كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون1 26, 2019 - 500 Views

من آثارنا المنسية (معبد بهبيت الحجر)

Rate this item
(1 Vote)

د. هناء سعد الطنطاوى

مفتش آثار

يقع معبد بهبيت الحجر بقرية بهبيت، والتي تبعد حوالي 8.5 كم شمال مدينة سمنود، على الطريق بين سمنود وطلخا حاليًا في محافظة الغربية، وقديمًا كانت إحدى مدن الإقليم الثاني عشر من أقاليم مصر السفلى والمعروف باسم (ثب نثر Tb nTr)، وحظيت قرية بهبيت بأهمية كبيرة في العصرين المتأخر والبطلمي، إذ كانت أحد المراكز الهامة لعبادة الثالوث الأوسيري عامة والمعبودة إيسه بصفة خاصة التي يقترن اسم المدينة بها في العصرين البطلمي والروماني. كما أنها المركز الوحيد في الدلتا لعبادة أوسير إمام الأحياء، وملك الآلهة.

اسم بهبيت في النصوص المصرية القديمة:

جاءت بعدة أسماء منها نثرو nTrw، وحبيت Hbyt، ودمي إن آست dmi- n- Ast، ذلك فضلًا عن أسماء معبدها وحرمه ومحاريبه كل باسمه الخاص.

        ويرى د. محمود الجزار أن مدينة بهبيت كان لها من القداسة ما يجعلها في مكانة مساوية لمدينة أبيدوس، فيرجح أن بهبيت كانت مركزًا مهمًا من مراكز الحج في مصر القديمة، فبينما كانت أبيدوس مركزًا مهمًا لحج الجثمان الملكي بعد الوفاة، حيث يرقد جثمان (أوسير) إمام الغربيين، كانت تقابلها (بهبيت) كمركز مهم للحج الملكي أثناء حياته على الأرض حيث يوجد أوسير الحي كملك للآلهة، وقد بني وجهة النظر هذه من خلال نص من عصر الرعامسة

Wsir xnty imnty m Abdw Ast m nTrw

أوسير إمام (أول) الغربيين في أبيدوس، وإيسه في نثرو (بهبيت).

المعبد :

تضم قرية بهبيت الحجر بين جنباتها ركام معبد ضخم من الجرانيت الوردي والأشهب، نقوشه بالغائر والبارز يرجع تاريخه لعده عصور متتالية، وأقدم كتلة لدينا عليها نقش باسم الملك (رعمسيس الثاني)، من الأسرة التاسعة عشر، يليها بعض الكتل عليها اسم الملك (نخت حر حبيت) أو نختبو الثاني من الأسرة الثلاثين، بينما تنتمي معظم أحجار المعبد المتاحة إلى العصر البطلمي حيث يظهر على معظمها اسم الملك (بطلميوس الثاني)، والبعض الآخر عليها اسم الملك (بطلميوس الثالث)، وزوجته (برنيكي الثانية)، وعلى الرغم من تهدم المعبد إلا أن مجموعة الكتل المتاحة حاليًا، تعكس بوضوح تكامل معظم هذه الكتل، بما يشكل أجزاء من جدران، ويمكن إذا ما كشف عن بقية الكتل أن تتكامل جميعًا لتقدم نموذج معبد متكامل للمعبد البطلمي الذي كان قائمًا قبل تهدمه مباشرة، والذي أرجعه العلماء بسبب الزلازال الذي حدث في القرن الأول الميلادي.

        ويعتبر هذا المعبد فريدًا من حيث مادة البناء، فهو الوحيد المبني من الجرانيت الأشهب والوردي، والذي توجد محاجره بالقرب من أسوان، بما يؤكد على أهمية هذا المعبد في مختلف العصور. وأن قرية بهبيت قد لاقت من الإهتمام والرعاية من ملوك مصر في العصر الفرعوني ثم العصر البطلمي ما لم تلقاه مدينة أخرى في الدلتا في ضوء معلوماتنا الآثرية حتى الآن.

الكتل الآثرية بالمعبد:

تبين من خلال دراسة الكتل الآثرية  التي تنتمي للعصر الفرعوني على الرغم من ندرتها بالنسبة للكتل البطلمية، إلا أنها ترجح أنه كان هناك معبدًا في العصر الفرعوني  قد تحطم قبل عصر (نخت حر حبيت)، والذي أعاد بناؤه، ولكن بطلميوس الثاني هو الذي استكمل البناء، وشرع في زخرفته، وإن العمل لم ينته أثناء حياته، وأن خلفه بطلميوس الثالث وهو الذي أنهى البناء وزخرفته أثناء حياته، وأضاف إليه ووسعه.

     كما يتضح من دراسة المناظر المصورة على هذه الكتل أن الإلهة إيسة هي المعبودة الرئيسية للمبنى، وأن حور الطفل وأوسير الحي هما طرفا الثالوث، ولعل ضخامة الأحجار وسمكها يؤكدان أن معبد إيسة كان من أضخم المعابد، بل من المرجح أنه كان أكبر مراكز عبادة إيسة في الدلتا على مدار التاريخ المصري القديم، على الأقل منذ الدولة الحديثة حتى العصر البطلمي.

        كما يتضح من الدراسة أن تقنية الزخارف والنقوش جاءت في معظم الأحيان بأسلوب النحت الغائر، وبعضًا منها جاء بالنحت البارز، وهي تماثل التقنيات التي نفذت بها معابد معاصرة في مصر العليا خاصة معابد فيلة.

        وأن الطقوس التي صور البطالمة يؤدونها في هيئة ملوك مصريين إنما تؤكد حرص كلًا من بطلميوس الثاني والثالث على الظهور بمظهر ألفه المصريون لحكامهم، وذلك ليضمنوا ولائهم، ويخضعوهم لسيطرتهم على الأقل حتى لا يستثيروا حفيظتهم، خاصة أن البطالمة جاءوا للحكم بعد فترة سيادة الفرس، وهم لم يحرص أي من حكامهم على احترام عقيدة المصريين ، بل إن كثيرًا منهم تجرأ على معبودات المصريين، لذا فليس من المستبعد أن البطالمة كان عليهم ترسيخ حكمهم باحترام عقائد المصريين، ورعاية معابدهم، وأن يؤدوا كما كان الملوك الفراعنة يؤدون.  وينعكس اهتمام البطالمة في التودد للمصريين بأنهم جلبوا الجرانيت اللازم لبناء المعبد  وهو حدث فريد لم يتكرر في الدلتا.

        كذلك مجموعات الكتل التي خضعت للدراسة  بعضًا منها يتكامل فيما بينها لتمثل أجزاء من جدار، والبعض الآخر يتكامل أيضًا من حيث النقوش ولكنها لا تكتمل، وعلى الرغم من عدم تيسر وضع تصور عام لتخطيط المعبد قبل الهدم، إلا أن تكامل بعض هذه الكتل معًا يحقق بشكل علمي وواقعي احتمالات مواضع هذه الكتل في الجدران، وموقع هذه الجدران، بالنسبة لتخطيط المعبد بصفة عامة، ولكنه لا يصل لليقين، ما لم يكشف عن بقية الكتل الحجرية والوصول لمستوى أساسات المعبد، ومنها تجميع جميع الكتل معًا من خلال تكاملها من حيث النقش والصورة والتقنية.

        كما تبين للدراسة التحليلية للمناظر المصورة أنه على الرغم من الطابع المصري التقليدي، فإن الموضوعات  تعتبر امتداد للعصر الفرعوني، وتساير نظيرتها في معابد مصر العليا من الفترة نفسها، إلا أنها جاءت بسمات جديدة خاصة تلك الكتل التي تنتمي للعصر البطلمي، فتتطابق التطورات التي حدثت للفن المصري في العصر البطلمي، كما أن الشعائر التي يؤديها الملوك البطالمة هي نفسها التي أداها الملوك المصريين من قبل، وأن التغير جاء ظاهريًا في أسلوب التصوير فقط.

خلاصة القول أنه ليس من العسير إعادة بناء هذا المعبد، وحقيقة أنه يحتاج لجهد ضخم، ومال كثير، وقد يستغرق سنوات عديدة، ولكنه سيكون حدث هام في الأثار المصرية عامة، ومنطقة الدلتا خاصة، لذا توصي الباحثة بمحاولة الحفاظ على تلك النقوش وإنقاذ ما يمكن إنقاذه لحين عمل مشروع لإعادة بناء هذا المعبد، حتى نجد ما يفيدنا منه إن حدث حقًا هذا المشروع.  على الأقل حماية المناظر الجيدة، بوضعها في أماكن بعيدة عن العوامل الطبيعية التي تؤثر بشكل سلبي على المنظر وتدمره، أو وضع زجاج بتقنية معينة للحفاظ على تلك المناظر.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.