كاسل الحضارة والتراث Written by  حزيران 23, 2022 - 86 Views

الأبدية والعالم الأخر عند المصري القديم

Rate this item
(2 votes)

بقلم  د . هدير عبيد

 دكتوراه في علم المصريات

اعتقد المصري القديم في وجود عالم أخر وحياة أبدية بعد الموت , إذ يعتبر دون غيره من شعوب العالم القديم أخذ بوجود حياة ما بعد الموت وتحدث عن ذلك كثيراً في العديد من النصوص ووصف هذه الحياة بأنها الأبدية أو الحياة الحقيقة التي تؤدي إلي الخلود , وقد أشار إلي أن المكان المفضل لتلك الحياة هو البقاء مع المعبودات ووسط الأبرار الخالدين إلي الأبد وحدد ذلك المكان في الجزء الشمالي من السماء حيث النجوم والذي يقصد بها الأرواح التي لا تفني ..

فقد اعتبر المصري القديم الموت هو نقطة بداية لحياة الخلود ونلاحظ ذلك في حرص المصري القديم في تصوير الحياة اليومية بالصورة والكلمات علي جدران غرف الدفن وعلي الممرات والغرف المحيطة بها , والجدير بالذكر  أن المصري القديم اعتقد بوفاة أخري في العالم الأخر أي بمعني أخر " وفاة بعد وفاة " ولكن هذه الوفاة تؤدي إلي الفناء التام ..

وقد أشارت التعاليم التي وضعها حكماء مصر القديمة إلي ضرورة صلاح الأنسان في حياته الدنيوية لكي يفوز بخلود الأخرة ؛ ففي النصائح الي لقنت للملك " مري كا رع " من عصر الأنتقال الأول نصت علي أن الانسان الذي يصل إلي الأخرة دون ارتكاب أية خطيئة فإنة سيكون مثل المعبودات الخالدين , وكذلك ما ذكر في الكتب الدينية التي نصت علي  " السلام عليك أيها الإله الأعظم إله الحق. لقد جئتك يا إلهي خاضعًا لأشهد جلالك، جئتك يا إلهي متحليًا بالحق، متخليًا عن الباطل، فلم أظلم أحدًا ولم أسلك سبيل الضالين، لم أحنث في يمين، ولم تُضلني الشهوة فتمتد عيني لزوجة أحد من رحمي، ولم تمتد يدي إلى مال غيري، لم أكن كاذبًا، ولم أكن لك عاصيًا، ولم أسعَ للإيقاع بعبد عند سيده. إني يا إلهي لم أُجِعْ ولم أُبْكِ أحدًا، وما قتلت وما غدرت، وما كنت محرضًا على قتل، إني لم أسرق من المعابد خبزها ولم أرتكب الفحشاء ولم أدنس شيئًا مقدسًا، ولم أغتصب مالًا حرامًا ولم أنتهك حرمة الأموات، إني لم أبِعْ قمحًا بثمن فاحش ولم أغش الكيل. أنا طاهر، أنا طاهر، أنا طاهر. وما دمت بريئًا من الإثم، فاجعلني يا إلهي من الفائزين".

الكلمات السابقة لم تكن سوى جزء من تعاويذ ونصوص تنقش على جدران المقابر والمسلات والبرديات -وعلى أقنعة المومياوات- لتصور لحظة البعث والحساب في المعتقدات المصرية القديمة، إذ يتم وزن قلب الشخص المتوفَّى أمام ريشة إلهة الحق "ماعت"، فإذا كان وزن قلبه أثقل من ريشة "ماعت" يكون من العاصين، ويُلقى به إلى وحش مفترس يلتهمه معلنًا تلك "النهاية الأبدية للميت"، أما إذا كان قلب الميت أقل وزنًا من تلك الريشة، فيكون مآله إلى الجنة، حيث النعيم الأبدي مع أحبابه .

في كشف أثري بمنطقة دير البرشا بمحافظة المنيا (جنوبي القاهرة)، اكتشفت بعثة أثرية بلجيكية أقدم نسخة مما يطلق عليه نصوص الأهرام أو (متون الأهرام) في تابوت لسيدة من الطبقة رفيعة الشأن في مصر آنذاك ويعود عمرها إلى 4000 عام مضت.

البعثة الأثرية تابعة لجامعة لوفان، تحت إشراف هاركو ويليامز، مدير البعثة الأثرية البلجيكية في مصر، الذي صرح بـ"أن هذه النصوص هي الأقدم بالنسبة لنظيرتها المكتشفة حتى الآن".

ونصوص الأهرام، ليست عبارات محفوظة مكررة، ولكنها تعاويذ يكتبها الكهنة لكل فرعون على حدة، لتحميه من شرور العالم الآخر، الذي ينتقل إليه ولتسهل رحلته إلى الحياة الأبدية. في البداية كانت تُسجل على جدران الأهرامات الخاصة بالملوك، ومن بعدها بدأت في الظهور على جدران المقابر والتوابيت للشخصيات العادية رفيعة المستوى في المجتمع المصري القديم مثل الكشف الأثري الأخير. 

وأقدم وصف مرسوم للعالم الآخر يعود زمن النصوص المكتشفة لعام 2040 قبل الميلاد، أي أنها مكتوبة منذ حوالي 4000 عام، وعثر عليها داخل تابوت لسيدة تدعى "عنخت" في مقبرة بمنطقة دير البرشا التي تبعد حوالي 40 كيلو مترا عن محافظة المنيا جنوبي القاهرة، ويعتقد طبقاً للبعثة البلجيكية أن هذه الرسوم هي أول وصف مرسوم للعالم الآخر، وتبدو كخريطة لتقود المتوفى في طريقة للحياة الأبدية وليس مجرد نقوش أو رسوم".

اهتم المصريون القدماء بالموت منذ فجر التاريخ، وتصوروه مرحلة من مراحل الحياة، وكان كل شيء وغاية كل فكر هو بلوغ المتوفى حياة جديدة تضمن له الخلود بسلام، بدءا من بناء مقبرته أو بيت الأبدية ونقوش جدرانها، وتحنيطه لضمان حفظ جسده وملامحه، وإقامة شعائر جنائزية خاصة وقراءة نصوص وصلوات، وصولا إلى البعث والخلود , وهذا يشير إلي إنشغال الفكر المصر القديم بحياة ما بعد الموت كما يحدث في العالم الدنيوي ؛ وقد تضمنت النصوص الدينية عدداً من الجمل التي تشير إلي الخلود والبقاء وهناك بعض الجمل التي اشارت الي الموتة الثانية ومن الملاحظ أنه عند الحديث عن المعبود أوزير ونهوضه من موته , لم تذكر النصوص بعد ذلك تعرضة للموت مرة أخري بل وأشارت في متون التوابيت إلي أنه لن يموت في العالم الاخر من يري ذلك المعبود .

صور المصريون الموت ضمن نظام الكون، وأصبح الموت قضية حياة، ولم تنظر الحضارة المصرية للموت على أنه حالة فناء مطلق، بل اعتبرته حالة حياة يمر بها الإنسان، يعيشها فقط في وضعية المتوفى.

ولتأمين عملية البعث والخلود كان لابد من إعداد مقبرة آمنة أطلق عليها المصريون عدة أسماء من أبرزها "بر إن جت" و"حت إنت نحح" و"حت إنت جت"، وجميعها تعني "بيوت الأبدية"، شُيدت من الطوب أو الحجر، وهي عبارة عن منزل أو مسكن للمتوفى، تتكون من حجرة دفن، بالإضافة إلى مقاصير جنائزية أو معبد بالنسبة للملوك لإقامة الشعائر، في رمزية للفصل بين عالم الأحياء عن عالم الموتى.

ولقراءة المتون والصيغ الدينية والجنائزية المختلفة ضرورة لبعث الروح والحفاظ على المتوفي ، وذلك بعد الوفاة وأثناء عملية التطهير وأثناء التحنيط وعند الدفن وتقديم القرابين، ووضع المتاع الجنائزي في المقبرة.

ويقول العالم الفرنسي فرانسوا دوما، في دراسته "الحياة في مصر القديمة"، إنه لتأمين بعث روح المتوفى كان لابد من قراءة فقرات من المتون والصيغ الرسمية الثلاث: متون الأهرام، ومتون التوابيت، وبعض فصول كتاب "الخروج إلى النهار" (كتاب الموتى اصطلاحا)، هذا بالإضافة إلى قراءة الصيغ الجنائزية المتعددة وصيغ الترحم على المتوفى.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.