كاسل الحضارة والتراث Written by  آب 03, 2022 - 234 Views

قائمة العروس حق مصرى أًصيل للمرأة فى مصر القديمة

Rate this item
(3 votes)

بقلم: أ.م.د/ هبة ماهر محمود

أستاذ الآثار المصرية القديمة المساعد، كلية الأداب، جامعة المنصورة.

"تخير زوجًا عاقلاً لابنتك، ولا تتخير لها زوجًا ثريًا" هكذا يأتى جواب "عنخ شاشنقى" أحد حكماء الحضارة المصرية فى أخر عهودها على هزلية ما أثير فى الأيام القليلة الماضية حول شائعة الغاء قائمة العروس(جهاز العروسة)، وما تبعها من ردود أفعال متفاوتة بين عوام الشعب المصرى الى حد الجدال الذى امتد نحو البحث والتدقيق والتساؤل فى العموم: من أين لنا بقائمة العروس تلك الشديدة الوطئ والتكليف على الزوج فى وقتنا الحالى؟

هنا تبدو لنا كعادتها تلك الحضارة العريقة، التى طالما تصدرت المشهد، لتسبق الجمع فيما يسود فندرك أنها هي من أرست قاعدة كل معروف.

فالزواج لدى المصرى القديم كان رباطاً مقدساً إليه يعمد المجتمع ضماناً لسلامة بناءه وتحقيقاً للترابط الأسرى بعيداً عن الانحرفات المجتمعية. وكما لم يكن الأمر بهين لتنشئة تلك العلاقة الروحية ذات التمازج النفسى والتعاطف المتبادل بين الزوجين، جاء تكوين الأسرة أنذاك وفق اطار منظم الخطى ومحبك الاعداد؛ لضمان عدم التهاون فى أمر تفككها من خلال مجموعة من البنود التى تفند فى "عِقد الزواج"، ذلك الرباط الذى أعده بعض العلماء غير معترفًاً بالفوارق بين الطبقات فلم يشترط المستوى الاجتماعى نفسه لكلا الطرفين، فيما أصر البعض الآخر على أن مبدأ الكفاءة كان لزامًا استدلالاً بعقود زيجات الكهنة مع استثناء الملوك منه، فيما اتفقا الفريقين أن المصرى لم يكن ليوافق على زواج ابنته من راعى الخنازير تلك المهنة المحقرة أنذاك.

والجدير بالذكر أن أغلب ما أل إلينا من مراسم لاتمام الزواج هي تفاصيل عدة متأصلة فى حضاراتنا المصرية القديمة، تحمل فى طياتها لمحات كثيرة متسربة إلينا من فكر ونمطية أجدادنا باسم "عاداتنا وتقاليدنا".

فإذا ما استهلينا الحديث بألية الارتباط التى نطلق عليها فى لغتنا العامية "زواج صالونات" فهو أمر بدأ مع أجدادنا واستمر حتى الآن وان سبقا الطرفان فى اللقاء الا أن الأمر لا يتم الا فى جو عائلى لأخذ رأي الأب أو ولي أمر العروس سواء العم او الأم، ثم يقرر كبار العائلات موعد اتمام الزواج، بعد مرور فترة الخطبة التى تحظى فيها الفتيات بهدايا الخطوبة تماماً كما تحظى فتياتنا الآن.

ثم تأتى المرحلة الأهم فى حديثنا وهي "عِقد القران" وتسجيل ذلك العقد من قبل موظف منوط باتمام ذلك العمل مع وجود الشهود ثم الذهاب للمعبد لاضفاء البركة من المعبود المحلى؛ وهو الأمر الذى يشبه اتمام أغلب عقود القران بالدور المقدسة فى وقتنا الحالى لنفس السبب، ثم الانتقال لحفل الزفاف فى اطاره الذى لازال متبعاً حتى الآن.

وبمقولة "قال فلان للمرأة فلانة اتخذتك زوجة" عقدت الزيجات فى مصر القديمة، والتى مازالنا عليها حتى الآن كاثبات لرضا الطرفين بالايجاب والقبول، والذى يتم قولاً بين الرجل وولي المرأة أو هي بذاتها عند اكتمال أهليتها ان أرادات عقد قرانها بنفسها، كما يمتد الأمر الى عقد الزواج الأمومى (العصمة فى يدها)؛ لتصرح المرأة عن التزامها بتعويض الرجل اذا طلقته ودون اي تقاضى وادعاء منها عليه.

 وفى نظرة سريعة لذلك العقد المتضمن لأكثر من عشرين بندًا والذى لم تختلف شكلاً ومضمونًا عن عقود الزواج المعاصرة بل تزيد وتزيد من أجل المزيد لحماية حقوق الطرفين بداية من: (التاريخ، الاعلان والاشهار، طرفي العقد، بند الزواج، بند المهر، بند المعيشة، بند الضمان، بند الانفصال، بند حماية الأطفال، بند القسم والتعهد، بند الممتلكات التى تحضرها  الزوجة الى منزل الزوجية(القائمة)، بند الممتلكات المشتركة، بند الممتلكات المتوارثة من الأباء(المتاع)، بند النقدية لتصبح الفتاة زوجة(البائنة)، بند الرهن،  بند التعويض فى حالة الانفصال(النفقة)، بند التأمين ضد الادعاءات غير القانونية، بند تأمين الزوجة من ناحية الوثائق القانونية، ثم بند الوعد الختامى باعطاء الزوجة وثيقة بما دفعت، وينتهى العقد باتوقيع محرر العقد والشهود).

والآن وبعد أن أثير الكثير والكثير حول  قائمة العروس بضوابطها الالزامية لحد المطالبة بالغائها تمامًا، يأتى دور عقد عفت عليه الأزمان ليعلمنا كيف كان ذلك الأمان للفتيات مؤكدا اياه بأسمى العبارات التى تحفظ لكل امرأة حقها أثناء الزواج وبعد الانفصال.

ففى بند الزواج: يقر الزوج بأنه لن يكن فى مقدوره أن يأخذ من حق أبناءه منها ليعطيه لابن أخر، ثم يأتى بند المهر والذى يهدى فيه الزوج لزوجته وزن من الذهب ومقدار من الحبوب كضمان لها قد تأخذه عند الانفصال فى شكل اعانة مادية فهي المعززة والمكرمة أثناء الزواج وبعد الطلاق، ويستكمل ذلك فى بند المعيشة باقراره تغذيتها بمخصصات شهرية وسنوية من النبيذ والفضة والزيوت الى حد قوله سأعطيكى (الزوج) خمسين قطعة فضة اذا تركتك أو مائة قطعة اذا اتخذت لك ضرة، ومع بند الضمان يقر حقها الكامل وسلطتها الكاملة وتفويضها فى كل مايخص حقوقها كزوجة مع اقراره بأنه سيعمل بكل كلمة فى العقد، بل وفى حالة كرهه لها أو ان أحب عليها سيدفع لها أوزان الذهب المتفق عليها وذلك كبند انفصال فلا غش ولا مراوغة فى ذلك، مع الأخذ بالاعتبار لقيود اضافية التزم بها الرجل فى حالة جاء الانفصال منه، فعليه أن يعطى للزوجة التى هي واصية على الأطفال كل مايملك من أوزان ذهب وفضة وموارد وأملاك قد حصل عليها أثناء ذلك الزواج.

وفى بند النفقة الذى تعانى منه الكثيرات فى وقتنا الحالى فلا تأخذ الا القليل بعد معاناة الكثير، كان الأمر لدي أجدادنا مختلف تمامًا فى حالة الانفصال فالمرأة تأخذ القدر الذى يرضيها، وكذلك فى حالة عدم الانجاب تعوض المرأة بقدر بسيط، ويقال أن ما تناله هو ذات المقدار الذى اعطته اياه من الفضة فى بند النقدية اللازمة لتصبح الفتاة زوجة(البائنة، أو وثيقة معاش) حيث يستثمره الزوج طوال فترة الزواج لتسترده هي بعد الانفصال.

ثم ماذا عن حق المرأة اذا كرهت أو أرادت الرحيل فنجده يقر لها حرية الانفصال دون مقاضاة أو ادعاء منه عليها، وينتهى بالقسم على كل ماسبق.

الأمر الملفت للنظر كذلك كون الزوج يقر للمرأة بأنه سوف يتصدى لأي انسان سوف يدعى عليها أو يحاول الاستيلاء على ممتلكاتها (متاعها) بقوله: "فليس من شخص غيرك له حق التصرف فى الأرض"، ويذكرها بامتلاكها كل الوثائق المحررة من قبله لها، ثم يؤكد ذلك بتحرير الكاتب الرسمى وتوقيع الشهود الذين نعت كل منهم بالحافظ أو الراعى لهذه البنود فيما يتراوح عددهم بين ثلاثة وستة وثلاثون شاهداً، وبحفظ عقد الزواج فى الأرشيف تحت مسئولية مشرف عام على السجلات الرسمية للدولة تبدو تمامة ذلك الزواج.

أما الآن وقد أثرت أن أتحدث عن بند قائمة العروس(جهاز العروس: امتعة من النحاس، والبرونز أو الفضة مثل: المرايا والطشت والابريق والصلاصل والبواريك، أوانى الزهور، وأوعية وأباريق من أدوات المطبخ، الأثواب، والصناديق، والحلى من أساور ودمالج وخلاخيل وتمائم الحسد(الخميسة)، والة الموسيقي (للترويح عن الزوج وهو مازال دارج بين الفتيات حتى الآن) بعد كل تلك الضمانات المسبقة لنرى الكم الممنوح للمرأة منذ أزمان، ليس فقط تلك القائمة التى تضمن حقها وانما هي بند من ضمن بنود عدة تضمن وبشدة حقوقها، أما عن القائمة ذاتها ففيها تحضر المرأة اشياء عديدة من بيت أهلها كلها تدرج فى قائمة وتذيل القائمة بثمن كل ما أحضرته الزوجة فيما عدا الحبوب، هذه القائمة هي ممتلكاتها الخاصة، التى يحق للزوج استخدامها وقت الزواج، وتستردها كاملة أو ما يقابلها نقديًا عند الانفصال، بينما ممتلكات الزوج التى يحضرها فهي ممتلكات مشتركة بينهما وقد حددت فيما بعد للزوج بالثلثين والزوجة بالثلث عند الانفصال.

عن أي قائمة نتحدث فكما رأينا حين التطرق لأمر تعدد الزوجات لدى المصرى القديم، الذى وان حدث بالفعل كان يفرض عليه لزاماً أن يعوض الزوجة عن ذلك الضرر الذى يوازى الطلاق، بل ويعلو القول الأسمى بأنه كلما كان الشخص رجل دين نبيلا كانت له زوجة واحدة يحظى معها بالمحبة والانسجام متعاونين فيما بينهما لانجاح ذاك الترابط الذى بدوره ينعكس على المجتمع متي بات قويًا وزاد متانته.

ولذلك فالأمر ليس بقائمة عروس فلدينا ما يزيد الوضع توهجًا ورقيًا وأعني بذلك نصح الحكماء لأبنائهم وتذكيرهم بالرفق واللين  فى معاملة الزوجات ضمن تعاليم تسمو معانيها حد السماء حين قال الحكيم بتاح حتب لابنه:

" اذا أصبحت رجلا معروفا فتزوج، وأحبب زوجتك كما يليق بها وقدم لها الطعام واستر ظهرها بالملابس ، فأفضل دواء لأعضائها هو العطر الطيب، أسعد قلبها ما حييت، إنها حقل خصب لولي أمرها، لا تتهمها عن سوء ظن، وامتدحها يقل شرها، فإن نفرت راقبها، واستمل قلبها بعطاياك تستقر فى دارك"

ثم يكمل "أنى" الحكيم بقوله لابنه:

 "لا تكثر من اصدار الأوامر لزوجتك فى منزلك اذا كنت تعرف أنها ماهرة فى عملها ولا تسألها عن شئ أين موضعه؟ احضريه لى، اذا كانت قد وضعته فى مكانه المعهود، لاحظ بعينيك والزم الصمت حتى تدرك جميل مزاياها يالها من سعادة عندما تضم يدك الى يدها، تعلم كيف تمنع أسباب الشقاق فى بيتك، اذ لا مبرر لخلق النزاعات فى البيت، وكل رجل قادر على تجنب اثار الشقاق فى بيته، اذ تحكم سريعا فى نزعات نفسه".

كل مأ أفردته هنا هو لاثبات كم التقدير لمكانة الزوجة فى حياة زوجها المصرى القديم  فهي سيدة منزله على حد قوله التى أقسم بحبها اخناتون وبحب بناتها، فالأمان لم ولن يكن بقائمة العروس ولا محال أن تكون هي السلاح الأقوى الذى يضمن للمرأة حقوقها ويحفظها من الضياع والتبديد.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.