كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 25, 2021 - 90 Views

أقدم من احتفل بعيد الأم: المصريون القدماء

Rate this item
(0 votes)

بقلم/ مي شريف العناني

مفتشة آثار الدقهلية _باحثة دكتوراه

للأم مكانة كبيرة في بناء المجتمعات والحضارات، ونتيجة لدورها العظيم في المجتمع، فقد دفعت الكتاب لذكرها في شعرهم مثل الشاعر "حافظ إبراهيم"، الذي ذكرها في قصيدة " العلم والأخلاق" قائلًا: "الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق". كما قدسها المصري القديم، حيث أن هناك معبودات ترمز للأمومة في مصر القديمة، مثل المعبودة إيزيس، والتي لها عدة تماثيل تصورها وهي تُرضع إبنها حورس، والمعبودة حتحور معبودة الأمومة والحب والجمال والموسيقى. بالإضافة لوجود معبودات تحمي الأم أثناء الحمل والولادة من الأرواح الشريرة مثل "المعبود بس"، والذي يحمي أيضًا المواليد والأجنة والرُضّع فهو معبود الحماية في مصر القديمة. والمعبودة تاورت والتي تحمي الأم أثناء الحمل والولادة، كما صورت على الأسرة مع المعبود بس. وكان يحمي المولود والأم أيضًا "الحتحورات السبعة".

ووصف مكانة الأم الأدباء والحكماء في البرديات المصرية القديمة، فمن نصائح الحكيم آني لإبنه هو أن يطيع أمه، ويحترمها، فهي منحة من الإله له، وينهي نصائحه بقوله "فتذكر أمك التي ولدتك، وأنشأتك تنشئة صالحة، فلا تدعها تلمك، وترفع أكفها إلى الله فيستمع لشكواها".

ولم يقتصر إهتمام المصري القديم بالأم في حياتها فقط، بل دعا أيضًا إلى برها وبر والده حتى بعد مماتهما، من خلال زيارة قبرهما، فها هو الحكيم "آني" يقول: "قدم الماء لأبيك وأمك الذين انتقلا إلى قبرهما في الصحراء، وإياك أن تغفل عن هذا الواجب، حتى يعمل لك إبنك بالمثل".

وهناك بردية عُثر عليها في سقارة تتحدث عن عيد الأم حيث تذكر "اليوم عيـدك يا أماه، لقد دخلت أشعة الشمس من النافذة لتقبل جبينك، وتبارك يوم عيدك، واستيقظت طيور الحديقة مبكرة لتغرد لك في عيدك، وتفتحت زهور اللوتس المقدسة على سطح البحيرة لتحيتك، اليوم عيدك يا أماه فلا تنسي أن تدعو لي في صلاتك للرب".

احتفل المصريين القدماء بعيد الأم منذ أقدم العصور، وأطلقوا على عيد الأم العديد من المسميات منها عيد الأم المقدس، عيد أم الوجود، عيد أم الحياة، وعيد الأم الجميلة. وأقام المصريين

القدماء إحتفالًا سنويًا لتكريم المعبودة إيزيس، والتي كانت رمزًا للأم والزوجة المثالية، وذلك لدورها العظيم في إسطورة "إيزيس وأوزيريس"، فقد حاربت طويلًا لإستعادة جسد زوجها "أوزيريس"، وإستعادة حق إبنها "حورس". وقد جاءت نقوش المعابد المصرية لتُظهر لنا مدى تقديس المصري القديم للأم. كما أن إختيار المصريين القدماء لموعد الإحتفال بعيد الأم كان مقصودًا، ففي ذلك الوقت من شهر مارس تكون الأرض خصبة ومجهزة تمامًا لنثر البذور، فتنبت وتبعث الحياة من جديد، فالأم هي رمز للحياة والخير والعطاء. واحتفلوا بهذا العيد مع شروق الشمس بإقامة مواكب من الزهور تطوف المدن. وكان المصريين القدماء يضعون للأم في غرفتها الهدايا والتماثيل المقدسة، المعبرة عن الأمومة مثل تمثال "إيزيس تُرضع إبنها حورس"، ويحيطونه بالزهور وأواني العطور والدهون، وملابس الكتان ومختلف أنواع الأطعمة.

في عام ١٩٠٨م احتفلت الولايات المتحدة بأول عيد أم، وأول من إحتفلت به هناك هي "آنا جارفيز"، وذلك تحقيقًا لحلم والدتها المتوفاه والتي كانت تتمنى وجود يوم يكرم فيه الأمهات، وإحتفلت به في شكل حفل تأبين لأمها بكنيسة بولاية فيرجينيا الغربية. وفي عام ١٩١٤م نجحت "جارفيز" وداعميها في جعل عيد الأم إجازة قومية في يوم الأحد الثاني من شهر مايو.

اختلف يوم الإحتفال بعيد الأم من دولة إلى أخرى، وتختلف مظاهر الإحتفال نفسه، ولكن يعتبر منح الهدايا والزهور، أو الطبخ للأمهات للتعبير عن الشكر والإمتنان لهن موجودًا في كل مكان. ففى مصر يتم الإحتفال به في الربيع كما كان متبع عند أجدادنا المصريين القدماء، ويحتفل به في النرويج يوم ٢ فبراير، وفي جنوب إفريقيا يتم الإحتفال به في الأول من مايو، وفي الولايات المتحدة يوم الأحد الثاني من شهر مايو، وفي الأرجنتين يتم الإحتفال به في الثالث من أكتوبر.

في عام ١٩٤٣م دعا الأخوين مصطفى وعلي أمين، مؤسسي دار أخبار اليوم إلى الإحتفال بعيد الأم تكريماً للأمهات، وذلك بعدما تلقى "علي أمين" رسالة من أم مصرية تشكو فيها جفاء أولادها وسوء معاملتهم لها، إلا أنهم واجهوا سخرية المجتمع، وفي عام ١٩٥٦م بدأ المجتمع المصري ينتبه لأهمية ذلك ليصبح "عيد الأم" يومًا للإحتفال، وأختاروا نفس التوقيت الذي كان يحتفل به قديمًا ليكون فصل الربيع رمزًا للمشاعر الطيبة، ومنها إنتقلت الفكرة لباقي العالم العربي.

وفي النهاية نستطيع أن نقول انه لابد أن نقدر قيمة أمهاتنا، وما فعلته من أجلنا، ولابد أن نكون بجانبهم ونسعدهم دائمًا، فنحن مرآة تعكس تربيتهم لنا، فأجعل من يراك يدعو لمن رباك، فهم حقًا يستحقوا كل الخير، فالجنة تحت أقدام الأمهات.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.