كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 22, 2022 - 50 Views

أمثال و حكايات ... أمثال الشهور القبطية و قراءة في كتاب قوانين الدواوين لابن ممّاتي

Rate this item
(0 votes)

في خضم الجدل الدائر بين الفريقين المهتمين بالاحتفال بالسنة المصرية القديمة ومتى هي بدايتها وهل هي في 18 يوليه أم 11 سبتمبر، يحتج فريق 11 سبتمبر بالأمثال الشعبية عن الشهور القبطية ، فمثلا في كياك هناك مثل يقول (كياك قوم من نومك حضر عشاك) و عشاك هي كناية عن قصر النهار، كما يقال عن شهر طوبة (يا طوبة يا طبطوبة يا اللي مابلّيتيلي عرقوبة) و ذلك كناية ع البرد الشديد.

و غالبا ما كانت الجماعة الشعبية في كل المجتمعات تختزل طبيعة مناخها الذي كان يتغيّر على مدار العام ما بين شتاء وصيف وربيع وخريف في كلمات مسجوعه سهلة الحفظ تدور في فلك الأمثال الشعبية وتنتقل من جيل لجيل، يفيدهم ذلك في زراعتهم ومعرفة مواقيت المطر والجدب ونوع الملابس التي سوف يرتدونها ونوع الأمراض المتوقع حدوثها.

والبلاد التي تحتوي على أنهار مثل مصر يضعون معرفتهم بموعد بدء الفيضان وذروته وانخفاضه على شكل أمثال كأن يقولوا: (مسرى تجري فيه كل ترعة عسرة)

  السؤال الذي يتبادر في الأذهان الآن ، هل كان الوضع دائمًا هكذا، و هل كانت تلك الأمثال ثابتة على مر العصور بحيث تعتبر علامة على التقويم؟ وهل ذكرت المصادر القديمة هذه الشهور وهذه الأمثال؟

للإجابة عن هذا السؤال دعونا نرجع لأقدم مصدر تكلم باستفاضة في هذه النقطة، كتاب قوانين الدواوين لابن ممّاتي، والذي سيحمل عدة مفاجآت للفريقين المتجادلين، بل ولجميع من هو مهتم بالتاريخ الفكري والاجتماعي للشعب المصري عبر عصوره المختلفة ، فمن هو ابن مماتي مؤلف هذا الكتاب الذي يصف لنا حالة البلاد المصرية خلال القرن السادس الهجري أو الثاني عشر الميلادي على وجه التقريب؟

الأسعد ابن ممّاتي أحد وزراء الدولة الأيوبية البارزين؛ هو من أصل مسيحي فلذلك استطاع أن يجمع إلى جانب فقه المسلمين علم المسيحيين في شتى المسائل التي اختصوا بها دون غيرهم من طوائف الأمة المصرية وطبقاتها؛ ومن هنا تأتي أهمية كتابه كمصدر لموضوع المقال؛ فأصله من نصارى أسيوط، بُليدة بصعيد مصر، كما كتب ياقوت الرومي المتوفي سنة 1292 م.

يذكره ابن خلكان المتوفي عام 1282 م. في كتابه وفيّات الأعيان حيث يقول: هو القاضي الأسعد أبو المكارم بن الخطير أبي سعيد مهذّب بن مينا ابن زكريا بن أبي قدامة بن أبي مليح ممّاتي المصري الكاتب الشاعر، كان ناظر الدواوين بالديار المصرية، ونظم سيرة السلطان صلاح الدين (الأيوبي)، كان أبوه الخطير هو وجماعته من نصارى فأسلموا في ابتداء المُلك الصلاحي، وتوفي القاضي الأسعد هذا عام 1209م. ودفن بظاهر حلب. فهو وأبيه وجده عاصروا صلاح الدين الأيوبي وخلفاؤه.

هذا عن المؤلف؛ فماذا عن كتاب قوانين الدواوين؟

الكتاب كنز ثمين، فهو يضم تراث تاريخي وجغرافي وزراعي ووثيقة هامة عن مصر زمن الأيوبيين (1171 – 1250م.). يقول الأسعد في المقدمة: أن الدولة العالية الحالية الطاهرة الظاهرة الملكية الناصرية السلطانية الصلاحيّة أزالت المظالم ورفعتها، وأزاحت المكاره ومنعتها، وحسمت مواد الفساد وقطعتها، ورادفت الامتنان السالم من شوائب الامتنان، وضاعفت الإحسان، فاستنطقت بالدعاء لها في الثناء عليها لسان كل إنسان أن يبذل جهده في خدمتها، وينفق ما عنده في شكر نعمتها، ويستخدم قريحته فيكون قد خدمها في حال الحياة بمباشرة التثقيف.

فماذا قال لنا الأسعد ابن ممّاتي عن الشهور القبطية والأمثال الشعبية؟

إن الأمثال التي ذكرها في كتابه بالتأكيد لا يعرفها المصريون في عصرنا الحاضر ولكن فقط يعرفها العرب في دول الخليج لليوم ، وهذه الأمثال ارتبطت بمنازل القمر والتي لم يعد أحد من المصريين يسمع بها، وفي الوقت نفسه لم يذكر مثلا واحدًا مما نعرفه اليوم وما سأحاول البحث عنه في الكتب التراثية التالية لعصر الأيوبين لمعرفة ما دونته الكتب عن الشهور القبطية.

يذكر الكاتب في الباب السادس من كتابه، فصل في الشهور وما يتعلق بذلك؛ أسماء الشهور القبطية كما نعرفها ويذكر في مقابلها الشهور التي يستخدمها بعض جيراننا مثل تموز وكانون وشباط وآب.

ففي شهر توت أول شهور السنة القبطية وفي 22 منه يطلع الفجر بالعوا ويقال: (إذا طلعت العوا ضرب الخبا وكره العرا)؛ وقد ذكره ابن منظور المصري صاحب معجم لسان العرب والذي توفى سنة 1311م ومن سجعهم فيها: إ(ِذا طَلَعت العَوَّاءُ ضُرِبَ الخِباءُ وطابَ الهواءُ وكُرِه العَراءُ وشَثُنَ السِّقاءُ).

وفي بابة يقال: (إِذا طَلَعَ السِّمَاكْ، ذَهَبَ العِكَاكْ وقل الماء على اللكاك) وهو الزحام؛ والعكاك شِدَّةُ الحَرِّ مَعَ سُكُونِ الرِّيحِ؛ وقد ذكره مرتضى الزبيدي أستاذ مؤرخنا العظيم عبد الرحمن الجبرتي في كتابه تاج العروس من جواهر القاموس والذي توفى عام 1790م.؛ أي قبل الحملة الفرنسية على مصر بسنوات قليلة؛ ويقال: (إذا طلع الغفر نزل القطر).

وفي 13 هتور يطلع الفجر بالإكليل ويقال: ويقال: (إذا طلع الإكليل، سال السيل وكثر القيل)؛ وفي 26 هتور يطلع الفجر بالقلب وهو قلب العقرب، ويقال: (إذا طلع القلب، جاء الشتاء الغرب، وصار أهل البوادي في كرب).

وفي الشتاء؛ في 9 كيهك يطلع الفجر بالشولة ويُقال (إذا طلعت الشولة اشتدت على العيال العولة وكثر بالشيخ البولة)؛ وفي 22 كيهك يطلع الفجر بالنعايم، ويقال (إذا طلعت النعايم، تم الليل للنايم، وقصر النهار للصايم).

وفي 4 طوبة يطلع الفجر بالبلدة ويقال: (إذا طلعت البلدة، فعد للنسا عدة)؛ وفي 30 طوبة يطلع الفجر بسَعْدُ بُلَعَ، ويقال: (إذا طلع سعد بُلع، جمد الماء وامتنع، ويصير في الأرض لمع).

وفي 11 أمشير يطلع الفجر بسعد السعود، ويُقال (إذا طلع سعد السعود، يجري الماء في العود، ولانت الجلود، وكره في الشمس القعود)؛ وفي 25 أمشير يطلع سعد الأخبية ويقال (إذا طلعت الأخبية، اخضرت الشعاب والأودية، وخرجت كل مخبية)؛ سُمِّيَتْ بذالك لأَنها إِذا طَلَعَتْ خَرَجَتْ حَشراتُ الأَرْضِ وهَوَامُّها من جِحَرَتِهَا، جُعِلَت جِحَرَاتُهَا لَهَا كالأَخْبِيَة.

وفي فصل الربيع في 5 برمودة يطلع الفجر ببطن الحوت وهي السمكة؛ ويقال: (إذا طلعت السمكة، نصبت الشبكة، وتعلقت الحسكة)؛ ويقال: (إذا طلع الحوت، خرج الناس من البيوت). وفي 18 برمودة يطلع الفجر بالنطح وهو الشرطين ويقال (إذا طلع الشرطين، اعتدل الزمان، واخضرت الأوطان، وتهادت الجيران، وبات الفقير في كل مكان).

وفي 27 بشنس يطلع الفجر بالدبران ويقال: (إذا طلع الدبران، كرهت النيران، ورمت بأنفسها حيث شاءت الصبيان).

وفي 9 بؤونة يطلع الفجر بالهقعة؛ ويقال: (إذا طلعت الهقعة، تقرض النار البلعة)؛ وفي 22 بؤونة يطلع الفجر بالهنعة ويقال: (إذا طلعت الهنعة، اشتدت الحرة، وحميت الجمرة).

وفي 30 أبيب يطلع الفجر بالطَّرف وهو كوكبان يقال لهما عينا الأسد؛ ويقال: (إذا طلعت الطرفة، هانت للضعيف الكلفة)؛ وفي 25 أبيب تطلع الشعرى اليمانية، ومع طلوعها يكون هبوب الريح السمومية المخففة.

وفي 12 مسرى يطلع الفجر بالجبهة ويقال لها جبهة الأسد؛ ويقال: (إذا طلعت جبهة الأسد، طاب الماء وبرد). وتكلم عن بعض النجوم الأخرى مثل سهيل وهو مازالت بعض الأمثال الشعبية تأتي على ذكره.

و أما عن منازل القمر فلنقرأ من كتاب الجمان من تشبيهات القرآن للإمام أبي القاسم بن ناقيا البغداديّ، المتوفَّى رحمه الله تعالى سنة 485هـ؛ المنازل هي الثمـانية والعشرون منزلاً التي ينزلها القمر في كل شهر، والعرب تزعم أن الأنواء لها، وتسميها ((نجوم الأخذ)) لأن القمر يأخذ كل ليلة في منزل منها حتى يصير هلالاً، وهي منسوبة إلى البروج الاثنى عشر. وفي كل برج من البروج منزلان وثلث من منازل القمر، وهي نطاق الفلك، والفلك مدارٌ لها، وإنما سمي فلكًا لاستدارته. وأول ما يعدون من هذا المنازل: الشَّرَطَان، وهي ما ذكرناه باسم الشرطين.

ولكي نفهم أكثر فلنقرأ قال أَبو عبيد: الأَنواءُ ثمانية وعشرون نجماً معروفة الـمَطالِع في أزْمِنةِ السنة كلها من الصيف والشتاء والربيع والخريف، يسقط منها في كل ثلاثَ عَشْرة ليلة نجمٌ في المغرب مع طلوع الفجر، ويَطْلُع آخَرُ يقابله في المشرق من ساعته، وكلاهما معلوم مسمى، وانقضاءُ هذه الثمانية وعشرين كلها مع انقضاءِ السنة، ثم يرجع الأَمر إِلى النجم الأَوّل مع استئناف السنة المقبلة.

وكانت العرب في الجاهلية إِذا سقط منها نجم وطلع آخر قالوا: لا بد من أَن يكون عند ذلك مطر أَو رياح، فيَنْسُبون كلَّ غيث يكون عند ذلك إِلى ذلك النجم، فيقولون: مُطِرْنا بِنَوْءِ الثُرَيَّا والدَّبَرانِ والسِّماكِ. والأَنْوَاءُ واحدها نَوْءٌ قال: وإِنما سُمِّيَ نَوْءاً لأَنه إِذا سَقَط الساقِط منها بالمغرب ناءَ الطالع بالمشرق يَنُوءُ نَوْءاً أَي نَهَضَ وطَلَعَ، وذلك النُّهُوض هو النَّوْءُ، فسمي النجم به، وذلك كل ناهض بِثِقَلٍ وإِبْطَاءٍ، فإنه يَنُوءُ عند نُهوضِه، وقد يكون النَّوْءُ السقوط.

لم تكتف كتب الأسبقين بهذا العدد من الأمثال، فابن قتيبة الدينوري والذي توفي في نوفمبر سنة 889م. له كتاب كامل في هذا الموضوع أسماه كتاب الأنواء في مواسم العرب؛ تكلّم فيه بالتفصيل عن منازل القمر يشرح فيه أسماءها وتفسيرها وزمان طلوعها ووقتها.

أما الآن فإذا كتبت اسم منزل من هذه المنازل على جوجل فستجد نقاشات في صحف عربية في السعودية والكويت وغيرهما من دول الخليج في أيامنا هذه تناقش هذه الأمثال التي كان يعرفها المصريون يومًا ولم يعد يعرفونها الآن.

لماذا عرفها المصريون وكما رأينا ليسوا المسلمين فقط بل عرفها بل ومن حفظها لنا هو كاتب مسيحي من أسرة مسيحية فلا توجد شبهة أنها مثلا لمحاولة طمس الهوية المصرية المتمثلة في الأمثال الشعبية التي نقولها الآن.

ملحوظة أخرى أن الأسعد ابن مماتي حفظ لنا أمثالًا كثيرة عن منازل القمر ولكنه تجاهل الأمثال عن البطين والثريا والذراع والنثرة والزبرة والزباني وسعد الذابح والفرغ الأول المقدم والفرغ الثاني المؤخر وهكذا يكتمل عددهم 28 منزلًا ولا نعرف هل سقطت هذه الأمثال سهوًا منه أم لم تكن متداولة على لسان المصريين في زمنه، ومع ذلك تحفظ العديد من كتب التراث هذه الأمثال مثل كتاب نثر الدر في المحاضرات في الباب الخامس منه لصاحبه منصور بن الحسين الرازي والذي توفّى عام 1030م والذي كتب هذه الأمثال تحت عنوان النجوم والأنواء ومنازل القمر على مذهب العرب.

ومن أهم الكتب التي ناقشت هذا الأمر وبتوسع وبكثير جدا من التفاصيل كتاب الأزمنة والأمكنة لمؤلفه أبي علي المرزوقي الأصفهاني المتوفي سنة 1030 م.

لم تبدأ رحلتنا بعد مع مفاجآت كتاب قوانين الدواوين وسوف نتابعها في المقالة القادمة بإذن الله.

المصادر:

*كتاب قوانين الدواوين للأسعد بن مماتي، العدد 209 من سلسلة الذخائر؛ الهيئة العامة لقصور الثقافة.

*الأنواء في مواسم العرب لأبو محمد عبد الله ابن مسلم ابن قتيبة الدينوري

*كتاب الأزمنة والأمكنة لأحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني أبو علي؛ دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان

*الجمان من تشبيهات القرآن، لابن ناقيا البغدادي، وزارة الثقافة والإرشاد

*نثر الدر في المحاضرات لمنصور بن الحسين الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.