كاسل الحضارة والتراث Written by  شباط 01, 2020 - 548 Views

التنويم بالإيحاء في مصر القديمة

Rate this item
(0 votes)

كتبت د. هناء سعد الطنطاوي

يعتبر العلاج الإيحائي أقدم طريقة من طرق التداوي الروحي للأمراض، إذ يعود تاريخه إلى عهد الإنسان البدائي في أول تدرجه نحو المدنية، حيث كان ممتزجًا بالسحر والشعوذة.

 وما زالت بعض الشعوب البدائية إلى اليوم تربط التداوي الإيحائي بشعوذات دينية أو سحرية، وذلك لطرد الأرواح الشريرة المسببة للأمراض (خاصة النفسية والعصبية).

والتنويم بالإيحاء: هو علم من العلوم القوية التي تساعد الإنسان على مواجهة المشاكل والتحديات النفسية. كما أنها تساعده على التخلص من العادات السلبية التي تهدر طاقته، وتحولها إلى عادات إيجابية تزيد من قدرته على تحقيق أهدافه، ومن فرصته أن يعيش حياة أفضل.  وهو حالة طبيعية فكل الإبتكارات التي ابتكرها الإنسان حدثت في مرحلة الألفا، فبدون هذه المرحلة لم توجد ابتكارات، ولكان الوجود مستحيلًا، وهذه من ضمن نعم الله علينا، والذي يؤكد أنها حالة طبيعية، نجد أنه قبل أن يحدث النوم، ندخل أولاً في أوائل الألفا حيث نكون في البيتا ثم نتعب أو نرتاح تدريجيًا ثم تبدأ العينان في الإقفال وتفتح ثم تكرر ببطء ثم أبطأ ثم يحدث تجمد، وعندما تدخل في هذه المرحلة تكون قد أنهيت البيتا، وبدأت تدخل في الألفا، ثم يتغير تركيزك تمامًا يكون داخليًا، ثم تذهب إلى عالم ثاني، وهنا تكمن مرحلة الألفا. وهذا يثبت أنها حالة طبيعية وبدونها لا نستطيع النوم ولا الراحة.  وهذه المرحلة أيضًا موجودة طبيعيًا في الصلاة إن كنت تصلي بخشوع (وصدق سيد المرسلين حين قال أرحنا بها يابلال).

ويعمل التنويم بالإيحاء على الوصول إلى إحدى مراحل النوم الطبيعية التي تحدث لكل إنسان، وهي حالة (ألفا)، التي تسبق النوم العميق مباشرة، وهي مرحلة تتميز بالسكون التام، وفيها يتم برمجة العقل اللاواعي باستقبال رسائل إيجابية يطلقها المعالج عن طريق الإيحاء بالكلمات المناسبة، والتي تسمى بالإقتراحات.

ويستعمل التنويم بالإيحاء في علاج الكثير من الحالات النفسية مثل (الإحباط والتوتر، الإكتئاب...إلخ). وأيضًا العضوية حيث يستخدمه بعض الأطباء للتحكم في الألم.

وأصل كلمة تنويم: هي كلمة مستمدة من مشتقات كلمة نوم.

وكان لقدماء المصريون معابد كثيرة  كمعبد إيزيس حيث كان يؤمه المرضى للتداوي وينامون في المعبد، وكانت أحلامهم في تلك المعابد واسطة من وسائط التداوي الروحي لأمراضهم، وزادوا أنهم كانوا يوصون المريض بالصوم عن الأكل واستخدام الحمامات الساخنة، والتدليك بالمسح بالأيدى والتفوه بكلمات غامضة مبهمة مع بعض الحركات الغريبة، ويقوون آماله في الشفاء بروايات عن مرضى كان يشكون مثل مرضه وسبق أن عولجوا في المعبد وشفوا تمامًا.

وأطلق على الساحر أو الطبيب الكاهن اسم ساو (sAw)، وهم طائفة كانوا يستخدمون الوسائل النفسية مثل التعازيم والأحجبة والفنون السحرية، وكان لهم آثر كبير في شفاء الأمراض التى كانت تحتاج إلى علاج نفساني أو روحاني.

وعلى هذا احتوت البرديات على ثلاثة أنواع من العلاج وهي العقاقير والجراحة والتعازيم.

 وعلى هذا فقد كان الإلتجاء إلى الإله مع تلاوة النصوص الدينية نوعًا من الإيحاء النفسي وقصد به الاهتمام بالمريض وبعلاجه، فقد كان قدماء المصريين إذا ما أصابهم مرض مستعصي عمدوا إلى القربان والعبادة، والبخور والرقى، وهو ما أطلق عليه حديثًا العلاج بالتنويم الإيحائي.

فيقول ابن سينا (إن قوة الفكر قادرة على إحداث المرض والشفاء منه، وأن للفكرة قوة مؤثرة، ليس على جسم الفرد نفسه بل على أجسام الأخرين، وأحيانًا يحدث هذا التأثير عن بعد، ويعتقد ابن سينا أن هذه القوة تحدث المرض، كما أنها تستطيع إحداث الشفاء بإن الله).

ويحضرني في هذا المقام القول الشعبي (لا تسم بدنك)، أى لا تعكر مزاجك لئلا ينعكس ذلك على صحتك.

والتنويم الإيحائي يأتي من تركيز البصر على شىء معين، فالإرهاق المستمر لحاسة البصر يشد مراكز العصب البصري مفسحًا المجال لحالة شبيه بالنوم.

صدقت ربي (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)، ويلاحظ دقة التعبير القرآني (تبصرون)، وليس (تنظرون)، دليل على التعمق في الفكر والتأمل في جمال صنع الله.

فإجمالًا بين التنويم الإيحائي في مصر القديمة، وما أثبته العلم الحديث، أن هذا العلاج يمكن أن نطلق عليه (المخدر فكري). فالأن يستخدم التنويم بالإيحاء لتنظيف الماضي ثم بعد ذلك ننظم الحاضر، ثم نبني المستقبل. حيث يجعلك تغير معتقداتك، كما يعزز العلاج بالتنويم بالإيحائي القدرة على الإستقلال والقدرة على مواجهة المشاكل، بالإضافة إلى زيادة التغلب على العديد من المشكلات النفسية والتعامل معها بصورة صحيحة.

فالعلم الحديث أثبت قوة الخيال والتخيل في مجال العقل، فهو قوة روحية تصقل التصورات الموجودة، وتربطها مع بعضها البعض، وتصنع حقائق لا وجود لها دون أن تستعين بالقوانين أو بالعالم الخارجي، وانظر حولك وسوف تجد ما هو واقع الآن كان يومًا خيال ( والفون، الفيس، والنت، واليوتيوب، والصعود للفضاء وغيره.)

خلاصة القول أن المصري القديم عرف معنى الحياة، وأنها تعني اتصالك مع نفسك، ثم مع الآخرين، فعندما تتصل بنفسك بطريقة صحيحة ستتصل بالناس بطريقة صحيحة، وإن لم تعرف كيف تتصل ستصبح مذبذبًا، مرة منضبطًا، ومرة سيئًا، إلى أعلى وإلى أسفل، وذلك لأنك من داخلك غير متزن، فالتنويم بالإيحاء يصل بالشخص إلى مرحلة الإسترخاء حيث يكون المخان الشمال واليمين متزنين بنفس درجة الراحة. فالعقل هو جالب الشفاء أو المرض ، النجاح أو الفشل.

فالمصري القديم عرف أن عدوك الداخلي وهو نفسك لو انتصرت عليه، فلم يستطع العدو الخارجي إيذائك.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.