثالث من الترنيمة عن خلق آتون للإنسان بإمتزاج بويضات المرأة مع ماء الرجل مما يعنى أن الفراعنة كان لديهم تصوراً جيد وعلمياً عن عملية الإخصاب والكيفية التى يتم بها تكون الأجنة فى بطون أمهاتهم وهو ما يوافق ما ورد فى القرآن الكريم عن خلق الإنسان، ويؤكد إخناتون على عناية معبوده أتون بتكون الجنيين داخل رحم أمه ومده بمقومات حياته.ولا يقف الأمر عند الأجنة الإنسانية بل يمتد إلى جميع الكائنات الحية. وفى الفقرة الرابعة تناول اخناتون صفات الله التى ينفرد بها كالوحدانية وعدم وجود شريك له ولا ند، فهو الخالق الأوحد لهذا الكون فهو من يحدد أجل الإنسان وعمره ويكتب أقداره وخلق كافة الاجناس البشرية وعدد ألوانهم،ولغاتهم،ومواصفاتهم الشكلية والجسمانيةـ وخلق المطر ليخضر ويعمر الكون ويؤمن حاجات البشرية من غذاء وماء كما تعكس الترنيمة عدم توصل المصريين الى معرفة منابع النيل  فكانما يأتى من مكان مجهول أشبة بمعجزة ، كما تحدث إخناتون عن تعاقب الفصول والتى تلبى إحتباجات الإنسان وتساعده على النمو والإستمرار وتشعره ايضا بصغره المتناهى أمام قدرة آتون الذى يبدّل ويٌغير الكون بينما يبقى هو ثابت ومتجدد. وتشير الفقرة الأخيرة إلى أن الملك الفرعون هو إمتداد جسدى لأتون. فالفرعون لا تقف قداسته على ما تحمله عروقة  من دماء الألهة وإنما تشمل بدنه أيضا الذى تحل فية روح الآله المقدسة، وفى جميع أفراد العائلة الحاكمة من أشقاء وأبناء وزوجة،ولم تغيب عن الترنيمة نفرتيتى التى دعى لها اخناتون بالصحة والسعادة الدائمة بصفتها زوجة اخناتون وحبيبته وشريكة دعوته وأهم عباد اتون.

وبعد هذا العرض لتلك الترنيمة الهامة التى عكست معظم عقيدة إخناتون نجد ان مفهوم تبجيل وتقديس الاله لدية اقتربت فى بعض الاوصاف والمسميات من صفات واسماء رب العزة المنزه عن كل عيب ونقص الخالق البديع الذى ابدع خلق الكون واتقن صنعه غير انه ربط تلك الصفات بالشمس التى هى من صنع الله واحدى  دلائل قدرته، لذا من العبث ان نقول ان دعوة اخناتون قامت على اساس التوحيد بالمعنى الدينى والذى يعنى افراد العبادة لله وحده، انما كانت قائمة على التوحيد بالمعنى الجغرافى والاقليمى وهى عبادة اتون دون سواه من الالهة لتحقق وحدة دينية فى جميع اقاليم الامبراطورية المصرية ربما ليضمن اخناتون ولائهم السياسي له بصفته ظل الأله وخليفته على الأرض. وربما لو لم تفرض بالاكراه لأمتدت لعقود طويلة ونضجت وأقتربت تدريجياً من فلسفة التوحيد بمعناه الدينى الحقيقى.لذا تظل دعوة اخناتون مجرد تصورات دينية بدائية بسيطة ولا ترقى لعقيدة دينية كالدينات السماوية التى فرضها الله تعالى بِدء باليهودية والمسيحية وختاماً بالإسلام.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.