كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 20, 2021 - 179 Views

احترام الأم عند المصري القديم والمعاصر

Rate this item
(0 votes)

كتبت : مريم عاطف شاكر

باحثة دكتوراه في الآثار المصرية

                      احتفل المصري القديم بالأم وخصصوا لها يومًا ،فقد كانت الأم مقدسة منذ أقدم العصور وهو ما تمثل جليًا في تحديد يوم سنوي للاحتفال بإيزيس رمز الأمومة والزوجة الصالحة في الديانة المصرية القديمة 

كان إحترام الأم وتقديرها أمرًا  واجبًا في المجتمع المصري القديم مما يعكس مركزها الرفيع آنذاك ولاسيما في الأسرة، إذ ورد ذكر فضلها على أولادها الذين ولدتهم وحملتهم في بطنها فضلًا عن رضاعتهما وكانت مدة الرضاعة عند المصريين القدماء ثلاثة أعوام([1]).

وكانت الأمهات يشعرن بالسعادة عند أرضاع أطفالهن([2])، ومن أروع ما خلفه الأدب المصري القديم ما قاله الحكيم (آني) عن الأم: " لقد وُلدت لها بعد تسعة أشهر وضمتك إلى صدرها، وأرضعتك طيلة ثلاث سنوات كاملة"([3])، "أعط المزيد من الخبز لأمك وأحملها كما حملتك، لقد كنت عبئا ثقيلا عليها، حين وُلدت بعد تمام أشهرك، حملتك على عنقها وظل ثديها في فمك ثلاث سنين كاملة، ولم تكن تشمئز من قذارتك ولم تقل (ماذا أفعل؟) أنها أدخلتك المدرسة لتتعلم الكتابة وظلت تنتظرك في كل يوم تحمل لك الخبز والجعة من منزلها وعندما تصبح شابًا وتتخذ لك زوجة وتستقر في منزلك فضع نُصب عينك كيف ولدتك أٌمك وكل ما فعلته من أجل تربيتك، ولا تجعلها توجه اللوم إليك وترفع يدها إلى الإله بان يستمع إلى شكواها " ([4]).

 

وقد أوصي المصري القديم بحسن معاملة الأم وعدم عقوقها

ومن حكم (سنت حوتب) بهذا الخصوص:

"حُب الأم يهب كل شي.. ولا يطمع في شيء".

"الأم هبة الإله، ضاعف لها العطاء فقد أعطتك كل حنانها، ضاعف لها الغذاء فقد غذتك من عصارة جسدها، احملها في شيخوختها، فقد حملتك في طفولتك أذكرها دائمًا في صلاتك وفي دعائك للإله الأعظم، فكلما تذكرتها تذكرتك وبذلك ترضي الإله فرضاؤه يأتي من رضائها عنك".

كما ورد في بردية (آني) بحق الأم ما يأتي:

"دعاء الأبناء لا يصل إلى آذان السماء إلا إذا خرج من فم الأمهات".

"الأم هي الإله للأرض.. فقد أودع الإله سر الوجود من وجودها استمرار لوجود البشر".

"أجلب الرضا لقلب أمك والشرف لبيت أبيك"([5]).

هكذا كان التقدير الذي يكنه الابن لامه كبيرا في مصر القديمة فقد ورد في احد الأمثلة المصرية القديمة: "يأتمن الرجل أمه على أسراره أفضل من أن يأتمن زوجته"، كما يلاحظ على المشاهد الفنية على مقابر الدولة القديمة أم المتوفى في العادة ممثلة إلى جانب زوجته، وكانت تُهمل صورة والده في أغلب الأحيان([6]).

كما تؤكد الرسائل الخاصة أهمية العلاقة بين الأم والابن فقد كتب الكاهن والمزارع (حقا نخت ) في القرن العشرين قبل الميلاد رسالة ذكر فيها بازدراء أبنائه ومستخدميه، بيد انه أرسل تحيات محترمة وحنونة إلى أمه المترملة ([7])، وهكذا فإن محبة الأولاد لأمهم كانت ذا معنى عميق؛ نظرًا لما بذلته الأمهات من أجلهم "كن دائما مُحبًا لأمك، إذا لم تفعل ذلك فسوف تغضب عليك الآلهة " ([8]).

عثر علي بردية توثق الاحتفال بعيد الأم الذي تم تحديده في آخر شهور الفيضان أي وقت خصوبة الطبيعة في مصر حيث تكون الارض مُعدة لبذر البذور ،وقد كان المصري القديم يضع الهدايا في غرفة الأم ،واعتبروا تمثال "إيزيس" التي تحمل ابنها "حورس" رمزًا للأمومة ،فكانوا يضعونه في غرفة الأم مُزين بالزهور ويحيطونه بالعطور والدهون وملابس الكتان

كما توضح مناظر جدران المقابر احترام الأم ،فنجد منظر الوليمة الملكية التي أُقيمت علي شرف زيارة الأم الملكية "تي" لأبنها "إخناتون"  وزوجته نفرتيتي في مدينة "تل العمارنة " ،حيث يجلي إخناتون قُبالة أمه الملكة "تي"  وأخته "باكت آتون "وخلفه تجلس زوجته "نفرتيتي" وبناته الأميرات وبجانب كل منهم مائدة طعام خاصة به ومائدة أخري للمشروبات حيث يقوم كل منهم بوضع الطعام في فمه كما توجد سلة مملوءة بالحلويات وأنواع الكعك المختلفة ،كما يوجد موقدين مشتعلين ربما للمحافظة علي سخونة الطعام ،وهذا إن دل يدل علي حُسن استقبال الملك الشاب لوالدته واحترامها ووضعها في مكانة مميزة. ([9])

  • بقدر ما يغدق الأهل العاطفة والحنان علي أولادهم بقدر ما يظهر هؤلاء عميق الإمتنان والإحترام تجاه والديهم , ويعتبروا عقوق الوالدين خطيئة الخطايا فيدرجونها في خانة الخطايا الست الشائنة, ونادراً ما يُسمع عن عقوق طفل بين المصريين , ومن عاداتهم أن يقبَل الولد يد والده ووالدته ([10]), وتحث الأديان السماوية علي إحترام الوالدين : ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ (النساء: 36) , ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 23-24) , ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (مريم: 30-32) , ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (لقمان: 14-15) , ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأحقاف: 15) ,  جاء رجل إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : ( أمك ) قال : ثم من ؟ قال : ( ثم أمك ) قال : ثم من ؟ قال : ( ثم أمك ) قال : ثم من ؟ قال : ( ثم أبوك ) ( البخارى)
  • "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ" (خروج 12:20) , يقول سليمان الحكيم: "يَا ابْنِي، احْفَظْ وَصَايَا أَبِيكَ وَلاَ تَتْرُكْ شَرِيعَةَ أُمِّكَ" (سفر الأمثال 20:6) , "الْمُخَرِّبُ أَبَاهُ وَالطَّارِدُ أُمَّهُ هُوَ ابْنٌ مُخْزٍ وَمُخْجِلٌ" (سفر الأمثال 19: 26) , "مَنْ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يَنْطَفِئُ سِرَاجُهُ فِي حَدَقَةِ الظَّلاَمِ" (سفر الأمثال 20:20) , "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هذَا حَقٌّ" (أفسس 1:6) .

 

([1]) بيير مونتيه، المرجع السابق، ص81.

-Stol, M., Op. Cit., p. 376.

-Thompson, Op. Cit., p. 52.

([2])روز اليندم ، وجاكيانسن: الطفل المصري القديم، ترجمة: احمد زهير أمين، ألاف كتاب الثاني، 236، مصر، 1997، ص97.

([3]) محمد فياض، المرجع السابق ، ص97.

-نبيلة محمد عبد الحليم، المرجع السابق، ص167.

([4])عبد العزيز صالح , المرجع السابق , ص70.

-فاضل عبد الواحدوعامر سليمان، المرجع السابق، ص228.

-أدولف آرمان، المرجع السابق، ص164.

-Stol, M., Op. Cit., p. 376.

-زيدان عبد الباقي,المرجع  السابق، ص14.

-ويبدو أن الفطام كان وسيلة طبيعية لتنظيم النسل. أنظر: روزاليندم، المرجع السابق، ص22.

([5]) سيد كريم، المرجع السابق، ص90-93.

([6]) Stol, M., Op. Cit., p. 378.

-، أدولف أرمان: مصر والحياة المصرية في العصور القديمة، ترجمة: عبد المنعم أبو بكر، (القاهرة1958)، ص164.

-وليم نظير، المرجع السابق، ص36.

([7]) Stol, M., Op. Cit., p. 378.

([8])Margaret, A. M.,Op. Cit., p. 75.

([9]) جوليا سامسون ،نفرتيتي الجميلة التي حكمت مصر، ص186-190.

([10]) إدوارد وليم لاين، المرجع السابق، ص67.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.