كاسل الحضارة والتراث Written by  شباط 21, 2020 - 40 Views

من مظاهر النظافة عند المصريين القدماء

Rate this item
(0 votes)

كتب د. حسين دقيل

باحث آثارى بوزارة السياحة والآثار

يزعجني كثيرا ضعف اهتمامنا بالنظافة والنظام، ويكاد الأمر يعكر مزاجي في كثير من الأوقات، ولا أدري سبب انتشاره في بيئتنا رغم أن ديننا الإسلامي الحنيف والرسالات السماوية السمحة حثوا على الاهتمام به. وقد دفعني انزعاجي هذا نحو البحث في أدبيات المصريين القدماء كي أقف على حالهم مع النظافة العامة والشخصية، وهئنذا أضع بين قرائي الأعزاء صورة مختصرة لما استطعت التحصل عليه.

فقد عرف المصري القديم النظافة بشكلها المتكامل فحافظ من خلالها على صحته وبيئته، وها هو المؤرخ الإغريقي هيرودوت يصف المصريين القدماء بقوله: "كانوا يشربون في كؤوس يغسلونها بعد تناول الشراب، وكانوا شديدي العناية بلبس الكتان النظيف وغسله، وهم يمارسون الختان حرصا على النظافة، ويحلق الكهنة شعورهم وأجسامهم جيدا تجنبا لظهور أية حشرات".

والمناظر القديمة الموجودة على جدران المعابد والمقابر تؤكد لنا ذلك؛ حيث يظهر لنا اهتمامهم بتقليم الأظافر، وحلق الذقن، وقص الشعر، بل وأيضا غسل الفم والأسنان، والاستحمام، ودهان الأجسام بالعطور. فكان المصري القديم يغتسل في اليوم عدة مرات عند الاستيقاظ من النوم وقبل وبعد تناول الوجبات، وكانت لهم أواني لصب الماء من الطست، وكانت الأيدي تغسل بماء مختلط بالنطرون، أما مياه المضمضة فكانت تعقم بنوع آخر من الملح يسمى "بد".

وكانوا يكثرون الاستحمام في أيام الصيف خوفا من الرائحة الكريهة، فها هو أحدهم يتحدث إلى آخر فيقول: "لا تجعل اسمي مكروها أكثر من الرائحة العفنة للجسم في وقت الصيف". ولم يكتف المصري القديم بالنظافة الشخصية وفقط، بل اهتم أيضا بنظافة بيته، وقد عثر على العديد من أدوات التنظيف المنزلية من مكانس مصنوعة من ألياف النباتات، واحتوت المنازل على مراحيض كانت تحتل الجهة الجنوبية الشرقية من المنزل. وقد طورت أشكال تلك المراحيض خلال فترة أخناتون حيث وجدت بشكل متقدم بمدينته الجديدة بتل العمارنة، وهذا ما دفع هيرودوت أن يقول: "إن المصريين يختلفون عن غيرهم من الشعوب الأخرى في أنهم يقضون حاجاتهم داخل بيوتهم". وكانوا يتخلصون من القمامة والمخلفات بدفنها في الرمال، كما قاوموا الحشرات الضارة بالمنازل من خلال مواد استخلصوها من البيئة المحيطة.

وكانت البيوت تستقبل المياه من خلال السقائين الذين كانوا يقومون بحمل وتوزيع المياه إليها براتب من قبل السلطة، وهناك نص لحاكم أسيوط يقول فيه، إنه قام بتعيين سقائين لتوزيع المياه على البيوت في المدينة. كما اهتموا أيضا بنظافة الأماكن العامة من المعابد والمقابر، فالمصري القديم حرّم مجامعة النساء في المعابد، أو دخولها بعد الجماع دون اغتسال وطهور، بل وكان من الشعائر الدينية الرسمية طقوس التطهير بالماء أو البخور وقد وجدت العديد من أدوات التطهير هذه خلال الاكتشافات الأثرية المتتابعة.

وكان من مظاهر النظافة عند المصريين القدماء؛ اهتمامهم بالحداق المنزلية والعامة، واستخدامهم للزهور والورود، وكان الأثرياء منهم يحيطون منازلهم بحدائق وبساتين تتوسطها غالبا بركة من المياه. كما اهتموا بنظافة النيل الذي كان مقدسا لديهم لدرجة أنهم جعلوا له معبودا خاصا وهو "حعبي"، وحرصوا على عدم تلويثه، بل وحذروا من الإضرار به فها هي إحدى وصاياهم تقول: "إن من يلوث ماء النيل سوف يصيبه غضب الآلهة".

أما مقابرهم فكانت في الصحراء بعيدا عن موطن الأحياء، كما أن عملية التحنيط كانت تتم بعيدا عن المنشآت الدنيوية حرصا منهم على صحة الأحياء والحفاظ على البيئة. وبعد هذا العرض الموجز لأدب من أهم آداب المصريين القدماء؛ أرجو أن نسعى معا نحو الاقتداء بهم في هذا الجانب ولا نكتفي بالافتخار اللفظي في الانتساب إليهم.

-----------------------

مراجع:

1-رمضان عبده، زاهي حواس، حضارة مصر القديمة منذ أقدم العصور حتى نهاية عصر الأسرات الوطنية، ج1، دار الآثار للنشر والتوزيع، القاهرة 2004.

2-بول غليونجي، الطب عند قدماء المصريين، في تاريخ الحضارة المصرية، المجلد الأول، العصر الفرعوني، مكتبة النهضة المصرية، د.ت.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.