كاسل الحضارة والتراث Written by  حزيران 17, 2021 - 107 Views

لوحة انتصارات الملك مرنبتاح

Rate this item
(0 votes)

بقلم بسام الشماع

مرشد سياحى  وعضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية وعضو اتحاد الكتاب المصري.

 الملك "مرنبتاح" هو إبن الملك المشهور "رمسيس الثانى" الذى كان لدية عدد كبير جدا من الأولاد و البنات. و لسبب طول عمر والده و طول مدة حكمه(رمسيس الثانى حكم حوالى ٦٧ عاما)  تولى "مرنبتاح" العرش فى سن كبير.و قد حكم حوالى عشرة سنوات لم تكن خالية من الأحداث بل مكتظة بالحملات العسكرية الذى كان حريصا على توثيقها حاله حال بقية ملوك مصر القديمة. و من آثاره الهامة جدا و المعروفة عالميا لانها دائما ما تثير الجدل كما سوف نرى لاحقا،نص تم نقشه على لوحة حجرية أعيد استخدامها مستغلا الجانب الفارغ من اللوحة بيد انك لو نظرت لظهر اللوحة سوف تجد النقوش و المناظر المنقوشة  الأصلية على اللوحة. وهى واحدة من أهم القطع الأثرية المعروضة فى المتحف المصرى بالتحرير.

ترجع هذه اللوحة الحجرية إلى وقت الملك «إمنحتب الثالث» المعروف خطأً بإسم "أمون حوتب  الثالث" والذى حكم من عام ١٤٠٨ إلى عام ١٣٧٢ ق.م . وأسمه يعنى "ليت إمن یکون راضياً".و "إمن" هو ما نطلق عليه  الآن إسم "آمون".

و هى منحوتة من الجرانيت الأسود. فى اعلى اللوحة يوجد منظر للملك "مِرنبتاح"وهو يقف امام المعبود  الشمسي "إمن رع" الذى يهدیه سیف الانتصار ، والمعبودة "موت" و المعبود "خنسو" و هم معروفين لدى علماء المصريات بثالوث طيبة،و قد تم تبجيلهم فى أماكن كثيرة منها معابد الكرنك بالبر الشرقى للنيل بمدينةالأقصر (طيبة قديما) ، "موت" و "خنسو"  يعطيان الملك رمز أعياد اليوبيل ويمدانه بملايين الأعوام من الحياة.

النص الهام يتكون من ثمانية وعشرين سطرا

حيث تقول:

"العام الخامس من (سنوات) الحكم ، الشهر الثالث من فصل «شمو» ، اليوم الثالث فى عهد جلالة:

 "حورس" : «الثور القوى، الذى يسعد مع "ماعت"، ملك الوجهين القبلى والبحرى: "كبش" رع» (با إن "رع") محبوب «آمون»، ابن رع: «مرنبتاح الراضى بسبب ماعت»

يُعلى الناس من شأن القوة ويعظمون قدرة "حورس"، الثور القوى، الذي يضرب الأقواس التسعة والذى أستقر اسمه للأمد اللانهائى وللأبد، ويروى(الناس) إنتصاراته فى جميع البلدان، بحيث تتعرف مُجتمعة على أفعاله الجسورة وتنظر إليها بإعجاب.

ملك الوجهين القبلى والبحرى: «با ان رع - محبوب - آمون» ابن «رع»: « مرنپتاح، الراضى بسبب «ماعت».

وهو الثور رب القوة، الذى يذبح أعداءه، الجميل فى حلبة الجسارة، عندما يُهاجم. وهو الثور الذى يطرد السحاب الذى كان فوق "مِصر"، ليُتيح للبلد المحبوب أن يرى أشعة قرص الشمس......". النص يبدأ بذكر العام الذى يحكم فيه الملك و هو العام الخامس من حكمه،و يحدد الفصل و الموسم باسم "شمو" ،و هو فصل الحصاد،و هو واحد من ثلاثة فصول قسم بهم المصرى القديم السنة بحيث تبدأ السنة بفصل "آخت" أى الفيضان ثم فصل "برت" ثم "شمو".و يتكون كل فصل من أربعة أشهر. ثم نستمر فى قراءة ترجمة العالمة المعتبرة الفرنسية "كلير لالويت" من كتابها الذى يتبع منشورات اليونيسكو، ان الملك،بعد ذكر القابه،يستعرض قوته و هيمنته العسكرية و انتصاراته على أعداء مصر و هو المغزى من النص كله. و الجدير بالذكر أن إكتشاف اللوحة كان  فى عام ١٨٩٦م على يد الآثارى البريطانى  "بِترى". ويصل إرتفاعها إلى حوالى ٣١٨سم.

 ثم يقول النص:" وهو الذى يُزيح التل النحاسى من على رقاب الرجال، ليُعطى نسمات (الحياة) للشعوب التى تمر بمحنة. وهو الذى يُنظف منف من أعدائها ويسمح لـ "تاتنن" بأن يفرح بأعدائه الصرعى.

وهو الذي يفتح أبواب مدينة«الجدار»

(الابيض) (= منف) ويجعل معابدها تتسلم مأكلها. ملك الوجهين القبلى والبحرى: «با آن رع - محبوب - أمون» ابن رع «مرنپتاح» الراضى بسبب ماعت»،  الأوحد الذى يثبت قلوب مئات الألوف، فى حين أن نسمات (الحياة) تدخل عند رؤيته إلى فتحات الأنوف...".نجده هنا يعدد مناقبه و إنجازاته. ويشرح انه يُعطى الحياة للشعوب التى تمر  بمشاكل. ثم يستخدم وصف بلاغى رائع واصفا إياه أنه "يُنظف" من العاصمة والمدينة الهامة على مدار تاريخ مصر القديم وكيف انه يسعد المعبود المقدس لديه بأنه يصرع أعدائه.  ثم يقول النص:"..تم تحطيم بلاد الـ «تمحيو» فى فترة حياته. ويبقى الرعب على الدوام فى صدور "الماشواش" ، ويرد الليبيين الذين تجرؤوا ونظروا إلى مصر...".

يوثق و يؤكد الملك المصرى  على دحره للاعداء الغربيين وقد كان من المعروف شدة بأسهم وخصوصا قبائل "الماشواش" الغربية. ثم فى عبارة قوية بها مزيج من الفخر و الإعتزاز المصريه كتب يقول انه رد الليبيين الذين كانت لديهم الجرأة والتجاوز أنهم "نظروا" (نعم،فقط نظروا) إلى "مِصر".

ثم يبدأ هذا الجزء من النص بذكر تفاصيل مهينة عن أعداء مصر وكيف أنهم عند هزيمتهم أسرعوا بالفرار والهرب بل وصل الحال بالملك إلى حد انه لقب ووصف قائد الأعداء بالحقير!

هذا الجزء من النص يعتبر وصف تفصيلى وتوثيقى للمعركة وحال الأعداء المهزومين لا يخلوا من البلاغة النحوية القوية والمؤثرة. اقرؤا :"وتخلت فرقهم المُتقدمة عن تخوم (البلاد) لأن سيقانهم لم تتحمل الوقوف، إلا للهرب. ورماة السهام تركوا هنا اقواسهم. وقلوب أولئك الذين يُسرعون تعبت من المشى، فينزعون قرب الماء ويطرحونها ارضاً، وأُمسكت حقائبهم وأُلقى بها. وهرب الزعيم الحقير، مهزوم ليبيا، فى قلب الليل، وحيداً ومن غير ريشة على رأسه، وساقاه خائرتان. ونُقلت النساء بعيداً عن (مكان) وجوده وتم الإستيلاء على طحين وجباتة، بل لم يعُد عنده ماء فى القربة لتُعيد إليه الحياة. ووجه أشقائه المتأهبين لقلته يعلوه الحنق. وضُباطه يُقاتلون بعضهم بعضا. وخيامهم أُحرقت وتحولت إلى رماد. وجميع ممتلكاته صارت طُعاماً للجنود.

وعندما وصل إلى بلده (أستغرق) فى النواح، وجميع من كانوا قد مكثوا فيها نفروا من رؤيته: «الزعيم الذى عاقبه القدر، هو صاحب الريشة الحقيرة. والجميع فى مدنهم يقولون: "لقد أصبح تحت رحمة جميع آلهة منف وسيد مصر جعل اسمه مدعاةً للازدراء. «مریای» ملعون فى مدينة «الجدار» ("الأبيض")، (وستبقى هذه اللعنة) فى عائلته، تنتقل من ابن لإبن إلى الأبد.

«با إن رع - محبوب - أمون» سيُلاحق أولاده ، وسيكون «مرنپتاح - الراضى - بسبب ۔ ماعت» هو قدر".

ونلاحظ أيضا أنه ذكر إسم قائد الاعداء الذى توعده حتى بعد هزيمته.إسمه "مرياي" الذى قرن اسمه باللعنة.

و الآن يجئ جزء فى النص المنقوش على اللوحة الحجرية الذى يمجد فيه الملك نفسه بعد إنجاز النصر. و قد أوضح هذا الجزء العلاقة بين المعبودات والقادة وكيف إن المعبودات ساعدت الملك المصرى وعضدته فى حين تخلت عن "مرياي" الليبي. ويصف "مرنبتاح" أى شخص يحاول أن يقاتل المصريين بالجنون وقائد الاعداء بالخسيس.

يستمر النص فيقول:" مرنپتاح البطل الاسطورى لقد أصبح أسطورة يُضرب بها المثل فى نظر الليبيين . وتتحدث الأجيال الشابة بعضها البعض عن هذه الانتصارات: «لم يحدث أبداً أن ألم بنا ذلك منذ (زمن) رع ويقول كل كهل لابنه: "الويل لليبيا!".

وتوقف (الليبيون) عن الحياة حسب العُرف السعيد القاضى بأن يروحوا ويغدوا

(فى حُرية) فى الحقول. ففى يوم واحد توقفت نزهاتهم. وفى سنة واحدة اندثر "التمحو".

لقد أدار «سوتخ» ظهره لزعيمهم. وبأمرهِ دُمرت قُراهم. ولم توجد فى تلك الأيام، الانشطة (المُعتادة) القائمة على رفع الأحمال. ومن الضرورى أن يختبيء المرء الآن، ولايجد المرء الأمان إلا داخل جُحر.

إن سيد "مِصر" الأعظم له القوة والنصر. تُرى من ذا الذى يعرف كيف يقاتل، وهو يعلم كيف يزحف (سيد "مِصر") دون أن يعوقه عائق؟ إنه لمجنون، إنه رجل فقد رشده ذلك الذى قد يعاود (القتال). إنه قد لا يعلم الغد ذلك الذى سيعبر حدوده. فمِصر كما يُقال، منذ زمن المعبودات، هى إبنة «رع» الوحيدة، وابن المعبود  هو الذى يتربع على عرش "شو". ولن يسعى أحد إلى غزو شعب مصر، لأن عين كل معبود ستلاحق ذلك الذى يعتدى عليها وهى التى تقود أعداءها إلى نهايتهم، هكذا يتحدث من يرصدون النجوم ويعرفون كل كلماتها (السحرية) عندما يرقبون الرياح.

لقد حدثت مُعجزة عظيمة للبلد المحبوب. إن يد ذلك الذى كان قد هاجمها، هى التى اسرته، بفضل نصائح الملك الإلهى، الذى انتصر على أعدائه فى حضرة «رع». إن «مریای»، صانع الفواجع هذا، الذى أجهز عليه الإله، الرب الذي يُقيم فى مدينة الجدار (الابيض)، لقد قدم للمُحاكمة ومعه ذلك الذى فى هليوبوليس، وهو هو الذى قام التاسوع بإدانته على جرائمه.  يقول سيد الكون ( = آمون ) : «فليُعط حسامى إلى ابنى صاحب القلب العادل "با - ان - رع - محبوب - آمون" الجميل العذب، الذى عنى ب «قصر - کا ۔ پتاح» (= منف)، الذى حمى «هليوبوليس» والذى أعاد فتح المدن التى كانت قد أُغلقت: أنه يعتق الجماهير المُحتجزة فى جميع الاقاليم. إنه يُعيد تقديم القرابين إلى المعابد الحضرية ويسمح للبخور بالدخول إلى حضرة الإله. إنه يسعى ليستعيد العظماء ممتلكاتهم ويعود سواد الشعب إلى مدنه» وإليكم ما قالته آلهة هليوبوليس بشأن ابنها «مرنپتاح - الراضي - بسبب - ماعت »: فليعط له زمن حياة رع. ومن ثم يستطيع حماية كل ضعيف ضد كل بلد أجنبى، وقد عهدت مصر إليه. أنها من نصيب من دافع عنها على الدوام، ومن يعزز قوة شعبها. انظر، إن الناس يجلسون فى زمن البطل ونسمات الحياة على أكف (الملك) الجسور. إن الخيرات تتدفق كالماء على ذلك الذى لا يثقله الكذب، ولكن الرجل صاحب القلب الشرير يفقد ما سرقه. (أما) الذى يقتنى المال الحرام، فسوف تذهب (أمواله) إلى غيره وليس إلى أولاده». ويقال أيضا: «مریای» هذا العدو الخسيس، مهزوم ليبيا، قد حضر ليجتاز أسوار مدينة «تاتنن» الذى هو سيدها، فى حين كان ابنه قد أشرق على عرشه"(الكاتب:دائما ما يحاول ملوك "مِصر" ربط و وصل  أنفسهم بالمعبودات،و هو ما يعطيهم دائما أحقية الجلوس على العرش و ضمان استدامة عادة ارتباط الدم الملكى بالمعبود الدينى).ثم يذكر الملك بعض القابه فيقول؛" ملك الوجهين القبلى والبحرى: "با ان رع - محبوب - آمون»، ابن رع: « مرنپتاح - الراضى- بسبب - ماعت.عندئذ قال پتاح ضد مهزوم ليبيا هذا:

 " فلتُجمع كل جرائمه وليتطوق بها رأسه. ضعوه فى يد  مرنپتاح"، ليجعله يتقيأ ما ابتلعه كالتمساح (كاتب النقالة:"وصف مقزز و قوى و لكنه موجه للعدو").

ة يذكر النص ايضا كلمات  معبرة عن فرحة النصر و حالة الاطمئنان و الامان بين الشعب المصرى بل و يصف منظر بديع بكلمات هادئة  كيف ان الماشية نفسها تعيش فى راحة و سلام و ترعى فى حرية و

يرجع كل هذا الشعور بالاريحية لانتصاراته العظيمة.و من مظاهر النصر أيضا استبدال أفراد الشعب المصرى النجاح فى الماضى بالاغانى مما يدل على انقطاع الخوف. و نلاحظ فى النص عامة استخدام إسم "البلد المحبوب" مشيرا إلى "مِصر"،و هو ما يدل على إخلاص المصرى القديم لبلده "مِصر".و نستمر مع بعض مقتطفات من النص الذى يقول :" لقد ساد مصر فرح عظيم ويتصاعد التهليل فى مدن البلد المحبوب للإنتصارات التى أحرزها "مرنپتاح" على "التحنو"، كم هو محبوب الأمير المنتصر! كم هو عظيم الملك بين الألهة! كم هو فطن سيد القيادة!

يا له من أمر لطيف، أن نجلس ونتبادل أطراف الحديث. أه! وأن نسير بخُطى واسعة على الطريق، دون خوف يلازم قلب البشر، لقد هجرت القلاع وأعيد فتح الآبار، فيسهل من الآن على الرسل أن يصلوا إليها،........ ورجال الإستطلاع هم فى الحقول، حسب رغبتهم، وماشية الحقول تُركت ترعى فى حرية، دون راع، وتعبر (لوحدها أيضاً) مياه النهر. لا نداء ولا صيحات فى الليل: "قف ! تأملوا، فهُناك شخص قادم يتحدث لغة الرجال الآخرين". ويسير الناس وهم يتغنون ولم يعد المرء يسمع صيحات النواح. والمدن صارت مأهولة من جديد، والذى يحرث (بهدف) الحصاد، هو الذى سيأكله. والتفت «رع» ناحية مصر، بينما جاء إلى الدنيا، بفضل القدر، حاميها ملك الوجهين القبلى والبحرى، "با ان رع"، ابن رع: "مرنپتاح"...".

و فى النص نجد أن الملك يعود ليؤكد كيف أن أعداء آخرين لاقوا نفس مصير الليبيين.و من ضمن الأعداء التقليديين للمصريين القدماء و الذين يتم ذكرهم دائما هم " الأقواس التسعة ".يقول النص :" ولايرفع مجرد واحد فقط من بين الأقواس التسعة رأسه".ثم يذكر مجموعة من الأعداء الذى هزمهم قائلا:" لقد هُزمت بلاد «التحنو». والخاتی مسالم، وطُهرت كنعان من كل شيء كان بها. واقتيدت عسقلان، وتم الإستيلاء على جيزر، وصارت "نيو عام" وكأنها لم توجد قط.

ودُمرت إسرائيل، بل ولم يعد هناك وجود لبذرتها....".و هنا تنتهى مقتطفات اخترتها لكم من النص المنقوش على اللوحة.و لكن لى وقفة مخملية مع العالمة "كلير لالويت" مترجمة النص و هى عالمة فرنسية معتبرة و مصدر هام،و لكنها ترجمت الإسم إلى "إسرائيل" و هو ما اعترض عليه كاتب المقالة  بشكل مفصل،و قد شرحت الخلفية اللغوية و الهيروغليفية من حيث الرموز و النطق الصوتى للكلمة موضوع الجدل فى موسوعتى:"موسوعة البسام".دار فيرست بوك.٢٠١٩.و يحضرنى هنا وبمنتهى السعادة أن اتقدم بوافر التقدير لمسؤولى وزارة الآثار الذين استجابوا لمقترحى منذ سنوات قليلة بتغيير عنوان لوحة "إسرائيل" فى اللوحة الإرشادية الموضوعة بجانب اللوحة الحجرية للملك المصرى "مرنبتاح" بالمتحف المصرى،حيث تم استبدالها ليضم العنوان إسم الملك  المصرى المنتصر.و هو انتصار آخر.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.