كاسل الحضارة والتراث Written by  شباط 14, 2020 - 520 Views

مصر ما بين الماضى والحاضر

Rate this item
(0 votes)

كتبت - د. هناء سعد الطنطاوي

مفتش آثار بوزارة الآثار

حينما خلق الله سيدنا آدم، ونفح فيه الروح وضع في عقله العلم الذي سيعينه على تعمير الكون، فقال تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها)، فحقيقة خلق الله الكون للإنسان، ولكنه خلق معه حب السعي والعمل وكلاهما لن يتحقق بدون علم، فبالعلم غزا الإنسان القمر، وتسلق الجبال، وغاص البحار، وبالعلم قامت الحضارات، حتى أن أي غزو خارجي لبلد ما أول ما يفعله هدم ثقافته وحرق كتبه، وطمس حضارته، ليزرع هو ما يريده في العقول، فتسهل مهمته، فهو يعلم أن العلم قوة رهيبة تستطيع أن تغير وجه الأرض، كما يعلم أن الوعاء الفارغ (الجاهل) لا يخرج منه شئ.

فنتأكد أن سر قيام الحضارة المصرية القديمة ووجودها إلى الآن هو العلم وليس فقط العلم بل العلم المقترن بالدين والعمل، فقد قامت على العلم والتجربة، لأن علم بدون تطبيق مثل عدمه.

وبما أننا نؤمن أن الحد الفاصل بين التقدم والتخلف، والإذدهار والإنهيار هو التعليم دعونا نعقد مقارنة بسيطة بين التعليم فى مصر القديمة والتعليم الآن، لنعرف أين ذهبت الحضارة المصرية القديمة، فالحضارة المصرية بقيت على الأرض، ولكنها اندثرت في العقول.

تنوعت مصادرنا عن التعليم في مصر القديمة، فالمصري القديم أحب العلم، وغرس حب العلم في أبناءه، حتى يقول أحد الحكماء لترغيب الشباب في التعليم والإطلاع (ضع قلبك وراء الكتب، وأحبها كما تحب أمك، لأنه ما من شئ يعلو على الكتب). كما قال أحد الحكماء (أنظر فليس هناك من طبقة غير محكومة، أما العالم فقط فهو الذي يحكم نفسه). فقد كان التعليم من وجهة نظر المصريون القدماء الحد الفاصل بين الحاكم والمحكوم، وهو الوسيلة التي تصل بالإنسان إلى أعلى الدرجات، فيقول حكيم (إن الرجل المتعلم يشع بسبب علمه).

 فما نعرفه عن المدارس ودور الكتب ومراكز البحث العلمي يكفي للتدليل على مدى إزدهار الحركة التعليمية ومدى تقدم المصريون القدماء في كافة العلوم، ولكن الأجمل ما أطلقه المصري القديم على المدارس ومراكز البحث العلمي وهو pr anx  (بيت الحياة)، سمى المصري القديم مكان التعليم بيت الحياة، نظر للعلم أنه الحياه، وقد صدق فبدون العلم إنسان عايش جسديًا، وميت فكريًا. بل أطلق على الأذن أيضًا كلمة anx (الحياة)، وقد صدق (فالأذن هى أداة الإستدعاء والتعلم)، فجميعنا نتعلم الكلام من السمع، ونتعلم لغة جديدة من السمع، وإذا كنا نائمين فكل ما فينا ينام إلا السمع، فنسمع كل ما حولنا، بل ويترجمه العقل، وربما يظهر لنا في شكل أحلام. بل وقيل أن آخر ما يموت فينا هي حاسة السمع، ودائما ذكر السمع قبل البصر في القرآن الكريم على سبيل المثال وليس الحصر، قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا) الإسراء: ٣٦

فإذا رأيت شىء لم يعجبك فتستطيع إغلاق عينيك، ولكنك لا تستطيع سد أذنك إذا سمعت ما لا يعجبك، صدق المصري القديم أن يسمى السمع (الحياة).

هكذا شجع المصري على التعليم، ولأن المصري القديم عرف أهمية العلم والتعليم، فلم يهدر أمواله وطاقته إلا على المتفوقين والمتميزين من الطلبة، فكان هناك شروط لابد توفرها في الطالب ليتعلم ومنها:

  • التفوق والتميز
  • أن يكون من عائلة ميسورة ليستطيع الإنفاق على تعليمه، وشراء الوسائل التعليمية من مواد وأوراق بردى.
  • أن تكون لديه معلومات جيدة في الدين والسحر والمعارف العامة.
  • وأيضًا أن يكون الطالب قليل الكلام، فقلة الكلام تعني الرزانة والحكمة.

هكذا اختار المصري القديم طلابه من لديه حب التعلم للعلم ذاته فخرج منهم على سبيل المثال وليس الحصر حم أيونو مهندس هرم الملك خوفو، وايمحتب الطبيب ومهندس الهرم المدرج، وحسي رع أول طبيب أسنان، والطبيبة بسشت، فكان هناك مهندس واحد متمكن موسوعي، ومئات العمال، ومن هنا جاء احترام العلم والعلماء لدرجة بلغت حد القداسة، وهل هناك شىء يستحق القداسة أكثر من العلم والعلماء، فالله ذاته لا يعبد إلا بالعلم. فصدق دكتور مصطفى محمود (لن تكون متدينًا إلا بالعلم فالله لا يعبد بالجهل).

فدوافع التعلم في مصر القديمة:

  • دافع التعلم للإنخراط في سلك الهيئة الحاكمة
  • التعلم لخدمة المطالب الدينية، أو لاكتساب نصيب من العلم الدينى الشخصي.
  • أو دافع التعلم تقديرًا للعلم وكرامته.

وليس للحصول على شهادات تدل على العلم، فالمصري القديم شهاداته في أعماله، وليست أوراق تعلق على الحيطان.

التعليم الآن:

تقول الإحصاءات أن هناك أكثر من ستين ألف تلميذ راسب يعيد السنة في كافة معاهد الدراسة، هذا غير عدة آلاف أدمنوا الرسوب ويعاودون الدخول إلى الإمتحان للمرة الثانية والثالثة، والدولة تنفق عليهم من مالها ودمها.

فكيف يستوى طالب كسول وطالب مجتهد في التمتع بمجانية التعليم، وكيف نعطي من مالنا لندعم كسولًا، أليس الأولى أن نوفر هذه الأموال المهدرة ونقصر المجانية على مراحل التعليم  الإلزامي والإبتدائي وعلى المتفوقين من طلبة الثانوية العامة والجامعة؟

إن العاجزين عن الإستمرار في التعليم سوف يتحولون إلى الحرف، ويسدون فراغًا يعاني منه المجتمع، وبذلك يستعيد الهرم الإجتماعي شكله، إنه وضع غير معقول أن يكون في مصر عشرون ألف حامل دكتوراه، وبضع مئات من السباكين والنجارين والحرفيين والكليات النظرية مكتظة بألوف الخريجين كل عام، ولا أعمال تستوعبهم، على حين يكاد يتوقف البناء بسبب عدم توافر العمالة الممتازة. فالجميع يريد أولاده أطباء وأساتذة جامعة، وصيادلة، وينظر للحرف أنها أعمال متدنية، فأصبح القيمة في القلة، رغم أن سيدنا عمر بن الخطاب يقول (كنت أرى الشاب يعجبني، فإذا سألت أليس له حرفة، فقال لا ، سقط من عيني.  وكما قيل (صاحب صنعة  أحسن من مالك قلعة). أين إضافتك للدنيا.

فالهرم الإجتماعي مقلوب وواقف على سنامه، فهل سمعتم عن خلية نحل فيها عشرون ألف ملكة، وبضع مئات من الشغالة؟

إن ما يحدث إذا خرجت ملكة ثانية من الفقس أن تشتبك الملكتان في قتال وتقتل واحدة منهما الأخرى، فقانون الإنتقاء الطبيعي يقضي بذلك، لتكون هناك سبعون ألف نحلة من الشغالة، تؤلف قاعدة الهرم، وعلى السنام والقمة نحلة واحدة هي الملكة، تلك النسب الطبيعية التي أرادها الله.

أما الأن فهناك عشرون ألف فيلسوف يحلم ولا أحد يعمل بيديه، ولا أحد ينبي ولا يدق مسمار، فهذا هو الخلل بعينه.

فنحن نجد طوفان من الطلبة وتدفق على مدرجات الجامعات، ونجد في المدرج الواحد ألف طالب، ولا أحد يسمع، ولا أحد يفهم، ولا أحد يتعلم ، ولا أحد ضد توفير العلم وإتاحته للجميع، إن مجرد التعليم لا يكفي، إن التعليم تحصيل ومذاكرة، واستيعاب للموجود، ولا يثمر إلا تقليدًا وهذا لا يخلق حضارة، ولا يلد إلا جنينًا هو نسخة طبق الأصل من أبويه. ولكننا نريد تدريب العقول على شىء أكثر على المغامرة والإقتحام والضرب في المجهول، والإعتكاف على الفكرة وحضانة الخاطر حتى يلد جديدًا.

فالإبتكار والإختراع والخيال الخلاق المبدع هو روح التقدم، وهذا لا يتأتى إلا بعنصر آخر يضاف إلى التعليم هو عنصر الحب والعشق لما نفعله ونتعمله. إنه حب العلم، وعشق الحقيقة.

إنه الفضول النبيل الذي يملأ قلب الإنسان، ويدفعه إلى الخلق والإبتكار والإكتشاف، ويشجع عليه ويكافىء من يتصف به، فهل مدارسنا وجامعاتنا ووظائفنا تفعل ذلك؟ فلا يصح دعم الكسل والكسالى ونريد حضارة وتقدم.

فمن يبحث عن ديانة المصري القديم هل هو مسلم أم مسيحى، أم كافر، أم يهودى، نختصر له الطريق ونقول له فتجربة هؤلاء كشفت عن حقيقة مؤكدة أن العمل عند هؤلاء الناس دين. فالعمل والنظام وطاعة الصغير للكبير وحب العلم والأرض والولاء للوطن، كل هذه شعائر دينية من يمارسها أيًا كان عقيدته يتقدم، والطاعة والنظام مثل طباع مجتمعات النمل، أما نحن فنفتقر إلى هذه الصفات، ونحاول أن نغرسها في الشباب عن طريق الإسلام، لأن الإسلام يأمر بالنظافة  والنظام، ويأمر بطاعة الصغير للكبير، فهو سيوفر علينا غرس هذه الطباع. فالمصري القديم لم يعتنق دين الإسلام بمفهومه الحالى، ولكنه عاش ثقافة الإسلام. فانظر حولك وسوف ترى أن اليابان خرجت من الدمار والخراب والهزيمة وبلغت الصدارة، ووصلت إلى أعلى معدلات الرخاء والإنتاج  بدون حكم إسلامي، وكذلك ألمانيا، أنها فقط أيضًا يعيشون ثقافة الإسلام. فالإسلام مبادىء وثقافة، وليس خانة في بطاقة.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.