كاسل الحضارة والتراث Written by  شباط 06, 2020 - 262 Views

الأساطير المصرية القديمة ما بين الحقيقة والخيال

Rate this item
(0 votes)

كتبت د. هناء سعد الطنطاوي

مفتش آثار بوزارة السياحة والآثار

منذ بداية الخلق، وجميع شعوب الأرض لديها نظرية وتصور عن الإله ولا زال ذلك مستمر حتى الآن. فلقد تناول القرآن المسألة الكونية من بدايتها إلى نهايتها حتى لا يترك بعد ذلك أي نقطة دون توضيح.  ولا يترك أي سؤال دون إجابة.  بداية من السؤال عن خلق الإنسان ومهتمه في الدنيا إلى يوم القيامة، كل ذلك أراد الله للقرآن أن يغطيه وأن يشرحه حتى يتحقق للقرآن أنه المهيمن على كل الكتب السماوية، ولو أن المسألة مجرد رسالة فهي وصلة فى حلقة من حلقات الإنزال السماوي، ولو كان الأمر كذلك لأكتفى الله في القرآن بأن يأتي الزائد فقط في منهجه. فتكمن معجزة القرآن أنه جاء بكل المسائل من أساسها.  بل وغطى كل المسائل والأسئلة التي يمكن للعقل البشري أن يخوض فيها.

فنتأكد ما قامت حضارة أمة في تاريخ الإنسانية إلا على هدى، أو بصيص نور من الحضارات السابقة، فجميع الحضارات ابتدءًا من العصر الحجري قد نشأت بحضارة سابقة ألا وهي حضارة السماء التي أسسها الخالق عز وجل، وعاش فيها سيدنا آدم أول مخلوق بشري مع زوجته حواء، فاستعان بما علمه له ربه ليؤسس أولى حضارات البشرية.  لذلك بنيت جميع الحضارات على شئ من التقديس لمعبود خالق واحد وهو الله سبحانه وتعالى.

فدعونا نخوض لنتقابل بفكرنا مع فكر المصري القديم عن نظرته ونظريته في الخالق عز وجل، وما قصة الأساطير والخيال في حياة المصري القديم. لم نخوض في الديانة المصرية القديمة ولكن سنأخذ بعض منها ونربطه بما جاء في أثرنا الديني.

كان المصريون القدماء يعتقدون أن الأرض والخلائق قد خلقوا من جوف الماء، وأطلق على ذلك الماء (نون)، وترى الأساطير المصرية القديمة بأن الإله الخالق خلق نفسه بنفسه، ثم أخذ يخلق العالم، فكانت فكرة خلق الكون في الفكر المصري القديم هي بداية ظهور المياة الآزلية التي سبق ظهورها ظهور كل الخلائق. ألم يتفق هذا مع قوله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

(وجعلنا من الماء كل شىء حي). الأنبياء: ٣٠

فهذه الآية أعطانا الله سرًا من أسرار الحياة وهو الماء.

وهي حقيقة علمية يعترف بها العالم أجمع، فالصور الحديثة التي تلتقط بالأقمار الصناعية وسفن الفضاء، يستطيع العلماء أن يتنبأوا إذا كان في هذه الكواكب حياة أم لا، فبمجرد علمهم بأن الصور لا تدل على وجود الماء على سطح الكواكب فإنهم يؤكدون أنه لا حياة فيه. وإذا كان هناك ما يشير إلى وجود ماء تحدثوا عن احتمالات الحياة.

وفي أجمل الآيات يقول الله في بدأ الخلق: (وكان عرشه على الماء). هود: ٧

ولنا ان نأخذ في الإعتبار أن أول ما خلقه الله هو الماء، وأول شئ وجد أزلا في الفكر المصري القديم هو الماء ثم خرج منه الإله، فليس عجبًا أن الماء مذكورًا في القرآن في 64 موقعًا على أنها نعمة كبري يمن بها الخالق على عباده.

وإذا اعتبرنا الآية تعبيرًا بالمجاز عن عظمة الماء، فالمعنى واضح فقد رأينا أن الحياة كلها عبارة عن محلول مائي، وأن الماء هو وسيط الفعل الإلهي في المخلوقات جميعها، فعرش الله وسلطانه وقبضته تتم كلها من خلال الماء.

أما إذا وقفنا عند الحروف واعتبرنا المعنى لغزًا مما لا يعلمه إلا الله، فإنه منتهى التشريف أن يجئ ذكر الماء مقترنًا بالعرش الإلهي.  ألم يكشف لنا البحث المجهري كيف أن نقطة ماء من مستنقع يحتشد فيها عدة آلاف من أصناف الأحياء، وعدة ملايين من الكائنات الدقيقة من فيروسات وبكتيريا وفطر وطحلب، شعوب وممالك وأمم من الكائنات يأكل بعضها بعضًا وتتعايش وتتعامل وتتنافس وتتسابق، وكل ذلك في نقطة ماء من مستنقع على كوكب هو ذاته أصغر من هبأة في هذا الكون الواسع.

حقا ما أحفل كلمات الله بالأسرار حينما ترتلها القلوب، وتتأمل العقول (وكان عرشه على الماء).

ونون الذي ذكرها المصري القديم بالماء الأزلي هو عند الصوفية هو بحر نور الأزل الذي بدأ منه كل شئ، وأول قبضة من هذا البحر كان النور المحمدي، ما هذا التشابة هل درس الصوفيون الفكري المصري القديم لتتشابه أفكارهم. أم أن المصريون القدماء كانوا متصوفون، أم أنها الفطرة التي خلقنا بها وهي معرفة الخالق جل في علاه.

ونون كرمز وحرف هو الدواة التي جاءت منه كل الكلمات (كلمات الله التي لا تحصي)، ولذلك يذكر القرآن الحرف (ن) مرتبطًا بالقلم. قال تعالى أعوذ بالله من لشيطان الرجيم (ن والقلم وما يسطرون). القلم: ١

أليس بغريب أن المصري القديم ذكر كلمات وحروف من القرآن بل وتحمل نفس المعنى والفكر الذي وصلنا الآن، لا يمكن أن يكون هذا صدفة، فنحن جميعا من أول الخلق إلى آخرة في قبضة إله واحد.

وإذا كان المصري القديم مثل المعبودة نوت إلهة السماء، والمعبود جب إله الأرض ويفصل بينهما المعبود شو إله الهواء ألا يتفق هذا مع قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (أن السموات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما)  الأنبياء: ٣٠

فهذا يستحيل توصل بشري له من تلقاء نفسه إلا إذا جاء له من علمه وعرفه بربه.

والآن معروضة جائزة نوبل لمن يقدم تصور لشكل الكون قبل فصل السماء عن الأرض، وإذا نظرت لنظريات الخلق في الفكر المصري القديم نلاحظ أنه يبحث عن ما قبل الخلق، قبل السماء والأرض، فيعطوها للمصري القديم فقدم بدل تصور واحد أربعة. عجبت لبني آدم يفكرون فيما قبل الخلق، في حين لو تأملت لوجدت المخاطرة التي تخبل العقل هي قصة الحياة بعد نشأتها.

كما قالوا أن الإنسان يتكون من البا والكا، ترجم البعض الكا على أنها قرين ولكنها تعني (النفس)، فالإنسان هو اجتماع النفس والروح في الجسد. فكلمة قرين في القرآن دائما مقرونة بالجن، فالقرين هو الجن، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين) الزخرف: ٣٦

وقال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وقيضنا لهم قرناء، فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم) فصلت: ٢٥

والله يقول عن النفس (الله يتوفى الأنفس)، والروح لا تفنى بالموت قال تعالى (ويسألونك عن الروح قل أنها من أمر ربي)، وتصور أن البا (الروح)، طائر برأس بشرية، ويظل رابضًا عند قبر الميت حتى يبعث حيًا، واعتبر الكا (النفس) شخصية الإنسان البشرية بعد موته ودفنه بمقبرته، لهذا صور المصري القديم النفس (الكا) على هيئة إنسان.

فما قصة البا (الروح) التي صورت بهيئة طائر برأس بشرية.

من حديث كعب بن مالك (إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله تعالى إلى جسده يوم يبعثه). وفى هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص)، لما أصيب إخوانكم يوم أحد، جعل الله أرواحهم في أجوف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل ثمارها ، وتأوى إلى قناديل من ذهب في ظل العرش.

والمعبود خنوم الذي يشكل الإنسان على عجلة الفخراني ألم يتفق عمله مع اسم الله المصور.  بل ألم يتفق هذا مع قوله تعالى على سبيل المثال وليس الحصر، قال تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون) الحجر: ٢٦

كما قال تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (خلق الإنسان من صلصال كالفخار) الرحمن: ١٤

ولكن كيف هى حضارة تعددية فى ظاهرها، وحضارة توحيد فى باطنها؟

لابد أن هناك حلقة وصل تربط بينهم ألا وهى الأساطير.  والتي كان الهدف منها هي تقريب صورة الإله الخالق بشكل يتناسب وطبيعة العقل البشري الذي يؤمن بالأشياء الملموسة، بدليل حاليًا قد يشطح العقل ويفكر من أين جاء الله؟ ومن خالقه، وما شكله؟ كلها أسألها حرمها الله على عبادة رحمة بهم.  فلنا أن نعود إلى الوراء وننظر للمصري القديم على أنه إنسان مثلنا سأل نفسه تلك الأسئلة، وحاول الإجابة عنها بفكره الذي لم يخلو من احترامه لإلهه القوي الذي جسده في شكل ممتزج بين الإنسان ليكون فيه العقل والحكمة والرحمة، وبين الحيوان ليصور فيه القوة والقدرة، واختار الحيوان لأنه آمن باستمرار خالقه فهو حي لا يموت، ولم يمثله بهيئة إنسان لأنه علم أن الإنسان هيئة وشخصية واحدة إذا مات فهو لا يتكرر، ولا يوجد نسخ ثانية منه، فجمع في إلهه بين الهيئة الحيوانية والآدمية، لأنه كان يعرف أنه إله تجتمع فيه كل صفات الكمال من رحمة وحكمة واستمرار وقوة. أليس هذا توحيد؟. 

فإذا تأملنا رحمة الله بعبادة لوجدنا أن الله أراد أن يقرب نفسه من عباده فجعل لكل شئ قصة  

لأن من طبيعة العقل البشرى أنه يؤمن بكل شئ مادي، مثل قصة الخلق، قصص الأنبياء ومعجزاتهم، فعلى الرغم من قدرته أن يقول للشئ كن فيكون، إلا أنه رحيم بعقولنا فأتى بكل شئ تدريجيًا وبقصة حتى يفهمها الإنسان فتثبت فى العقل ويقتنع بها، وهذا ما نلاحظه الآن لو حكيت قصة تثبت فى العقل فترة طويلة عن أى كلام إنشائي.

وهذا ما انتهجه المصري القديم أراد أن يمثل ويخلد حضارته فابتدع قصة لكل شئ مثل قصة الخلق، أو قصة لتولى الحكم.

ووفقًا لما ذكره عالم المصريات براون ليونارد ه. ليسكو Leonard H. Lesko (إن الأساطير المحلية من كل أنحاء البلاد قد ترافقت مع بعضها بعضًا في منظومة، ربما حدث ذلك تدريجيًا أو على نحو سريع، وقصد بذلك أن تحوي أغلبية الآلهة، وبذلك ترضي الناس كافة).

تعويض النقص

إن الإنسان القديم حين عجز عن تفسير الظواهر الكونية، فسرها بالآلهة والأرواح والغيبيات، كى تكون مفهومة بالنسبة له، كما يقال (الإنسان عدو ما يجهل)، فحاول تجسيد كل ما هو غيب عنه في صورة مادية حتى يسهل عليه التعامل معه، والإستفادة من خيره، ومحاولة درأ شره. وسد الفجوات المعرفية في فهمه للحياة. وكلما ازداد الإنسان علمًا وفهمًا للظواهر الكونية، تقلص الدور الذي تلعبه الغيبيات في فهمه للأمور (كما يقال كلما كثر العلم قل الإنكار).

فالأساطير في حياة المصري القديم كان الهدف منها هو جلاء الغموض عن كوامن الكون من حولهم، وتفسير لغز الموت، والحياة الأخرى، لأنها كانت مسائل قد لغزت عليهم، فأخذوا من خلال فكرهم الديني والأسطوري يبحثون عن الحقيقة المجردة من حولهم، لهذا نسجوا أساطيرهم ووضعوا طقوس عبادتهم، فأناروا بفكرهم الميتافيزيقي في الفكر العقائدي بالعالم القديم، لذا اتخذوا من الأحلام والأساطير مدخلًا لنفوس العامة من الشعب واستغلوا ذلك في إضفاء قدسية لمكانتهم وشرعية حكم هذا الملك أو ذاك في حكم البلاد، لأنه ابن الإله ووريث الإله على الأرض. ويتضح ذلك على سبيل المثال وليس الحصر ما فعله تحتمس الرابع في نبوءة أبو الهول، حيث أن النبؤة تقول أن أبو الهول أتى إليه في منامه بينما كان هو يستريح في كنفه أثناء رحلته للصيد، فإذا بأبي الهول يطلب منه إزاحة الرمال من عليه لأنه يختنق، وسوف يولية حكم البلاد، وكذلك ما فعلته الملكة حاتشبسوت، حينما أدعت أنها ابنة الإله آمون الذي عاشر والدتها في صورة إبيها الملك تحتمس الأول فهي من أب سماوي، وأم أرضية. وكذلك الإسكندر الكبير في معبد آمون في واحة سيوة.

فما بيننا وبين المصري القديم ليس فجوة زمن فقط، وإنما أيضًا فجوة فكر وإيمان.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.