كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 26, 2020 - 659 Views

المرأة في مصر القديمة

Rate this item
(0 votes)

كتبت- د. هناء سعد الطنطاوى

حينما خلق الله آدم أراد أن يؤنس وحدته، فلم يخلق له أخوة، ولا أصحاب، ولا جيران، وإنما خلق له إمرأة لتكون له الونس، وكان الله قادر على أن يخلق حواء أولًا ولكنه خلق حواء أولًا ليكون لها الأمان والسند، وكان الله قادر على خلق حواء بشكل مستقل عن أدم ولكنه خلقها من ضلع قلبه، لتكون ابنة القلب فيرق لها ويحن عليها، وخلقها من ضلع أعوج، لأن هذا الضلع هو الذي يحمي القلب، ولو استقام لخرق القلب ومات أدم. ولأن الله يعلم ما في النفس الإنسانية من غفلة وربما ينسى الرجل ذلك ويضع من نفسه رتبة أعلى من المرأة وربما ينسى حقوقها، جعل سورة كاملة للنساء وليس للرجال، وجعل سورة للطلاق وليس للزواج، وحقيقة جعل للرجل ضعفها في الميراث، لأنها تأخذ ورثها، وتجد أيضًا من يصرف عليها ويزيدها، حتي قيل أن مكافأة الرجال الصالحين في الجنة الحور العين، وفُسِر الحور العين أنهم نساء، يعني أيضًا الهدية إمرأة، ففي الدنيا هي متاع، وفي الآخرة هي جائزة الصالحين، هكذا خلقت المرأة عزيزة مشرفة وكأنها هدية الله للرجل، فهكذا خلقت الدنيا بالتوازن والميزان كفتيها الرجل والثانية المرأة.

فهم أجدادنا هذا ولعبت المرأة في مصر القديمة دورًا لم يقل عن الدور الذي قام به الرجل، كما كانت المرأة هي من تورث أولادها، وإخواتها الرجال، وكانت تأخذ مثلها مثل الرجل، كان لها الحق في الزواج بإرادتها والخلع بإرادتها. ويتضح من كل النصوص التي تعاملت مع المرأة أن الزوج والمجتمع كانا يكنان لها تقديرًا خاصًا، فهي التي تحمل لقب "نبت بر" أي "ربة البيت أو سيدة المنزل"، وهو لقب يؤكد وضعها المتميز بين أفراد أسرتها. وبنظرة على التشريعات والقوانين المصرية يتضح كيف أنها حددت للمرأة حقوقها وواجباتها في الزواج والطلاق، وكذلك نظمت لها أمر الميراث حفاظًا على حقوقها وآدميتها.

ولقد كان دور المرأة في الحياة يتمثل في أمرين يتصل أحدهما بحياتها الخاصة في المنزل، والثاني يتصل بحياتها العامة في المجتمع، فالمرأة إلى جانب أنها زوجة وأم فهي رفيقة الرجل في رحلة الحياة، وساعده الأيمن في بعض أعماله. فشغلت مجموعة من الوظائف الهامة الدنيوية والدينية، من بينها: كبيرة الحريم، مغنية الإله، العازفة، الموسيقية الكاهنة، والنادلة، والمرضع، والكاتبة، المربية، الحاكمة، والمطهرة، والعالمة، ومقيمة الشعائر وغيرها.

كما كان لها للمرأة دور كبير في وراثة العرش، بل من حقها أيضًا أن ترث العرش إذا لم يكن هناك وريث شرعي من الذكور. بل كان لها أحيانًا دور كبير في نقل وراثة العرش من أسرة إلى أخرى، فقد يحدث في بعض الأحيان أن تكون صفة الشرعية غير متوفرة في مؤسس الأسرة الجديدة فيظطر إلى الزواج من أرملة أو إبنة أخر ملوك الأسرة السابقة تدعيمًا لشرعيته في حكم البلاد، ومن ذلك الملكة حتب حرس التي يحتمل أن يكون زواجها من الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة أسبغ عليه شرعية ساعدته على تدعيم مركزه في حكم البلاد.

فكان المصريون القدماء أول من رفع المرأة إلى مقاعد الحكم، وارتضى رجالهم في فخر واعتزاز أن تحكمهم ملكات كانت عهودهم رمز العدالة والتقدم والإستقرار، ولقد وصلت المرأة إلى هذه المكانة العالية بغير معارك وبدون اعتراض، وما كان ذلك إلا لأن المجتمع المصري القديم كان هو المجتمع المتحضر الذي رسم للبشرية بأكملها طريق الحضارة والعلم والحكمة، فكانت حضارته هي وحدها سر احترامه لنسائه الإعتراف بحقوقهن كاملة غير منقوصة، ومن هؤلاء الملكات: مريت نيت (أسرة أولى)، خنتكاوس (أسرة رابعة)، بيت إقرت (أسرة سادسة)، سبك نفرو (أسرة 12)، حاتشبسوت (أسرة 18)، تاوسرت (أسرة 19). فاستطاع بذلك أن يبني مجده من تمجيد المرأة فيه إلى حد وصل إلى تقديسها واعتبارها منبع الخير (المعبودة حتحور)، والرحمة (المعبودة إيزيس)، والقوة (المعبودة سخمت)، والعدالة (المعبودة ماعت).

ومن هؤلاء السيدات على سبيل المثال لا الحصر الملكة اعح حتب أم الملك أحمس الأول، تلك الزوجة العظيمة التي وقفت بجانب زوجها في كفاح مصر ضد الهكسوس، ووالتي يتبين من خلال مومياؤه زوجها الملك سقنن رع مدى ضراوة هذه الحرب، وأتى إليها خبر استشهاد زوجها، لم تتوقف وتقول (هذا ما اخذته من البلد)، بل قدمت للحرب ابنها الكبير (كامس)، وأيضًا استشهد، واصلت وقدمت للحرب ابنها الثاني حتى فك الله كربهم من هذا الوباء الذي يسمى الهكسوس، أي عظمة هذا، أي صبر وقوة هذه (أم تقدم أبنائها للموت من أجل وطنهم). وعثر على لوحة حجرية أمام الصرح الثامن بالكرنك نص يبدأ بألقاب الملك أحمس وأعماله، ثم يأتي بعد ذلك فقرة خاصة بأمه الملكة (إعح حتب) يأمر فيها الجميع بتمجيدها (امدحوا سيدة الأرض، ذائعة الصيت في كل بلد أجنبي، هي التي تضع الخطط للناس، زوج الملك، أخت الملك، فلتعش سليمة معافاة، ابنة الملك، العالمة التي تعرف الأشياء، والتي ترعي شئون مصر، والتي اهتمت بأمر جيشها، ووضعت تحت رعايتها، هي التي أعادت الهاربين، وجمعت الفارين، هي التي هدأت الجنوب، وأخضعت ثائريه، فلتحيا). من خلال هذا النص تبين الدور الذي لعبته هذه الملكة في صراع مصر ضد الهكسوس، فهي القوة التي ساعدت على خلق الروح الوطنية واشعال نارها، وهي الروح التي بثت في المصريين الشجاعة، فدفعتهم لأن يهبوا دفعة واحدة يطالبون بالحرية والإستقلال وطرد الغزاه من البلاد. بل أثبتت الملكة إعح حتب أن المرأة المصرية يمكن أن تكون لها صلابة الرجل وعزمه، وأنها إذا كافحت وآمنت بما تكافح فستجني ثمرة هذا الكفاح، ولقد أرادت (إعح حتب) أن تتحرر مصر فكان لها ما أرادت.

الملكة أحمس نفرتاري: ابنة سقنن رع تاعو الثاني، والملكة إعح حتب، وزوجة الملك أحمس، أمضت هذه الملكة فترة شبابها الأولى شأنها شأن أمها اعح حتب حين كان صراع مصر مع الهكسوس لا يزال على أشده، ولما تزوجت الملك أحمس تمكنا سويا من أن يحكما البلاد قرابة 22 عام، وبعد وفاة زوجها جلس على العرش ابنها امنحتب الأول وكان يافعًا ساعدته على تسيير دفة البلاد، وكذلك تركت أحمس نفرتاري أثرًا كبيرًا في نفوس شعبها فقدسها بعد وفاتها كإلهة عظيمة ورفعها إلى إلى الدرجات حيث جلست مع ثالوث طيبة (أمون ومت وخونسو)، ونالت من التقدير والإحترام ما يفوق ما ناله بعض الملوك.

الملكة حاتشبسوت: من الأسرة الثامنة عشر، حكمت أكثر من 15 عام، تمتعت فيها البلاد باستقرار داخلى، وبسلام خارجى، وأفرز عهدها فنًا متميزًا وعمارة رشيقة والتي من أبرزها معبدها بالدير البحري في غرب الأقصر. ومن أبرز أحداثها بعثتها إلى بلاد بونت لجلب البخور التي تتطلبه الطقوس في المعابد.

الملكة تي زوجة الملك أمنحتب الثالث: فتاة من الشعب لا تمت للدم الملكي بصلة، فوالدها (يويا) كاهن المعبود مين، وأمها (تويا) كبيرة حريم آمون، وتشهد الوثائق لهذا العصر بإمعان الملك أمنحتب الثالث في ارضاء الملكة (تي)، والعمل على إرضائها وتلبية رغباتها، ومزج شخصيته بشخصيتها، حتى حين لم يكن هناك ما يدعو إلى ذلك. فقد وضعتها التماثيل والرسوم على قدم المساواة مع زوجها، ولعل تمثالها الضخم بالمتحف المصري بجانب تمثال زوجها أصدق دليل على ذلك. وأمر بحفر بركة كبيرة لها لتتنزه فيها الملكة تي بقاربها الذهبي، ولم يكتفِ بذلك بل أغدق عليها الألقاب التي تتخذها أية ملكة يجري في عروقها الدم الملكي مثل (إبنة الملك، أخت الملك، سيدة الأرضين)، فهي ألقاب شرف وتكريم لها من زوجها امنحتب غير مبالِ بالعرف المصري أنذاك. مات أمنحتب، وخلفه في الحكم امنحتب الرابع (إخناتون)، فتولى الحكم وعمره لا يزيد عن الأثنى عشر سنة، لذا يقال أنه أمه (تي) كانت الحاكمة الحقيقة في سنين حكمه الأولى فترة لا تقل عن أربع أو خمس سنوات باعتبارها وصية على ابنها الصغير، ويؤيد هذا خرطوش عثر عليه في أحد محاجر تل العمارنة نقش عليه اسم الملكة دون أن يكون مصحوبًا باسم زوجها أو ابنها.

وفي خطاب من توشراتا لاخناتون يقول (كل الكلام الذي تحدثت به إلى أبيك تعرفه "تي" أمك ولا يعرفه سواها)، أليس هذا دليلاً على أن تي كانت تستشار في مختلف الأمور الدولية خلال حياة زوجها، وأنها كانت تسير الأمور من وراء ستار خلال سنى حكم ابنها الأولى على الأقل.

نفرتيتي: زوجة اخناتون، وساعده الأيمن في نشر مبادئه، ورفيقته في الكفاح من أجل تثبيت دعائم الديانة الجديدة.

هكذا عاشت المرأة المصرية القديمة بحقوقها وتمتعت بحريتها. وصدق من قال علم رجل تعلم فرد، علم إمرأة تعلم أسرة، فوراء كل أسرة قوية إمرأة قوية.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.