كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 22, 2022 - 160 Views

رموز و أساطير... أسطورة الثالوث

Rate this item
(0 votes)

 بقلم: الميقاتي/أحمد شوقي

الوصول إلى معرفة أسطورة أدم الأول (الذي نقول عنه حور في حضارتنا الأصلية) من خلال الوعي المصري الحقيقي معقد جدا و لابد له من مقدمات عديدة هي في حد ذاتها أساطير أخرى تحمل معاني تعتبر أسس بناء الوعي المصري الحقيقي.

عرفنا في رحلتنا عبر المقالات السابقة معنى و أهمية الأسطورة في حفظ الوعي المصري الحقيقي و أسسه و علومه و حكمته و عقيدته و عرفنا معها أسطورة الخلق الأول و منها عرفنا الإله و كيفية الوصل به و عرفنا تجليات الإله التي نقول عنها *النثرو* و هم أبطال أساطيرنا الحقيقين.

و عرفنا كيفية الخلق الإلهي و أسلوب التخليق داخل الكون الذي هو ترجمة لفلسفة الخلق الالهي التي تعبر عنها مراحل *السبب و الفاعل و الفعل و النتيجة* و هذه الفلسفة هي صلب فكرة أسطورة الثالوث التي سنتحدث عنها الآن.

في البداية وجد الإنسان الأول أن الخلق يأتي دائما من رحم الأم الأنثى ، لذلك كانت الأنثى مبجلة مقدسة قديما ، فهي الأم الخالقة الواهبة للحياة و بدونها لم يكن هناك خلق.

إن فكرة الخلق من الأنثى فقط دون ذكر  كانت مسيطرة على وعي القدماء في تلك العصور و إذا تحدثنا عن فكرة التطور بطريقة علمية قد نجد ذلك صحيحا نظريا و أن أول الخلق كان أنثى في الأساس أو كائن مزدوج الجنس على أقل تقدير تم خلقه من باطن الارض ليخرج منها إلى سطحها عن طريق احتمالات تجمعات الجينات و الكروموسومات داخل غشاء نووي في باطن الارض فيما يماثل خروج النباتات من الارض و هو كما قلت أمر نظري فلسفي حتى الآن لكننا نجد له صدى في الكتب السماوية عندما يخبرنا الله سبحانه وتعالى اننا عند البعث سوف ينبتنا من الارض نباتا كما كان ذلك في الخلق الأول ، و غالبا فإن هذا الذكر هو حقيقة عمليتي الخلق الأول و البعث فعلا و ليس تشبيها لهما.

و مع مرور الزمان و التعامل مع الطبيعة أصبحت الحاجة ملحة عند الكائن البشري الأنثوي/مزدوج الجنس للتحول إلى التناسل الجنسي بوجود جنسين من البشر بدلا من الجنس الواحد و هو الامر الذي أدى بعد ذلك إلى ظهور الذكر و الأنثى كجنسين مستقلين لكائن واحد.

و ما ظهور الذكور إلا عملية تطور للجنس البشري و عليه فإن أن الذكر الأول قد ولد من أنثى بدون ذكر و بعد ذلك تمت عمليات التزاوج بين الذكور و الإناث التي نعيش عليها حاليا ، و ذلك أيضا له نظرته العلمية حيث ان الإنسان يستطيع أن يعيش بدون الكروموسوم الذكري لكنه من المستحيل ان يعيش بدون الكروموسوم الأنثوي سواء كان ذكرا او انثى ، و بذلك يصبح الكروموسوم الأنثوي هو الاساس في الحياة و أصلها و ما الكروموسوم الذكري الا عملية تطورية للتأقلم على الحياة و ليس من أصلها و تلك النظرية لها مقالات في مجالات أخرى للبحث فيها لاحقا.

كما نجد أن فكرة الخلق من كائن مزدوج الجنس ظهرت في متون الكاهن مانيتون السمنودي حينما قال أن الذكر و الانثى كانا في جسد واحد ثم فصلهم الإله بسيفه و بذلك جاء الذكر و الأنثى للوجود.

كما نجد فكرة خلق الذكر من الأنثى في الكتب السماوية أيضا عندما أبلغنا الله سبحانه و تعالي أن مثل خلق عيسى عند الله كمثل خلق آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ، نحن نعرف كيفية خلق سيدنا عيسى و عاينها البشر حديثا حيث جاء من أمه دون أب و لأننا لم نعاين خلق آدم الذي يشابه خلق عيسى فالمقارنة الصحيحة تأتي بمطابقة خلق آدم لعيسى كما ذكر القرآن و ليس العكس كما فسر المفسرون ، و عليه فإن خلق آدم هو الآخر قد جاء من الأنثى الأم دون الاب كما جاء عيسى للوجود تماما و هو ما يتطابق مع الأسطورة و مع التفسير العلمي نظريا.

إلا أن فكرة الثالوث في الخلق كانت هي المسيطرة على وعي القدماء دائما و ليس الخلق من انثى فقط و كان تفسير الخلق من انثى دون ذكر يعوضه وجود روح الإله أو سيفه او استخدام القدرة الإلهية على الخلق ، و قام الأجداد بترجمة تلك الافكار على هيئة أسطورة الثالوث التي خرجت منها أسطورة آدم الأول ، أو حور

من أسطورة النثرو أبناء الشمس وجدنا ان ترجمة عملية الخلق في طريقة الخلق الالهي لمخلوقاته تماثل عملية التناسل بالضبط ، و ذلك يعني إنه دائما ما يكون هناك أب و أم و مولود.

فلسفيا نقول عنها أنه لكي تتم عملية الخلق لابد من وجود حاوية (الأم الأنثى) و المحتوي (بالياء في آخرها و هو الأب الذكر) و المحتوى (بالمد في آخرها و هو المولود) و سنكتبها المحتوا للتفرقة في المعنى.

و قد بدأ الأمر كما هو دائما من الإله الخالق الذي عندما أحاطت كلمته (الحاوية) روحه سبحانه (المحتوي) فانفصلت عن روحه المطلقة و جاء الوجود (المحتوا) إلى الحياة و كان ذلك أول خلق الخالق.

و أصبح الكيان الجديد هو روح الكون و ربه الخالق بأمر الله خالقه ، ذلك الكيان الجديد كان إسمه عند القدماء بحر الفوضى (نون)

و من الوجود (نون) و من روح الإله فيه نشأ النظام المولود الذي سمي (بتاح).

و لأن نون مظلم عميق فوضوي فلا أحد يعرف كيف خلق الإله النثر بتاح من نون و نتيجة لذلك نقول انه انبثق من نون بذاته أي خلق نفسه بنفسه و منه بدأت الخطوة الثانية من الخلق أو لنقل بعد ذلك عملية التخليق.

عند القدماء الخالق واحد و فعل الخلق منه وحده و أي عملية للخلق بعد فعله سبحانه هي عملية تخليق لها تجلي قدرتها الإلهية التي تسبب ذلك التخليق و تعتبر هي رب عملية الخلق تلك ، لذلك يمكن جدا ان يقال على النثرو إنهم هم الارباب لكنهم ليسوا آلهة نهائيا ، فالقائم دائما على أي فعل هو ربه.

و ليقوم النثر الرب بتاح بعملية التخليق الجديدة فسيصبح هو الأب (المحتوي) و تظهر الأم (الحاوية) التي قيل في أسطورتنا هنا إنها النثرت الربة (سخمت) لينتج المولود (المحتوا) النثر الرب (أتوم).

تعالوا نرى تلك المصفوفة:

المحتوي – الحاوية – المحتوا

الأب – الأم – المولود

و ترجمتها في عملية الخلق كالاتي

الإله – الرب – الخلق

الروح – الوجود – الكون

و أخبرنا القدماء بتلك المصفوفة كالاتي

الإله – نون – بتاح

بتاح – سخمت – أتوم

دائما ما تكون عملية الخلق ثلاثية الاطراف لذلك ظهرت فكرة الثالوث في الاساطير المصرية و من بعدها في الأديان السماوية ، فنحن نرى ذلك في الاسلام مع ثلاثية الخلق البشري الروح الإلهية التي بثها الله في الجسد البشري فحيت النفس فيه و أحيت الجسد.

الروح – النفس – الجسد

كما نجدها في الثالوث المسيحي المشهور الآب و الإبن و الروح القدس اللذين يمكن ترجمتها إلى

الآب - الروح القدس و الإبن

الحاوية – المحتوي - المحتوا

لاحظ هنا أنه لا يوجد ذكر السيدة مريم الأنثى الأم و حل محلها الآب ذلك لأن الثقافة البدوية الذكورية تعتبر الخلق أصله ذكر و ليس انثى و أصبحت لفظة الآب الذكورية هي نفسها الحاوية لتلك الروح القدس داخلها فحلت محلها في العقيدة.

نجد تتابع هذا الثالوث في عمليات تخليق النثرو المتتالية و في كل صور أسطورة الخلق المصرية كما يلي:

بتاح – سخمت – أتوم

أتوم – نون – شو و تفنوت

شو – تفنوت – جب و نوت

جب – نوت – سوتخ و نبتحوت و كانت تلك زيجة عقيمة بسبب سوتخ ذاته

جب – نوت – أوزير و إيست

و من أوزير و إيست جاء حور أول الخلق على الارض من نتاج تزاوج الروح الإلهية و الطبيعة الحاوية لها لينتج الإنسان الأول فيما نعرفه بإسم آدم ، كيف ذلك؟

أسطورة الثالوث تخبرنا أنه عندما قتل النثر سوتخ أخاه النثر أوزير و قطع أعضاءه إلى أربعة عشر عضوا و في قول آخر إثني و أربعون و قذفهم في النيل أو وزعهم على أقاليم كمت راحت النثرت إيست بمساعدة النثرو نبتحوت و چحوتي و إنبو بتجميع أعضاء جسد أوزير مرة أخرى و ربطها و تكفينها ليتماسك الجسد من جديد و تدب فيه روح الحياة مرة أخرى.

لكن عند عودة الحياه لأوزير وجد الجميع أنه لم يكن يملك عضوه الذكري و ذلك كناية على عقمه و عدم استطاعته مواصلة التعامل مع الحياة و التطور فيها ، فأوزير دائما ما يتم تصويره على أنه هو تجسيد الكون القديم الذي فقد مقومات الحياة رغم انه يملك كل لبناتها الأساسية ، هل تذكرون أسطورة الخلق الأول؟

وقتها قلنا ان القدماء آمنوا ان كوننا خلقه الله من كون سابق عليه ، مات و تفتت و أصبح غير صالح لمواصلة الحياه و الذي تحول إلى نون بحر الفوضى ، هنا نستطيع ان نخبركم ان ذلك الكون القديم الميت هو ذاته جسد أوزير العقيم الذي يحمل روح الحياة و لا يستطيع أن يعيش

و لمعالجة أمر إحياء أوزير *الكون الميت* قام النثر چحوتي سيد الكلمة الإلهية بأخذ روح أوزير منه و وضعها في رحم النثرت إيست.

ألا يذكركم ذلك بنفس الحدث الأول عندما خلق الله الوجود؟ عندما وضع روحه في الوجود بكلمته فأحياه و أوجد منه النثر بتاح ؟

الا يذكركم هذا أيضا عندما بث الإله بكلمته روحه القدس في رحم السيدة مريم العذراء؟

إنها نفس الفكرة بالضبط

هذا و قد تنوعت قصص طريقة نقل روح أوزير إلى جسد إيست ، فمرة تخبرنا الأسطورة أن النثر چحوتي صنع عضوا ذكريا ذهبيا و ضاجعت به إيست أوزير ، و مرة أخرى تتحول إيست إلى حدأة تحوم حول جسد أوزير و تأخذ روحه ، و مرة يأخذ چحوتي روح أوزير بقدرة الكلمة الإلهية و ينقلها إلى رحم إيست

و منذ هذه اللحظة يظهر ثالوث الخلق

الحاوية – الحاوي – المحتوا

إيست – روح أوزير بدلا من أوزير – المولود

يظهر هنا جليا تطابق الفكرة مع قصة خلق عيسى النبي الذي خلق بالأنثى و الروح القدس و التي قلنا انها تماثل خلق آدم بالأنثى و روح الله التي نفخها فيها

و بعد فترة الحمل التقليدية يولد النثر حور ليصبح وريث أبيه أوزير و هو الذي صورته في الثقافة البدوية على أنه أول الخلق آدم المصطفى على الخلق البشري القديم

أو صورته الحديثة عيسى بن مريم العذراء

و النثر حور في الأسطورة المصرية هو ذاته صورة النثر أتوم رع الذي خلقه الإله بروحه من بحر الفوضى نون ، لذلك تقول الأسطورة دائما أن حور هو صورة أتوم رع

و نقول في الكتب السماوية حاليا ان الله خلق آدم على شاكلته

أي أنك و أنت تقرأ قصص الخلق المتعدد سوف تجد تطابقا في قصص كل من النثر أتوم رع ثم النثر حور في الحضارة المصرية و تقابلها قصص النبي آدم ثم النبي عيسى في الأديان السماوية

و من هنا نترك أساطير الخلق الأولى لنبدأ أسطورة حور

أو أسطورة آدم الأول

و في هذا مقال آخر

الميقاتي

أحمدشوقي

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.