كاسل الحضارة والتراث Written by  أيار 20, 2021 - 712 Views

أبو الهول الأثر الخالد لنبي الله ادريس

Rate this item
(0 votes)

بقلم - ميرنا محمد

مرشدة سياحية

  النبي ادريس عليه السلام، نبي أثيرت حول قصته الكثير

من التساؤلات والجدل، ما هي قصة سيدنا ادریس علیه

السلام، هل حقا عاش في زمن آدم؟ وهل رفع الى السماء

ولا يزال حيا، والأهم .. هل حقا هو أبو الهول ؟ وهو من بنی الأهرامات؟

حينما نتحدث عن النبي ادريس عليه السلام فنحن أمام معالم شخصية فريدة يصعب معها الفصل بين الحقيقة والاسطورة لندرة الثوابت فيها وترك العنان للمؤرخين والمفسرين في سد ثغرات القصة قليلة المحتوي عبر تصورات واراء ونظريات متنوعة.

وفي البداية نتوقف عند اسم هذا النبي والذي يشهد تباينا بين الأديان والحضارات المختلفة الأ أن اتفاقا حول طبيعة الدور المؤثر الذي لعبه عبر التاريخ الأنساني جعله مخلدا بصرف النظر عن الأسم الحقيقي لهذا النبي الحكيم فهو هرمس الهرامسة وأوزوريس عند قدماء المصريين واخنوخ في الانجيل والتوراه وادريس عليه السلام في القران الكريم و يقول المؤرخون إنه ينتسب إلى أمة “السريان” أقدم الأمم، ويعتقد أنه دنانوخ الوارد ذكره في كتاب الصابئة المقدس وهي ديانة الله الأولى التي أنزلت على نبيه ورسوله آدم و لهم كتابهم المنزل الذي يسمى جنزاربا ( اي الكنز العظيم)، ويعتبر النبي "دنانوخ ادريس" رابع انبياء الصابئة .

كما يذهب البعض الي كونه إله الحكمة عند المصريين و الذي يسمى بالإله " تحوت " أو" توت " كما ينسب إليه مجموعة من النصوص تسمى متون هرمس وهي تنطق بالوحدانية لله ، و تنفي عنه صفة الألوهية وتثبت أن المصريين القدماء عرفوا التوحيد في العصور الأولي .

ويقربنا الفيلسوف الاغريقى أفلاطون فى محاورة كراتيليوس من الوصول الي المعني الحقيقي الذي يربط هذه الأسماء ببعضها البعض فالاشتقاق اللفظى لكلمة هرمس انه مخترع الكتابة والكلام وفي اللغة الإغريقية هرمس مشتقة من كلمتين أر ، مس وتعنى أبا العلوم وفي تاج العروس ولسان العرب فالهرمس الهِرْماسُ بالكَسْرِ من أَسْمَاءِ الأَسَد وبالجمع بين المعنيين في الاغريقية و العربية يمكن أن نشتق معني الحكمة واقترانها بجسد أسد (هو نفس الرمز الذي عليه تمثال أبو الهول) .

 نسب ادريس**

اختلف في نسبه وأشهر ما قيل هو إدريس بن يرد بن مهلاييل، ويسمى أيضًا أخَنوخ، وينتهي نسبه عليه السلام إلى نبي الله شيث بن ءادم عليهم الصلاة والسلام والسبب في تسمية إدريس بهذا الاسم لأنه مشتق من الدراسة، وذلك لكثرة دراسته للصحف التي أنزلت على سيدنا ءادم وابنه شيث عليهما الصلاة والسلام كما ورد ذكره في القران الكريم قال الله تعالى: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا *وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) (مريم: 56) وفي تفسير (ورفعناه مكانا عليا )ورد عن مجاهد قوله: إدريس رفع ولم يمت ، كما رفع عيسى وأنه رفع إلى السماء الرابعة

الربط بين اوزوريس وادريس**

 واذا أضفنا مسألة الرفع الي الدور الديني والتنويري والنهضوي لادريس نستطيع أن نمسك بالأسانيد الكافية التي نستطيع أن نعول عليها عند الربط بينه وبين شخصية اوزوريس صاحب الاسطورة الشهيرة الأقدم من عصر الأهرامات فأوزوريس صار ملك العالم ، وما أن صار ملكا حتى رفع الشعب المصري من حالته البائسة وجعلهم يعرفون ثمرات الأرض ومنحهم القوانين وعلمهم أن يحترموا الآلهة وبعد ذلك زرع الأرض كلها لينشر فيها الحضارة.

مما أوغر صدر شقيقه الأصغر " ست " عليه فدبر لقتله إذ صنع تابوتا على مقاس أوزوريس وأعلن على الملأ أن التابوت سيكون من نصيب الشخص الذي يناسب مقاس التابوت تماما عندما يرقد فيه وشرع المتأمرون مع" ست " يجربون الرقود في التابوت فلا يناسبهم حتى جاء دور أوزوريس الذي ما أن رقد في التابوت حتى أسرع " ست " والمتأمرون معه بغلق التابوت بالمسامير والرصاص المنصهر ثم حمل التابوت والقاءه في النيل وتمضي الأسطورة مع رحلة زوجته " أوزوريس" في البحث عن جثمانه وعثور " إيزيس " على جسمانه واخفائه عن أعين " ست" تمهيدا لأعداد طقوس الدفن ولكن "ست " ينجح في العثور على الجثمان ويمزقه أربا وينثر أشلائه على طول مصر وعرضها وتعود" إيزيس " مرة أخرى آلي رحلة البحث لتجمع أشلائه حتى نجحت في ذلك وجلست تبكي وتستعطف الآلهة فرقت لحالها فقامت أمه " نوت " بأحياء رميم عظامه فقام من بين الأموات ثم حملت منه بوحيدها " حور " ثم تتحدث الأسطورة عن المعني الذي نريد أن نتوقف عنه وهو الرفع فقد رفعت الآلهة أزوريس " من بين الموتى آلي السماء جسدا " حيا " ليصبح اله مملكة الموت تعويضا له عما لحقه في الدنيا من آذى.

والحقيقة أننا نشكك في مسألة تأليه اوزوريس حيث أنه لم ينسب إليه فعل الخلق كما لم يتخلي عن صورته الأنسانية مما يجعله متفردا اذا ما قورن بالآلهة المصرية القديمة والتي عادة ما تأخذ الأشكال الحيوانية ويمكننا أن نراها في عائلة أوزوريس ذاته : فحورس يرمز بالصقر وإيزيس يرمز لها بالبقرة أما أوزوريس فهو دائما علي صورة الرجل .

ننتقل الي تساؤل هام :هل من المعقول أن رمزا للحكمة والمعرفة كأدريس عليه السلام عاش في عصر الفراعنة ولا يخلد بأثر باق ؟!!..يذكر غير واحد من المؤرخين الأسلاميين ومنهم جلال الدين السيوطي في كتابه تحفة الكِرام في أخبار الأهرام من أن إدريس عليه السلام ، استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان ، فأمر ببناء الأهرام ، وإيداعها الأموال ، وصحائف العلوم ، وما يُخاف عليه من الذهاب والدثور وهو ما ذهب اليه ابن النديم في الفهرست " إنه كان أحد السبعة السدنة الذين رتبوا لحفظ البيوت السبعة، وإنه كان إليه بيت عطارد، وباسمه يسمى فإن عطارد باللغة الكلدانية هرمس.

وقيل إنه انتقل إلى أرض مصر بأسباب، وأنه ملكها. وكان له أولاد عدة منهم طاطا وصا وأشمن وأثريب وقفط وأنه كان حكيم زمانه. ولما توفي دفن في البناء الذي يعرف بمدينة مصر بأبي هرمس ويعرفه العامة بالهرمين، فإن أحدهما قبره والآخر قبر زوجته وقيل قبر ابنه الذي خلفه بعد موته" والصابئة تزعم أنّ أحد الهرمين قبر شيت ، والأخر قبر هرمس ، والملون قبر صاب بن هرمس ، وإليه تنسب الصابئة

ومن مجمل هذه الأدلة يمكننا أن نربط شخصيتنا بالأهرام بشكل أو اخر . نري أن أبا الهول هو الأثر الخالد لادريس عليه السلام ويمكننا أن ننظر الي أبي الهول بصورة مغايره لوصفه كأسد برأس انسان وكأنها من المسلمات مع أنها فرضية ضمن فرضيات عدة فالصخرة الصماء خلت من أية نقوش أو كتابات تتحدث عن التمثال وطبيعة دوره وتركت للنظر فقط تحديد ماهية التمثال فلما لا ننظر اليه بصورته الطبيعية الواضحه كأنسان كامل يديه تخطان علي الرمال

ادريس عليه السلام يخط علي الرمال**

في مشهور الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك )

وكان ادريس عليه السلام يخط علي الرمال وعلاقة ابو الهول بالرمال علاقة وطيدة ترافقت مع التمثال عبر تاريخه بل الطريف أن النقش الوحيد علي التمثال كان تتويجا لهذه العلاقة فلوحة الحلم وهي لوحة تذكارية أمر بوضعها الفرعون تحتمس الرابع بين اليدين الممتدتين لتمثال أبو الهول ، تخليدا لحلم حلم به هذا الفرعون قبل أن يعتلي عرش مصر في عام 1401 قبل الميلاد عندما كان أميرا شابا وكان يقوم ذات يوم بالصيد على هضبة الجيزة. وعندما أصابه التعب لجأ إلى أبي الهول الذي كانت قد غطته رمال الصحراء ولا يظهر منه سوى رأسه، وغلب الأمير النوم.

وراوده الحلم بأبي الهول في المنام واعدا أياه بتبوء عرش مصر، وطالبا منه أن يزيل ما تراكم عليه من رمال. وهو ما تحقق بعد عدة سنوات من اعتلاء الأمير عرش مصر ثم وفائه بوعده للأبي الهول وازالة الرمال من حوله، ولا يمكننا أن نتجاهل البعد الدعائي في هذه القصة. يعتقد الباحثون أن بناء (أبي الهول) تزامن مع بناء هرم خفرع وانه يرمز لخفرع نفسه، و لكن الباحثون تواجههم عقبتين تمنعهم من تمرير هذه الفرضية واعتبارها حقيقة مسلما بها : أولاً، عدم وجود كتابات نصيه تشير الي ذلك، ولا حتى معلومة واحدة تتحدث عن أسباب وظروف بنائه . ثانياً، علامات التآكل التي تظهر على سطح التمثال تختلف عن علامات هرم خفرع، فتلك على جسد (أبي الهول) تظهر كعلامات عوامل التعرية بسبب وجود مياه و التي لا تظهر مثلها على الهرم، فمن غير المنطقي أن تكون هناك سحابة صغيرة فوقه تمطر عليه فقط.أضافة الي ذلك عدم وجود شبه بين أبي الهول وتماثيل خفرع!!!..

والحقيقة البارزة أن أبا الهول كان سابقا علي الاهرامات في منطقة الجيزة - وهو الرأي الذي يمكن استنتاجه من اللوحة الكبيرة من الحجر الجيري التي أنشئها امنحتب الثاني وهو ما ذهب اليه بليني عالم الطبيعيات الروماني وكذلك رأي عالم الأثار الالماني هنري بروكش والذي بناه علي أن خوفو رأي ابا الهول وبالتالي فلابد وأنه كان موجودا قبل عهده وهو رأي عالم الأثار الفرنسي جاستون ماسبيرو أيضا وفي ظننا أن وجود أبي الهول في هذه المنطقة كان السبب الذي حدا بملوك الدولة القديمة الي بناء أهراماتهم حوله أو أن صخرة التمثال كانت بمكان أخر وتم جلبها الي هذا المكان ودليلنا أن أحدا من المؤرخين القدامي أمثال المؤرخ هيرودت (المتوفى سنة 430 قبل الميلاد) وديودور الصقلي اللذين زارا هذه المنطقة لم يشرا الي أبي الهول مع أفاضتهم في الحديث عن بناء الاهرامات

وهو ما يضعنا أمام فرضيات ثلاث: الاولي أن أبا الهول شيد في مرحلة لاحقة علي بناء الاهرام وهو أمر مستبعد تماما أو انه أمر واقع وسابق بكثير علي شهود بناء الاهرام والتسجيل الكتابي بحيث لا يمكن تتبعه أو الوقوف علي شواهد حوله وهي الفرضية التي يدعمها

مسميات أبو الهول**

أن تاريخ أبي الهول كان مجهولا حتي علي ملوك الدولة الحديثة أنفسهم!!! كما أن تعدد مسميات أبو الهول دون مسمي محدد فهو «روتي» رمز الحماية والحراسة في عصر الدولة القديمة وهو «شسب عنخ» تعني الصورة الحية نسبة للوحة الحلم السابق ذكرها في عهد الدولة الوسطي وهو «حور إم أخت» بمعنى حورس (الصقر) في الأفق في عهد الدولة الحديثة وهو «حورونا» نسبة إلى الإله الكنعاني «حورونا»، وهو إله الحماية الذي دخل مصر مع الأجانب الذين استوطنوا بجوار أبو الهول وهو أيضا بر حول أو بو حول بمعنى مكان أو بيت أو ملاذ حورس ثم انتهاءا بأبو الهول (الفزع) عند العرب يوضح أن ماهية التمثال كانت خافية علي مدار التاريخ الفرعوني المدون و ما يمكن استخلاصه هو أن ابا الهول كان رمزا لشخص كان نقطة الأنطلاق نحو التدوين ذاته .

والدليل علي أن أبا الهول كان رمزا لشخص مؤثر في جميع العصور وليس مجرد صورة لملك معين سواء أكان خفرع أو خوفو من أن الهكسوس المحتلين أنفسهم اتخذوا تماثيل لابو الهول مع عدائهم مع مصر الفرعونية فهل كانوا بذلك يخلدون ذكري خفرع !!! اللافت أيضا أن اخناتون الذي محا أسماء سائر الالهة وانتصر للتوحيد وجد بين حطام معبده بالكرنك قطعه عليها صورة اخناتون في هيئة أبو الهول كما أن تماثيل أبي الهول منتشرة في بابل وفينيقيا واسيا وبلاد اليونان وهو ما نراه علي خط متوازي مع حركة التنوير التي قام بها النبي أدريس بدءا من بابل مسقط رأسه ومرورا بمصر وأنه اسهم في تخطيط مئات المدن .

ومع نهاية رحلتنا عبر ربوع التاريخ نتمني أن نكون قد سطرنا عبر احاجي المنطق للمكانة العلية التي استحقها سيدنا ادريس عليه السلام أبو الهول العصور القديمة ورمز العلم والحكمة في كل العصور.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.