كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 08, 2022 - 232 Views

كنز تانيس المشؤوم حيث لم يُكتب لـ بيير مونتيه المجد كما كُتب لـ هوارد كارتر

Rate this item
(6 votes)

أحمد فتحي

باحث فى الآثار المصرية

بالسعي والإجتهاد ينال المرء بغيته ويجني ثمار مشقته وتعبه ويحقق حلمه لكن أحيانًا رغم كل هذا يكون للحظ والقدر رأيًا آخر وتلعب الظروف المحيطة بالفرد دورًا ربما يكون على نفس القدر من الجهد المبذول وهو ما يمكن به تلخيص الفرق بين قصة كشف عالم الآثار الإنجليزي هوارد كارتر لمقبرة الملك الذهبي الصغير توت عنخ آمون وما جناه من شهرة ووضع إجتماعي رفيع وذاع صيته في كل أنحاء العالم بشكل كبير فحتى يومنا هذا نادرًا ما تجد شخصًا لم يسمع بكارتر ومستحيلًا أن يُلقى اسم توت عنخ آمون ولا تجد من لم يسمع به من قبل وعلى النقيض تمامًا نرى قصة عالم الآثار الفرنسي الكبير بيير مونتيه صاحب الإكتشافات الكبيرة في مدينة تانيس والذي أزال بها الكثير من الغموض عن أحد أكثر الفترات المجهولة في التاريخ المصري وتمكن من كشف مقابر ملكية لم تمس من قبل تمامًا كنفس السبب الذي ذاع صيت مقبرة توت عنخ آمون به بل وأكثر لما تحويه من كنوز فريدة كما تمكن من العثور على تابوت ومومياء ملك مصري لم يكن معروفًا من قبل وبفضله أعيد كشف الستار عن جبانة دفن ملوك عصر الإنتقال أو الإضمحلال الثالث في تانيس من الأسرتين الحادية والعشرين والثانية والعشرين ورغم كل ما حققه مونتيه من إنجازات لا يكاد يسمع بها قط غير البعض من المتخصصين في علم المصريات وإذا تردد اسمه أو ما توصل إليه لن تجد من يعرفه .

تانيس وبداية حلم بيير مونتيه

قدم بيير مونتيه إلى مصر في غضون عام 1921م ليبدأ رحلته في الكشف والتنقيب عن آثار مصر وتحديدًا في موقع دلتا النيل على عكس غالبية علماء الآثار حينها الذين فضلوا البحث في طيبة ومنف وبدأ مونتيه التنقيب في موقع تانيس وهو الاسم اليوناني للمدينة التي كانت تُعرف في النصوص المصرية القديمة باسم "جعنت", ووردت في التوراة باسم "صوعن", وفي القبطية باسم "جانة", وفي الآشورية باسم "شانو", وفي العربية باسم "صان". ونظرًا لكثرة الأحجار في المنطقة فقد أصبحت تُعرف باسم " صان الحجر" حاليًا وتقع بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية, وكانت عاصمة الإقليم التاسع عشر في مصر القديمة وعُثر بها على شواهد أثرية ترجع إلى عصر الدولة القديمة فقد عُثر على كتل حجرية تحمل اسماء ملوك كـ خوفو وخفرع وببي الأول وكذلك من عصر الدولة الوسطى حيث عثر على آثار من عهد كلًا من الملكين أمنمحات الأول وسنوسرت الأول, وبدأت تلعب دورًا سياسيًا هامًا ابتداءً من عصر الملك رمسيس الثاني إلى أن بلغت مجدها في عصر الإنتقال الثالث. وسبق مونتيه في التنقيب عن كنوز تانيس كلًا من أوجاست مارييت وفلندرز بتري لكن رغم كل ما كشفوه لا تقارن إسهاماتهم بكشوفات مونتيه الكبيرة.

الكشف الكبير

بدأ مونتيه بالحفر والتنقيب عن الجبانة الملكية وهي الجبانة التي تضم مقابر بعض ملوك الأسرتين الحادية والعشرين والثانية والعشرين, وبعض الملكات والأمراء والقادة العسكريين. وتقع الجبانة في حرم معبد آمون الكبير في الركن الجنوبي الغربي وبعد أعمال الحفر التي استمرت لسنوات أسفل منازل مشيدة من الطوب اللبن ترجع للعصر البطلمي.

وفي يوم السابع والعشرون من فبراير 1939م توصل بيير مونتيه أخيرًا لمقبرة ملكية تعود للملك "أوسركون الثاني" لكن كان اللصوص قد سبقوه إليها وسلبوا أغلب ما فيها من كنوز لكنهم تركوا البعض منها ليجنيه مونتيه بالإضافة لدفنة مخصصة لكل من ابنه الملك "تكلوت الثاني" وابنه الآخر الأمير "حور نخت", وعلى الفور امر مونتيه بتنظيف المقبرة وتوسيع الحفر لعله يصل إلى غرف دفن أخرى تعوضه  وبالفعل في العام التالي بعد تنظيف المقبرة توصل مونتيه في الخامس عشر من فبراير 1940م للكشف الكبير حيث دخل ولأول مرة مقبرة الملك "بسوسنس الأول" وهو مجمع الدفن الذي احتوى وفقًا لمونتيه، على "أعاجيب تليق بألف ليلة وليلة". على حد وصفه في مذكراته الخاصة. كانت المقبرة تحمل نقوشًا جدارية تشير  للملك بسوسنس الأول، وكان ملقى على الأرض تابوتًا فضيًا صلبًا برأس صقر. عندما فتح مونتيه التابوت، تم الكشف عن قناع وجه من الذهب الخالص ومجوهرات ذهبية رائعة. كان من الواضح أن هذا كان دفن ملك، لكن النقوش أظهرت أنه لم يكن بسوسنس الأول كما أشارت المقبرة، بل كان ملكًا لم يكن معروفًا من قبل يُدعى "شاشنق الثاني". وباستكمال البحث والتنقيب توصل مونتيه لغرفة الدفن الخاصة بالملك بسوسنس الأول وعثر فيها على جميع مقتنياته النفيسة التي لم تُمس من قبل وتابوته الفضي الرائع الفريد بداخل ناووس من حجر الجرانيت والذي لم يُعثر على شيء مثله من قبل في الحضارة المصرية القديمة وبفتح الناووس والتابوت عُثر بداخلهما على مومياء الملك وقناعه من الذهب الخالص وهو أحد أروع الأقنعة الذهبية على الإطلاق كما عُثر أيضًا بهذا المجمع على مومياء الملك "آمون إم ابت" مغلفة في تابوت من الخشب المذهب وموضوعة في تابوت أُعد للملكة "موت نجمت"، والدة الملك بسوسنس الثاني, كما عُثر على مومياء الملك "سي آمون" والملك "شاشنق الثالث" مدفون في تابوت كان في الأصل عتبًا من عصر الأسرة الثالثة عشر. بالإضافة للملك "شاشنق الرابع" الذي تم العثور على تابوته الحجري فقط ولم يُعثر على المومياء الخاصة به.

وبجانب الكشف عن مقابر كل هؤلاء الملوك تمكن مونتيه من العثور على مقابر خاصة بكبار القادة العسكريين كمقبرة القائد "با إري مس عا" ومقبرة القائد "عنخ إف إن موت" وفيم بعد استكملت الحفائر على يد ألكسندر ليزين ليكشف مقبرة القائد "ونج باو إن جدت".

نشوب الحرب العالمية الثانية وتأثيره على كشف مونتيه المزهل

على الرغم من عظم ما كشفه مونتيه وروعته فكان من المفترض أن يكون لهذا الكشف صدى كبير في شتى أنحاء العالم تمامًا كما حدث وقت إعلان كشف مقبرة توت عنخ آمون على يد كارتر حيث ذاع صيت مقبرة توت عنخ آمون ومكتشفها كارتر بشكل كبير وذلك بسبب حالة الهدوء الذي كانت تسود العالم وقتها في عام 1922م فساعد ذلك على انتشار خبر الكشف وتسليط الأضواء عليه ووفد إلى مصر العديد من الباحثين والعلماء والمهتمين والمهووسين بجمال الحضارة المصرية القديمة وهو ما لم يتوافر في توقيت كشف مونتيه الذي ولسوء حظه صادف حدوثه نشوب الحرب العالمية الثانية حيث أطلق أدولف هتلر شرارة الحرب في أوروبا وكان لإنجلترا وفرنسا الموقف المعادي له ومع إعلان هتلر الحرب على فرنسا تحديدًا وتوجيه أوامره لقادة جيشه لإحتلال فرنسا مما شكل خطرًا كبيرًا على مونتيه وأسرته فمصر آنذاك كانت تحت وطأة الإحتلال الإنجليزي المعادي لهتلر فوجد مونتيه نفسه مهددًا فأصبح يسابق الزمن للإنتهاء من كشفه حتى يتمكن من العودة لأسرته في فرنسا والهرب من ويلات الحرب الدامية, ورغم حضور الملك فاروق ملك مصر حينها فتح التابوت الفضي للملك بسوسنس إلا أنه بالكاد أحدث ضجيجًا ولم تسعى أيً من وسائل الإعلام العالمية إلى تغطية مثل هذا الحدث الجلل وعلى الفور وفي عجلة من أمره فر مونتيه هربًا إلى فرنسا تاركًا كل هذه الكنوز لتنقل إلى متحف القاهرة وتتوقف الحفائر في تانيس وحتى يومنا هذا لا تجد إلا قلة ممن هم على علم بتفاصيل هذا الكشف المزهل في تانيس ولا يكاد يعرف بيير مونتيه غير البعض من المتخصصين في علم المصريات والمهتمين به فكان للحظ والقدر لعبته في ذياع صيت كارتر حين كشف عن مقبرة توت عنخ آمون وعدمه في كشف مونتيه عن ستة مقابر ملكية منها أربعة معروفة وإثنتين مجهولتين, توصل لمقابر كلًا من الملوك "بسوسنس الأول – آمون إم ابت – شاشنق الثاني – أوسركون الثاني – تكلوت الثاني – شاشنق الثالث" ومقبرة الملكة "موت نجمت" ومقابر القادة "عنخ إف إن موت – با إري مس عا" وما حوته تلك المقابر وخاصة مقبرة الملك بسوسنس الأول من كنوز   ثمينة لا تقدر بثمن ومنها ما هو فريد ولا مثيل له قط وكميات كبيرة من الذهب والفضة والحلي المكفتة باللازورد بكميات تفوق تلك التي عُثر عليها في مقبرة توت عنخ آمون بالنسبة لكمية اللازورد فيها ورغم هذا كله كان لإندلاع الحرب رأي آخر في التكتم وعدم البوح عن هذا الكشف العظيم فلم يُكتب لبيير مونتيه المجد كما كُتب لهوارد كارتر ولعلنا بهذه السطور نعيد له ولو القليل مما كان يستحق أن يحصل عليه هذا العالم الكبير.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.