كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين2 15, 2019 - 4050 Views

القدماء المصريون كانوا موحدين

Rate this item
(0 votes)

د. هناء سعد الطنطاوي

مفتش آثار بوزارة الآثار

تعددت الآراء واختلفت الأقاويل حول أن المصريون القدماء كانوا ما بين عباد أوثان، أوعباد حيوانات، أو أنهم كانوا كفرة لا يؤمنوا بالخالق من الأساس.

ومنهم من يقول أن أول الموحدين وأول من نادى بعبادة إله واحد (إخناتون)،وهو أحد ملوك الأسرة الثامنة عشرة (الدولة الحديثة).

وبدون الدخول في تفاصيل تاريخية ترهق عقل القارىء، سأدخل لك من كتاب الله المجيد الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وتحدث عنها، فلكي تفهم أديان ما سبقوا ابدأ بفهم دينك أنت.

فللإجابة على هذا السؤال دعونا نتأمل آيات القرآن الكريم:

فيخبرنا القرآن الكريم أن الله عز وجل لا يهلك قومًا حتى يبعث فيهم رسولًا، فالهلاك يقع فقط عندما يكون النذير بين القوم، قال تعالى على سبيل المثال وليس الحصر، قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا) القصص: ٥٩

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا) النحل: ٣٦

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (ولكل أمة رسول)  يونس: ٤٧  

وبالتالي نستنتج من آيات القرآن الكريم أن الله بعث لكل الأقوام السابقة رسل وأنبياء لأن العقل البشري حقيقة يعلم بوجود خالق بالفطرة، ولكن الله رأفة بنا بنو آدم بعث لنا من يدلنا عليه. حينما خلق الله الإنسان أراد أن يبني التصور الإيماني على جذور ثابتة في النفس البشرية، لأن الإنسان الذي يفاجأ بهذ الكون وفيه سماء  بهذا الشكل بلا عمد، وتحتها نجوم، وأرض مستقرة، بالله عليك ألا يفكر فيمن صنع هذا؟  فلو أن واحدًا استيقظ من نومه ووجد سرداقًا قد نصب في الميدان ليلا لوقف ليسأل ما الحكاية؟  فما بالنا بواحد فتح عينيه فوجد هذا الكون المنتظم الذي يعطيه أسباب الحياة؟ فكأن الإنسان بقلبه وفكره قبل أن يجئ له الرسول يجب أن ينتبه إلى ما في هذا الكون من آيات، وأن هناك قوة مبهمة وراء قوة هذا الكون، ولكن العقل لا يستطيع أن يدرك أن هذه القوة اسمها الله؟ ومن هنا بعث الله الرسل. ليبلغ عن تلك القوة.

وقبل كل هذا ألم تعلم أننا خلقنا بإيمان فطري، وأننا شهدنا قبل خلقنا بوحدانية الله. 

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) الأعراف: ١٧٢

وحينما تجبر أحد في التاريخ وهو فرعون موسى قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولًا لينا لعله يتذكر أو يخشى) طه: ٤٣ – ٤٤

تأمل قوله تعالى يتذكر، يتذكر ماذا؟ هذه الشهادة من أنفسنا على وحدانية الله، فتلك طفل 4 سنوات يحفظ القرآن كلام ربه قبل أن يدرك من هو ربه، تلك هو الإيمان الفطري فينا.

ولا يشترط لكي نثبت توحيد المصري القديم هو أن نعرف اسم الرسول الذي بعث فيهم، لأن القرآن يعطينا الدليل على وجود أنبياء ورسل بعثوا ولم نعرف عنهم شيئًا، طبقًا لقوله تعالى: قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك)  غافر: ٧٨

فعدد الأنبياء والرسل 124 ألف نبي لن نعرف منهم سوي 25 نبي ورسول.

ومن خلال آيات القرآن الكريم علمنا أن جميع الأمم السابقة التي اندثرت كأنها لم تكن بما فيها حضارة قوم عاد (التي لم يخلق مثلها في البلاد)، وهذا يعني أن الحضارة المصرية دونها بلاشك، ولكن ما بين اندثار حضارة قوم عاد، وبين بقاء الحضارة المصرية القديمة هو بلاشك التوحيد.

فكيف من أطلق على المقابر (مكان الحقيقة، وبيت الأبدية)، غير موحد.

كيف من تصور شكل محكمة الحساب يوم القيامة بأن سوف يوزن قلبه (الضمير، وهو الله)، مقابل ريشة، بديهيًا أن القلب كمضغة سوف يكون أثقل من الريشة، ولكن المصري القديم مثل الضمير (العقل) في القلب وهذا ما ذكره القرآن، قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (لهم قلوب لا يفقهون بها) الأعراف: ١٧٩ ، وكذلك قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (لهم قلوب يعقلون بها) الحج: ٤٦

فالذي في الدماغ هو المخ (brain)، أما العقل (mind) في القلب. كيف من يقول لك أن ضميري كان مستيقظ وحي لدرجة أنه أخف من ريشة يكون غير موحد، ونحن نرى بعدما عرفنا الله، والمرسلين والكتب السماوية نهون على بعض لدرجة نسمع عن جرائم لا يتحمل العقل تصورها.

كيف من نظر إلى الموت كأنه ولادة ثانية من رحم الدنيا، كما كانت الحياة ولادة أولى من رحم الأم غير موحد، ويتمثل ذلك في بداية التحنيط الذي بدأ على شكل جنين.

بل أنظر إلى فكرة التحنيط ذاتها، حقيقة فكر المصري القديم في التحنيط للحفاظ على الجسد، إيمانًا بالبعث مرة أخرى، ولكن يفكر البعض أنه عين الكفر لأنه بذلك لا يريد أن يموت وأن يظل خالدًا، كما يقال بالعامية (دة ماسك فيها)، ولكن لو تأملت آيات القرآن

لوجدت أنك أيضًا ماسك فيها، وأنا وجميع بني آدم ليس حبًا في الحياة، ولكنها الفطرة التي وضعت بنا لتنشأ عمارة الأرض، وتستمر الحياة.

ألم تتذكر ما حدث بين سيدنا آدم وبين إبليس، ألم تتذكر قوله تعالى: قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى). طه: ١٢٠

فجميعنا لا نحب الموت، ونحب الملك (المال والجاه والسلطان)، أنظر حولك وسوف ترى أن هناك مريض لديه عملية جراحية خطرة (عافانا الله وإياكم)، ونسبة النجاح لا تتعدى ال 5%، ومع ذلك يوافق المريض بعملها (تلك هي غريزة الشفاء، وحب الحياة التي زرعت فينا)، وأنظر حولك لتعلم ما توصل إليه الإنسان للحصول على المال والجاة.

ولا تنسى أن إبليس خلق قبلك، ولولا أنك خلقت بهذه الفطرة ما وجد لك مدخل. وهكذا المصري القديم فهو أيضًا من بني آدم، وفطر على حب الحياة، وكأن ما نعيشه (40 أو 50، أو حتى 100 سنة)، غير كافية لتحقيق طموح الإنسان في الحياة، فيتصور أنه سوف يقوم حتى بعد الموت ليكمل طريقه، ويسأل عن أحبائه السابقين، والأولين يسألون عن الأخريين، وهكذا فطرنا على الطموح  في حياة لا تنتهي. فالإنسان يحب الحياة لنفسه، ويحب امتداد حياته في غيره. لذا آمن بالبعث. فقمة الإيمان هو أنه عرف أن الدنيا حياة لها نهاية، أما الاخرة حياة ونعيم بلا نهاية.

فالحياة قصيرة، وفرصها محدودة ، وإمكانياتها محدودة وقليلة، ورغبة الإنسان في نفس الوقت لا حد لها، فكان من الطبيعي أن يفكر الإنسان في وصلة ثانية لحياته الدنيا، ويتخيل حلقة أخرى ممتدة عبر عالم آخر لا نهاية لخيراته، ولاشك أن المصري القديم كان ذلك، فعالمه الآخر به هذا (الجنة والوفرة والخلود).

وإذا كان التاريخ جعل من الملوك والكهنة آلهة وقداسة عند المصرى القديم، فكان المصريون القدماء ينظرون إلى الملك باعتباره إلهًا حيًا، فأنا أرجح أن هذه القدسية لم تكن تعبدية وإنما هى قدسية الإحترام، الإحترام المتبادل بين الضعيف والقوى، بين الأدنى والأعلى، وبين العالم والجاهل وهذا هو ما جعل للمصرى القديم حضارة مادية أساسها حضارة معنوية وهي حضارة الإحترام والضمير.

وقيس على هذا ما يحدث الآن، فبعض العلماء فى صراع لإثبات وجهة نظره، حتى العالم يحقر من الجاهل، والجاهل يتفه من العالم، ومن هنا عمت الفوضى واندثرت الحضارة.

ولكن يبقا السؤال جاء الكثير من الأنبياء والرسل لأرض مصر، لماذا وصل إلينا كل هذه الأسماء للمعبودات وكان الرسل قد عاشوا بمصر وبالفعل يكونوا عرفوا عادات أهلها. وبالتالى لا يوجد إجابة إلا أنهم وجدوا أن المصريين القدماء شعب موحد ولا يوجد مشكلة في تعدد أسماء وصفات الإله، مدام الجوهر هو التوحيد والإيمان بوجود الله، ونزاهته من أي شريك.  وأنا أؤكد لك لو أن القرآن الكريم لو لم يتعهده الله بحفظه، لوجد لدينا 50 ألف نسخة وصيغة مختلفة من آيات القرآن.

فخلاصة القول لو أن المصري القديم لم يصلنا عنه سوى أنه آمن بالبعث والحساب والعقاب فهو كافي ليثبت أن المصري القديم كان من الموحدين وليس أول الموحدين.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.