كاسل الحضارة والتراث Written by  أيار 20, 2021 - 323 Views

سنموت وتأثير اللاهوت الصاوي

Rate this item
(1 Vote)

بقلم الآثاري / محمد أحمد ناصر

يعد معبد الدير البحري من أهم وأشهر الأثار المصرية الثابتة وبعيدا عن النسق المعماري المميز لفت إنتباهنا شكل الأفريز من الكوبرا الذي يزين المعبد من الداخل ويتكون الأفريز من الكوبرا المتوجة بقرص الشمس المقرن ويتقدمها علامة الشن التي ترمز لاحتواء الكون ومن بعدها علامة العنخ و علامة الجد التي ترمز للمعبود أوزير بالتبادل مما يعني أن الكوبرا هي العنصر الرئيسي في تكوين الأفريز وبالتدقيق في شكل الكوبرا يظهر عليها علامة نيت علي الصدر مما يؤكد أنها المعبودة نيت رأس اللاهوت في صالحجر القديمة .

وظهور المعبودة نيت علي النحو سالف الذكر دفعنا للبحث ماهية هذا التأثير رغم البعد الجغرافي والتأثير الضعيف نسبيا في تلك الفترة الزمنية حيث ذكر أمنحتب الثاني أنه الفرعون الذي شكلته نيت وكذلك دورها في أحد مناظر الولادة الإلهية بمعبد أمنحتب الثالث وتلاحظ أيضا ظهور أمنحتب الثاني الكوبرا وعلي صدرها علامة المعبودة نيت مما يعني أن هناك تأثير سابق للمعبودة نيت علي بعض ملوك الدولة الحديثة .

وبالعودة الي معبد الدير البحري لا يمكن إغفال دور سنموت الرجل الأعلي مكانة في بلاط الملكة حتشبسوت على الرغم من أنه  لم يحمل لقب الرسول الأمين الأول   أقوى منصب يمكن أن يتطلع إليه أي مصري غير ملكي رغم أن المدعو حابوسنب حمل هذا اللقب حيث كان قائد بعثة حتشبسوت الشهيرة إلى بونت .

يعود الفضل لسنموت في تصميم جيسر جيسرو  أو معبد الدير البحري وكان ابنا لأبوين متواضعين وتعلم في بيت الحياة بمعبد آمون ثم بدأ مسيرته كمحارب في الجيش وأثبت كفائته حتى نال سوارا بعدها ترك الجيش ليكون موظفا حكوميا رفيع المستوى بالقصر الملكي .

بدأ دوره بالظهور حين قدم الدعم والولاء التام للملكة حتشبسوت التي كانت تكبره بعشرون عاما تقريبا مستغلا دوره القضائى  كذلك المدعو حابوسنب لتكون وصية علي العرش بعد وفاة تحتمس الثاني ثم لتستقل بالحكم منفردة حتي استقر لها ونال سنموت بالمقابل العديد من الألقاب الدينية والمدنية وهذا يشير الي أن مكانة سنموت قبل تولي حتشبسوت لم تكن وضيعة حيث ذكر في ألقابه أنه النبيل المحبوب من ربه والحفوف بنعمة سيد الأرضين تحتمس الثاني الذي جعله المسئول الكبير عن منزله وقاضي البلاد كلها وكان فوق أكبر مدير لمديري البناء وأنه عمل تحت إمرته .

ويبرز هنا لقبه وكيل الزوجة الإلهية ووكيل ابنة الملك ولم يتم تحديد هاتين المرأتين بشكل واضح فالإحتمال الأول الملكة أحمس والأميرة حتشبسوت وبذلك يكون عمل بالبلاط الملكي في عهد الملك تحتمس الأول وذلك يفسر مدى تأثيره علي سير الأحداث السياسية أما الإحتمال الثاني الملكة حتشبسوت والأميرة نفرورع  ولا يوجد ترجيح ثابت لتفسير هذا اللقب ورجح البعض أن اسمه سنموت يعني أخو الأم وهو تفسير منسجم مع ماهية اللقب سالف الذكر.

أما عن نشأة سنموت الذي ينحدر من أرمنت وهي بلدة تبعد خمسة عشر ميلا جنوب طيبة فقد عثرت بعثة متحف المتروبولتان عام 1935 علي مومياوات والديه في قبر مشترك مات أبوه رعموس أولا وقدر عمره حين مات بالستين عام تقريبا ودفن في البداية بقبر متواضع ثم نقلت رفاته ووضعت بتابوت ملون علي شكل آدمي وضم القبر المشترك أيضا رفات ثلاثة نساء وثلاثة أطفال مجهولين محنطين بشكل سيء وهياكلهم العظمية مفككة ومغطاه بالطين مما يرجح أنهم نقلوا من مقابر أكثر تواضعا وأنهم من نفس العائلة .

وقد تم ذلك في العام السادس أو السابع من حكم الملكة حتشبسوت عندما ماتت أم سنموت في عمر متقدمة حيث كان شعرها شديد الشيب وقطع لهم غرفة بسيطة نسبيا في الصخر كقبر ودفن أمه حاتنوفر في تابوت خشبي علي شكل آدمي مع قناع مذهب وحازت حاتنوفر لقب سيدة المنزل وهو لقب عام وأمها تدعى سيتجيحوتي كما حاز والد سنموت لقب يشار به الي الموتى المحترمين ورغم أن والديه بذلك لم يلعبوا دورا هاما في الحياة السياسية أنذاك إلا أنهم استطاعوا أن يوفروا تعليما مناسبا لإبنهم في مدرسة الحياة بالمعبد وكان لدى سينموت ثلاثة أشقاء هم أمنمحات ومنحتب وبيري وشقيقتان إعح حتب ونفرت حور وجدير بالذكر أن أحد إخوة سنموت اتهم بإرتكاب جريمة تنفيذ الطقوس الجنائزية لسنموت  رغم عدم عثورنا علي مومياؤه حتي الآن ولم يكن لسنموت زوجة أو أولاد .

أما عن ألقاب سنموت فهذا ليس مجالا لحصرها فألقابه في العموم تخلو من الألقاب العسكرية.

وكثر فيها استناد الأمانة والإشراف علي الأمور الاقتصادية مثل المسئول عن البيت المزدوج من الذهب  الحبوب والمخازن والحقول والحدائق والماشية وممتلكات حتشبسوت ونفرورع والأمين علي الممتلكات والمشرف علي جميع الأعمال الملكية والوصي علي أسرار الملك وكان أهمهم المضيف الأمين.

 أما عن الألقاب الكهنوتية فقد بدأ حياته المهنية في معبد أمون بالكرنك وكاهن قارب أمون المقدس وكبير كهنة في العديد من المعابد ( نذكر منها معبد نيت بصالحجر ) واطلق علي سنموت أيضا إسم تيتوتو ويتضح أن السم مكون من مقطعين الثاني منهم توتو وهو معبود علي هيئة أسد وديع ابن المعبودة نيت.

 جدير بالذكر أن سنموت أسقط عددا من ألقابه الأقل أهمية علي غير عادة المصريين القدماء.

حمل سنموت بعض الألقاب الإنسانية المائلة الي الوداعة مثل المشرف علي الحمام والمشرف علي المنازل الخاصة والمشرف علي غرفة النوم الملكية.

ولعل أشهر ألقابه مرتبطة بالأميرة نفرورع بنت حتشبسوت كمعلم ومسئول عنها حتي خلفه في هذا المنصب سنيمن صاحب المقبرة 252 بطيبة .

 علي الضفة الغربية لطيبة خصص سنموت مقبرتين له الأولي بالقرب من معبد الدير البحري أكتشفت سنة 1927 فارغة تماما  تحمل رقم 353 وتتكون من ثلاثة غرف متصلة بممرات متدرجة هابطة صور بها أشقاء سنموت ووالديه وتتميز هذه المقبرة بوجود أقدم سقف فلكي في مصر مسجل عليه الأشهر القمرية والسماء مقسمة الي شمالية  صور بها أربعة قوارب عليها معبودات تمثل الكواكب المشترى وزحل ونجم سيروس وكوكبة الجبار ذلك الحزام الثلاثي المناظر لأهرامات الجيزة الثلاثة  والسماء جنوبية تم تصوير التقويم المصري عليها 12 شهر وثلاثة فصول وكل شهر ثلاثون يوما وكل يوم أربعة وعشرون ساعة وكل ذلك بالغرفة الاولى أما الغرفتين الآخرتين قد خلتا من أي نقوش

أما المقبرة الثانية والتي تحمل رقم 71 تم تصوير الأميرة نفرورع بها وكذلك معبد حتشبسوت مخالفا بذلك العادات المتبعة حينها بمقابر جبل السلسلة فقد ابتعد عن تصوير المناسبات التقليدية والنصوص والمشاهد الجنزية  ووردت بها قصة سنوحي الشهيرة .

أما عن علاقة سنموت بالملكة حتشبسوت لها دلائل منها السماح له بنحت قبر ضمن حرم معبد الدير البحري وربط اسميهما داخل القبر وقيامه ببناء جميع أثارها ومشاريع طيبة والإشراف علي بناء معبد الدير البحري تم الكشف عن أكثر من ستين تمثيلا لسنموت بأوضاع تعبدية مختلفة مخبأة ومخفية عن أنظار العامة  داخل معبد الدير البحري بصحبة حتشبسوت فلم يصور أحد علي المعبد الجنزي لأحد الملوك في حالة فريدة ورجح بعض العلماء أن ذلك تم بدون علم مسبق من حتشبسوت وعندما علمت غضبت وثارت وأخذت في الإنتقام منه

 إلا أنني أرى أن ذلك مخالفا حيث وجدت خرزة بمتحف المتروبوليتان تجمع بين اسمي حتشبسوت وسنموت مما يشير أن الجمع بين اسميهما علانية علي أدوات الزينة أمام البلاط الملكي في حين عدم وجود رابط إجتماعي واضح لم يترك حرجا من تصوير سنموت علي جدران معبدها الجنزي ومن المؤكد أن ذلك التصوير دفع بعض عمال بناء معبد الدير البحري أثناء استراحتهم بالقيام برسم سنموت وحتشبسوت في وضع الزوجين بدون كتابة أسماء كإهانة وسخرية سياسية وبلا شك أضرت حتشبسوت بمكانتها الدينية كإبنة الإله والسياسية كحاكمة للبلاد بإقترانها برجل مهما بلغت مكانته من عامة الشعب .

أما عن نهاية القصة فقد طفنا علي مختلف المصادر ووجدنا بها إختلافا ... فمن سبق الآخر الي قبره سنموت أم حتشبسوت و تم الإتفاق علي إختفاء سنموت سياسيا أواخر فترة حكم حتشبسوت حتى فقدت الحكم لصالح تحتمس الثالث وتم تخريب مقابره وتدمير أثاره أولا ثم قام تحتمس الثالث بتدمير أثارها أيضا حيث من المتوقع أنها أنشأت العديد من الأثار وتم تدميرها إعتمادا علي الإحصائية التي أجراها جايجر فقد تم الكشف عن أكثر من 460 ختما لحتشبسوت كأكثر ملوك الدولة الأسرة الثامنة عشر حيازة لتلك الأختام .

وترك سنموت الكثير من التماثيل التي تصوره حاملا أو محتضنا الأميرة نفرورع ومازال هناك أحد التماثيل غير المكتملة ولم يفصل من الصخرة الأم يصور به جالسا يثني قدما تحت الأخري المنتصبة لتستند عليها الأميرة الصغيرة وظهر سنموت يقدم المعبودة نيت بشكل كوبرا تتوسط علامة الكا وهي القرين في إشارة الي ما يحوزه سنموت من علوم طبية وفلكية وما وراء الطبيعة فقد تأثر بلاهوت سايس حيث مجد معبودتها نيت فهو من أمر برسمها بمعبد الدير البحري وكذلك صنعت بعض التماثيل لحتشبسوت ترتدي غطاء الرأس عليه الكوبرا علي صدرها علامة نيت وجدير بالذكر أن تحتمس الثالث تبعها في هذا التقليد وله بعض التماثيل عليها نفس الكوبرا أحدها بمتحف شرم الشيخ  

وأخيرا أود أن أشير أن سنموت كان حاكما فعليا أثناء حكم حتشبسوت التي تعد فترة حكمها استراحة سلمية بين فترتي توسع وحروب بما يتناسب مع شخصية سنموت التي ابتعدت عن الألقاب والإنجازات العسكرية ولعل إغراقه بالهندسة والفلك وما حمله من علم بدأ من مدرسة الحياه لأمون ثم تواصله بكهنة المعابد التي تقلد بها مناصبه فهو بلا شك من أوعز الي حتشبسوت بإرسال رحلة الاستكشاف البحرية والتي عادت من بلاد بونت و من المحتمل أن كهنة سايس من حثه علي إستكشاف البحار وذلك ما نجحوا فيه عندما تقلد الحكم رجلا من صالحجر فقد نجحت رحلة الإستكشاف ودارت حول أفريقيا لأول مرة في عهد نخو الثاني ثاني ملوك الاسرة السادسة والعشرين  

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.