كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين2 23, 2019 - 499 Views

الريجيم في مصر القديمة

Rate this item
(0 votes)

كتبت د. هناء سعد الطنطاوي

مفتشة آثار بوزارة الآثار

إن الشعور بالجمال كان المحرك الأول للمصري القديم، والذي تمثل في إبداع هذه الحضارة، التي أظهرت حرص المصري القديم على إضفاء اللمسات الجمالية في شتى مناحي أنشطتهم المعمارية أو الفنية بل وفي حياتهم اليومية داخل منازلهم. فالجمال لغة ما يؤثر في النفس البشرية وينعكس عليها ماديًا ومعنويًا.

ومن هنا يرى البعض أن الفن المصري القديم مال إلى المثالية في تمثيل الجسم الممشوق للرجل والمرأة، ولكن ترى الباحثة أن هذا الفن لا يمكن أن يخرج بهذه الدرجة من الجمال إلا من أناس عشقوا الجمال، فحافظوا على الجسد من الإفراط في الطعام، حيث كان المصري القديم يعتقد أن لكل غذاء شيئًا زائدًا، ومتى تجمعت هذه الزوائد في الأمعاء، سببت أمراضًا كثيرة. فالصورة تعبر عن حقيقة صاحبها، فمدامت الصورة كاملة، فلابد أن يكون صاحبها كاملًا.

فبالمقارنة بين أنظمة الريجيم الحالية وبين النظام الذي اتبعه المصري القديم في غذائه سواء عن قصد أم صدفة ولو إنى لا اعتقد أن هؤلاء العظام فعلوا شيئًا صدفة نجد أن ما يسمى اليوم ريجيم عرف عند المصري القديم بالقناعة.

فقد تمتع المصري القديم بحياته فأنتج مختلف أنواع الطعام، فعاش مرفهًا حينًا، ومعتدلًا حينًا آخر. فيلاحظ أن المصري القديم أكل كافة المأكولات من السكري منه للمالح منها، ولكن الفرق بيينا وبينهم هي ضبطته لكمية طعامه فأخذ النافع من فيتاميناتها ومعادنها وترك مضارها بعدم الإسراف في تناولها. 

فاعتمد المصري القديم في غذائه على الخبز والجعة، كما عرف العديد من البقوليات مثل الفول والحمص والعدس الذي قال عنه هيرودوت أنه كان غذاء العمال الذين اشتغلوا في بناء الأهرام، وكذلك أنواع عدة من الخضراوات، مثل البازلاء، والخس والثوم والبصل والكرات واللفت، والخيار، والفجل الذي وجد رسمه في بعض المناظر، وعثر على فجلتين في مقابر كاهون، أما عن الفاكهة فتوضح المناظر أنه عرف التمر والعنب والرمان والجميز والبطيخ والبرقوق. كما أنه عرف الزيوت النباتية (مستخرجة من بذور النباتات) مثل زيت السمسم (الزيت الحار)، وزيت الخروع وغيره، بالإضافة إلى الكمون والكثبرة والينسون والقرفة والحلبة والزعتر والشمر. يمكن القول بأن التغذية على هذا النحو، كانت صحية، ولا بأس بها إذا تناولها المرء بانتظام وبكميات مناسبة.

طريقة الطهى

لا شك أن طريقة طهي الطعام عند المصري القديم ساعدته كثيرًا على الحفاظ على جسده، فكانت طرق الطهي لديه ثلاث طرق جميعهم صحيين جدًا، وهم الشواء، والطعام المسلوق، وطريقة التخفيف.  وهذه طرق الدايت الحالي.

الشواء

فكانت طريقة الشواء هي إدخال عصا في فم الطائر أو السمكة حتى جوفه، ثم توضع فوق النار، وكان الطاهي يمسك باليد الأخرى بمروحة يحركها حتى تستمر النار في اشتعالها، أما اللحوم فكانت تشوى على هيئة شرائح (نفس ما نفعله الآن).

الطعام المسلوق

كان المصري القديم يضع قدرًا ممتلئًا بالماء فوق النار، ليضع بداخله الطيور أو الأسماك أو اللحوم، وأيضًا لمعرفة المصري القديم لفائدة الدهون والشحوم ولصلاحيتها في إعداد الطعام. كان الدهن يوضع داخل القدر ليطهى ما بداخله من طعام متبل، وفي المطابخ الكبيرة كان الطاهي يساعده أحد الأشخاص تقتصر مهمته على المحافظة على اشتعال النار أسفل أواني الطهى.

طريقة التجفيف

فكان المصري القديم يجفف الأسماك تحت أشعة الشمس (مثل طريقة عمل الرنجة اليوم)، وأحيانًا كان يضعها في أواني، ويضيف إليها الملح والتوابل لتؤكل مملحة بعد ذلك.  كذلك البط وبعض أنواع الطيور، تملح وتؤكل فيما بعد (السوشي حاليًا).

فكان النظام الغذائي للمصريين أقل ثراء بالدهون من نظامنا.

آداب تناول الطعام عند المصري القديم

أفصحت لنا بعض النصائح التي عثر عليها في النصوص الأدبية، كيف تعامل المصري القديم مع الطعام والذي بني على التوسط بين الشبع والجوع.

ففي نصائح مدونة لشخص يدعي "كاجمني" (إذا جلست مع أناس كثيرين للأكل فانظر إلي الطعام بلا مبالاة‏,‏ وإن كنت تشتهيه فإن ضبط النفس لا يكلف الإنسان أكثر من لحظة، وإنه لمن العار أن يكون الإنسان شرهًا، فقدح الماء يروي الغلة)‏.‏

ويقول أيضًا

إذا جلست مع إنسان شره، فلا تأكل إلا بعد أن يفرغ من وجبته، وإذا جلست مع سكير، فلا تأخذ من الشراب إلا بعد أن يشبع شهوته، ولا تتكالبن على اللحم، فخذ حينما يقدم لك، ولا ترفضها، وفكر في أن ذلك يريحه (المستضيف).

ويقول أيضًا الحكيم خيتي بن دواوف لابنه:

كن قنوعًا بطعامك إذا كان يكفيك ثلاث أرغفة، وشرب قدحين من الجعة، فإذا لم يكن بطنك قد اكتفى بعد، فحاربه.

وقال الحكيم آني لولده

 إذا طعمت ثلاث كعكات، وشربت قدحين من الجعة، ولم تقنع معدتك فقاومها، ما دام غيرك يكتفي بالقدر نفسه. 

فآداب الطعام عند المصري القديم تتلخص في أن يكون الشخص عفيف النفس. ولا تحمل معدتك ما لا تطيق، لأن الغذاء الزائد عن الحاجة يولد الأسقام (أمراض السمنة)، بل والإستغناء عن بعضه يكفل العافية.  فلا شك أن شكل الجسد يفصح عن طريقة الشخص فى تناول طعامه بل ونوعيته.

مواعيد الطعام

كانت وجبات الطعام ثلاث وجبات، كانت الإفطار والغداء رئيسيتين، أما العشا فكان يقتصر على وجبة خفيفة ما بين الساعة الرابعة، والخامسة.

ينصح أخصائي التغذية الآن عدم العشاء بعد الساعة الخامسة لأن الحرق بالجسم يتوقف بعد هذا الوقت، فبالتالى الطعام يتحول إلى دهون. وبل وهناك مقولة الآن تلخص ما فعله المصري القديم في التعامل مع معدته وهي (افطر فطار الملوك، واتغدى غداء الأمير، واتعشى عشاء الفقير)، وهناك مقوله أخري (إعطي عشائك لعدوك). تختصر خطورة العشاء والذي تجنبه المصري القديم.

ومما ساعد المصري القديم من التخلص من الوزن الزائد أيضًا عدم وجود السكر (السم الأبيض)، فخبراء التغذية يؤكدون أن الجسم مسموح له فقط بمعلقتين من السكر يوميًا، وذلك يجب أن تحوله الإنزيمات إلى جلوكوز قبل أن تستعمله خلايا الجسم وقودًا، أما المصري القديم استخدم العسل الأبيض وهو يمتص مباشرة في الدورة الدموية.  كما أن العسل يحتوي على سكر الليفوز الذي يهضم ببطء، وعلى ذلك يحتفظ بمستوى الجلوكوز في الدم لفترة أطول من السكر العادي.  علاوة على أن عسل النحل لا يسبب نخر العظام أو تسوس الأسنان كالسكر العادي.

إضافة إلى ذلك التعرض للشمس بطبيعة العمل في الأرض فى موسم الزراعة، وفي بناء الأهرامات والمعابد في باقى الفصول كان له دور كبير في رشاقة أجسادهم، فالمعروف أن التعرض للشمس يحول الماء وثاني أكسيد الكربون داخل أجسامنا إلى مواد سكرية ونشوية فهذا غذاء طبيعي رباني كما يقال بالعامية (حين نتشمس ... نشبع).

علاوة على ذلك المجهود البدنى والعضلي لكل فرد رجل أو إمرأة أو شاب أو فتاة، فالكل كان يعمل، وبالتالى حرق الدهون، وبالتالى جسم ممشوق.  فللأسف حاليًا تطورت التكنولوجيا في كل شئ، فلم يعد بذل مجهود، ولا ممارسة الرياضة على الأقل المشى، وبالتالى السمنة، وأمراض الفاصل، والظهر وغيرها.

كما كان الجنود يقومون بالتدريبات الخاصة بهم من حركات وجهد على معدة خاوية دون ارهاق المعدة بالإمتلاء، ويبقون كذلك مدة القنص أو الصيد أو القتال، والحروب، وهذه الطقوس تجعل الأمعاء فارغة، وإلى تصريف النفايات من الدم بالعرق المفرز، مما يجعل المقاتل ممتعًا بحالة من سلامة الجسم والدم، وكذلك العقل يصبح أكثر نشاطًا في القتال.  وأشد مقاومة للأمراض وأقل تعرض لاختلاطات الجروح إذا أصيب بها.

وقد ذكر هيرودوت أن المصريين القدماء قد اهتموا بصحتهم وبأجسادهم على وجه الخصوص عن طريق نظام حياتي يومي، وأحيانًا عن طريق فترات راحة تستغرق ثلاثة أو أربعة أيام وذلك باستخدام الحقن الشرجية، والمسهلات في وقت معين كل شهر تقريبًا، لأنهم كانوا يعلقون أهمية كبرى على الأمعاء وخروج المواد البرازية من الجسد أثناء المرض.  أو اللجوء إلى الصيام والإمتناع عن تناول الطعام أو بتناول عقاقير القيئ، فهم يرون أن معظم الطعام الذي يتناوله الإنسان زائد عن الحد، وهو السبب في كثير من الأمراض.

وقد أثبت العلم الحديث أن أكل أكثر يساوي موت أسرع. لعل هذا ما يفسره حديث الرسول (ص) (صوموا تصحوا). فمن سنن النبي (ص) صيام الثلاث أيام من منتصف كل شهر عربي 13، 14، 15، والإثنين والخميس، وغيرهم من أيام السنة، وذلك للحفاظ على الجسد، وتنقيته من الخلايا الميتة، وخلق خلايا جديدة، علاوة على حرق الدهون بشكل أسرع.

حقيقة لم يترك الأوائل شيئًا من الفضائل للأواخر.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.