د.عبدالرحيم ريحان

د.عبدالرحيم ريحان

مستشار عام لشئون الحضارة والتراث بمجموعة كاسل جورنال ورئيس اللجنة العلمية التاريخية بمجلة كاسل الحضارة والتراث

حكايات مصرية - الجامع الغمرى بباب الشعرية وكرامات الشيخ البدرانى

هو الشيخ الزاهد العابد الكريم الورع أمين الدين بن النجار البدرانى المصرى إمام جامع سيدى محمد الغمرى بشارع أمير الجيوش المطل على ميدان باب الشعرية والذى قال عنه المؤرخ الشعرانى فى الطبقات الكبرى أنه كثير العبادة والكرامات

وعن حياة هذا الشيخ يقول الباحث الآثارى أبو العلا خليل أن الشيخ أمين الدين كان قارئاً للقرآن بصوت ماسمع السامعون بمصر مثله وكان الناس يأتون للصلاة خلفه من جميع أنحاء البلاد لحسن صوته وخشوعه وكثرة بكائه حتى يبكى غالب الناس خلفه وكان الناس يخرجون من الجامع عقب الصلاة فى مثل خروج الناس فى الحج وإذا سافر لأمر ما كان الجامع الغمرى كالجسد بلا روح

ويتابع أبو العلا خليل ان الشيخ كان فى غاية التواضع وعطوفاً على الفقراء والمساكين وأصحاب الاحتياجات الخاصة يجلب لهم كل شئ بنفسه من الأسواق ويأكل معهم  وكان يحمل الخبز على رأسه من الفرن وكل من يراه من أكابر القوم وهو يحمل الخبز ينزل من على فرسه ويقبل يده ويسير معه  ولا يقدر على الركوب حتى يفارقه الشيخ

وللشيخ أمين الدين البدرانى كرامات يقول عنها المؤرخ الشعرانى فى كتاب الطبقات الكبرى  (ومما رأيته له من الكرامات أننى كنت أقرأ عليه شرح البخارى باب جزاء الصيد فذكر عبارة " جزاء التيتل " فقلت ماهو التيتل؟ فقال إن شاء الله تراه فى هذا الساعة والتيتل هو الذكر المسن من الأوعال جمع وعل وهو من الماشية فخرج التيتل من المحراب فوقف على كتفى فرآيته شبيه ما بين الحمار والتيس وله لحية صغيرة ووضع فمه على كتفى فقال هاهو ثم دخل الحائط فقبلت رجله فقال اكتم مارأيته حتى أموت) ولم يذكر المؤرخ الحادثة إلا بعد وفاته

 ويتابع أبو العلا خليل بأن الشيخ أمين الدين ظل إمامًا للجامع الغمرى 57 سنة لم يدخل عليه وقت الصلاة الا وهو فى طهر دائم وما نام عن قيام الليل فى صيف ولا شتاء إلى أن جاء الأجل فى شهر ذى القعدة عام 929هـ ودفن بتربته خارج باب النصر وعن حسن خاتمة الشيخ يقول الشعرانى ( كان الشيخ مريضا فزحف إلى ميضأة الجامع وتوضأ فغلب عليه المرض فوقع فى الميضأة بثيابه وعمامته ومازال الشيخ يتحامل على نفسه فطلع وثيابه تقطر ماءاً وصلى بالناس صلاة المغرب ثم مات بعد صلاة العشاء فى تلك الليلة

ومن المصادفة الغريبة أثناء تصوير الجامع مرور أحد الفرّانين يحمل خبزًا على درّاجة وكأنها تؤكد على أفضال الشيخ الكريم الذى كان يحمل الخبز من الفرن بنفسه لفقراء المسلمين وكام محل مسجد الغمرى مدرسة أنشأها الأمير سيف الدين يزكوج الأسدى أحد أمراء السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب 592هـ وجعلها وقفاً على فقهاء المذهب الحنفى

ويوضح أبو العلا خليل أن مدرسة يزكوج الأسدى حين أوشكت على الاندثار قيض الله لها الولى الصالح سيدى محمد الغمرى نسبة إلى مولده بمدينة منية غمر عام 786هـ وكان للشيخ الغمرى همة كبيرة فى إقامة الجوامع والزوايا وعمارة أماكن العبادة التى أوشكت على الاندثار والتى بلغت نحو الخمسين مبنى ومن بينها مدرسة يزكوج الأسدى التى أصبحت الجامع الغمرى الباقى حتى الآن

مزملة السلطان برقوق تحفة معمارية بشارع المعز

المزملة هى دخلة عميقة مستطيلة الشكل توجد على أحد جانبى الدهليز المؤدى الى صحن المساجد والمدارس الإسلامية ويغطى تلك الدخلة حجاب من خشب الخرط يتوسطه باب ذى مصراعين ويوضع داخل هذه الدخلة قدور فخارية مملوءة بالماء وتكسى هذه القدور أو تلف أو تزمل بالقماش المبلول لحفظ الماء من العفن

ويوضح عالم الآثار الإسلامية أبو العلا خليل أن المعمار اختار هذا الموضع بالذات لأنه المكان الذى يدور فيه الهواء دورة تبريد لوجود ملقفين هوائيين بكل من طرفيه يساعد على تجديد حركة الهواء المبرد للماء فى الأزيار والقدور الموجودة بالمزملة ولأنه المكان القريب من أرباب الوظائف الدينية من الشيوخ والدارسين من ناحية أخرى

ويشير أبو العلا خليل أن مزملة مدرسة السلطان الظاهر برقوق بشارع المعز تعد تحفة معمارية فنية رائعة  محفورة فى ذاكرة التاريخ وينقل عن المقريزى فى الخطط بأن الأمير جهاركس الخليلى كان يتولى الإشراف على عمارة المدرسة التى أنشأها الملك الظاهر برقوق بخط بين القصرين " شارع المعزلدين الله حاليا " وعلم أن قاضى القضاة شمس الدين محمد بن أحمد الطرابلسى شرع عام 788هـ فى عمارة دار خربة تعرف بدار المظفر تجاه حارة برجوان وهذه الدار تنسب إلى المظفر أبومحمد جعفر بن أميرالجيوش بدرالجمالى المتوفى عام 514هـ وكان يسكن بها فعرفت به وظهر تحت الردم عتبة عظيمة من حجر صوان يشبه أن تكون عتبة دار المظفر فبعث الأمير جهاركس الخليلى بالرجال لهذه العتبة وتكاثروا على جرها الى المدرسة فجعلها فى المزملة التى تشرب منها الناس بدهليز المدرسة الظاهرية

دراسة تكشف عن سبيل وقبة نقيب الأشراف بقرافة الإمام الشافعى

كشفت دراسة أثرية للباحث الآثارى أبو العلا خليل عن سبيل ومدفن بشارع الإمام الليث بقرافة الإمام الشافعى وهو غير مسجل فى عداد الآثار ولم يذكر فى أى دراسات أثرية سابقة خاصة بالأسبلة العثمانية

ونلقى الضوء على هذا الكشف الهام الذى يشمل سبيل لسقى العطشى من المارة ومدفن لصاحب المنشأة وهو الفقيه حسن بازناده أفندى نقيب الأشراف بمصر على عهد الوالى العثمانى محمد باشا رامى حين كانت مصر ولاية تابعة للسلطان العثمانى بأسطنبول عام 1116هـ / 1704م

وقد أقام الشريف حسن أفندى سبيله بشارع سيدى عقبة بالإمام الشافعى لسقى العطشى من المارة وهو من أقرب القربات لعل يصل إليه دعاء المرتوين من مائه له ولأجداده الراقدين بمدافنهم بجوارالسبيل  ويعلو شباك التسبيل النص الإنشائى التالى (أنشأ هذا السبيل ابتغاء مرضاة الله تعالى الفقيه السيد حسن بازناده نقيب الأشراف بمصر سنة 1116هـ)

والأشراف هم أصحاب الشرف بنسبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولى أمرهم  "نقيب الأشراف" وهو المسئول عن حفظ قوائم المنتمين إلى السلالة النبوية الشريفة ويوزع عليهم المخصصات النقدية أو العينية المقررة لهم من الخزانة وكانت الدول العثمانية حريصة على تعيين نقيبًا تركيًا للأشراف فى مصر

وقد أوضحت الدراسة أن الرحالة التركى أوليا جلبى الذى زار مصر عام 1092هـ / 1680م ذكر فى كتابه سياحتنامة مصر أن نقيب الأشراف كان تحت سلطانه 46000 نسمة من السادة الأشراف القاطنين بالقاهرة والقطر المصرى وإذا كان حفل استقبال الباشا الوالى العثمانى الجديد عند حضوره من إسطنبول انقلبت الشوارع إلى خضرة من العمائم وهو اللون المميز للأشراف تحت العلم المحمدى وهم يمرون بالآداب الرسولية فى صفوف منتظمة راكبين جيادًا أصيلة

وأشارت |إلى أن عائلة الشريف حسن أفندى نالت رضى الدولة العثمانية حتى كانت النقابة لأبيه وجده وعمه من قبله ونقلت عن أحمد شلبى بن عبد الغنى الحنفى فى "أوضح الإشارات" (وفى يوم الجمعة سابع رجب عام 1121هـ /1709م توفى حسن أفندى نقيب الأشراف بالقاهرة ودفن بالقرافة وكانت جنازته حافلة جمعت الخاص والعام، وكان هذا المنصب لجده ولأبيه وعمه وبموته خرجت النقابة من العائلة اذ لم يترك إلا بنتًا واحدة زوجّها قبل أيام من وفاته، وفى ثانى يوم أقيم فى منصب النقابة السيد مصطفى بن السيد أحمد الرفاعى إلى أن يرد جواب من الديار الرومية بتعيين نقيب جديد للأشراف)

دراسة أثرية تؤرخ لشرّاعة باب ضريح السيدة نفيسة بمتحف الفن الإسلامى

دراسة جديدة للباحث الآثارى أبو العلا خليل تكتب شهادة ميلاد وبطاقة هوية لقطعة أثرية هامة جدًا بمتحف الفن الإسلامى غير مؤرخة ولا يوجد عليها أى بطاقة تعريف

ونلقى الضوء على هذه الدراسة الهامة التى تعد إعادة اكتشاف علمية لهذه القطعة الأثرية التى تعرض بقاعة العرض الأيوبى بمتحف الفن الإسلامى وتمثل شرّاعة من تشبيكات الخرط الجميلة وقد تم تحديد هوية هذه القطعة بدراسة النص الوارد عليها المكون من خمسة أسطر بخط الثلث  " رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت أنه حميد مجيد هذا مشهد السيدة نفيسة إبنة الحسن بن زيد بن أمير المؤمنين على بن أبى طالب صلوات الله عليهم أجمعين توفيت السيدة نفيسة صلوات الله عليها فى شهر رمضان المعظم سنة ثمان ومائتين)

وتوضح الدراسة أنه طبقًا للنص فإنها شرّاعة باب ضريح السيدة نفيسة رضى الله عنها  وبحسب وصف حالة الشرّاعة فإنها خاصة بفتحة باب مقنطر والباب المقنطر يقصد به الباب ذو العقد الذى ليس له عتب مستقيم سواءً كان العقد مدببًا أو دائريًا أو مدائنيًا

وعن سبب إقامة مثل هذه الشرّاعة الخشبية بأعلى باب ضريح السيدة نفيسة رضى الله عنها فى العصر الأيوبى أوضحت الدراسة من خلال ما ذكره المقريزى فى كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك (وفى خامس عشر من شهر المحرم سنة 638هـ  زمن السلطان الصالح نجم الدين أيوب نزل خمس نفر فى الليل من الطاقات الزجاج إلى المشهد النفيسى وأخذوا من فوق القبر ستة عشر قنديلًا من فضة فقبض عليهم من الفيوم وأحضروا فى رابع صفر فاعترف أحدهم بأنه هو الذى نزل من طاقات القبة الزجاج وأخذوا القناديل وبرأ بقية أصحابه فشنق تجاه المشهد فى عاشره وترك مدة متطاولة على الخشب حتى صار عظاما) ولعل إقامة هذه الشراعة الخشبية الجميلة بأعلى باب ضريح السيدة نفيسة جاء على إثر هذا الحادث وحماية للضريح الشريف من السرقة وقد تعرّض لسرقة قناديله ليلًا

تاج الجوامع جامع عمرو بن العاص

جامع عمرو بن العاص هو ثانى جامع أقيم فى مصر بعد جامع سادات قريش ببلبيس بمحافظة الشرقية أنشأه بالفسطاط الصحابى الجليل عمرو بن العاص رضى الله عنه  عام 21 هـ ، 641م بعد فتحه لمصر واشترك فى تحديد قبلته ثمانون من الصحابة يصفه المؤرخ إبن دقماق فى كتاب الإنتصار لواسطة عقد الأمصار

( إمام المساجد ومقدم المعابد قطب سماء الجوامع ومطلع الأنوار اللوامع موطن أولياء الله وحزبه طوبى لمن حافظ على الصلوات فيه وواظب على القيام بنواحيه وتقرب منه إلى صدر المحراب وخر إليه راكعاً وأناب )

وفى لقاء منبر الحضارة مع باحث الآثار الإسلامية الشهير أبو العلا خليل يوضح أن عمرو بن العاص رضى الله عنه  اختار بناء جامعه على الضفة الشرقية للنيل فى منطقة بها أشجار كروم وتبعد نحو مائة متر جنوب حصن بابليون وكان جامع عمرو عند إنشائه يقع مباشرة على النيل وقد أخذ مجرى النيل ينتقل تدريجيا نحو الغرب حتى صار على ماهو عليه الآن والجامع الحالى لا يشتمل على شئ من الجامع الأصلى القديم الذى بناه عمرو غير مساحة الأرض التى كان قد بنى عليها وتقع هذه المساحة فى النصف الشرقى من رواق القبلة أى على يسار الواقف فى رواق القبلة تجاه المحراب

تخطيط الجامع

 يصف أبو العلا خليل تخطيط جامع عمرو بأنه أقدم الطرز المعمارية لبناء المساجد وأهمها وهو الطراز المشتق من عمارة الحرم النبوى الشريف أى الطراز الذى يتألف من صحن أوسط مربع يحيط به من جوانبه الأربعة أربعة أروقة أعمقها رواق القبلة كما استوحى عمرو فى تخطيطه بناء داره خارج من جهة الشرق ومحاذى لجداره وترك بينها وبين المسجد طريقاً يبلغ عرضه نحو أربعة أمتار أسوة بمسجد النبى صلى الله عليه وسلم وداره فى المدينة المنورة

ومن جميل ما ذكره عبد الرحمن بن عبدالحكم فى فتوح مصر وأخبارها ( كتب عمرو بن العاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنهما : أنا قد اختطنا - أى بنينا - لك داراً عند المسجد الجامع فكتب إليه عمر: أنى لرجل بالحجاز يكون له داراً بمصر ! وأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين وعرفت هذه الدار " دار البركة") كما بنى عمرو الى جوار الجامع حمام عرف  بحمام الفأر  وعن ذلك يذكر السيوطى فى حسن المحاضرة (اختط عمرو بن العاص الحمام التى يقال لها حمام الفأر لأن حمامات الروم كانت كبار فلما بنى هذا الحمام ورأوا صغره قالوا : من يدخل هذا الحمام ! هذا حمام فأر ) وبعد أن فرغ عمرو من بناء جامعه اتخذ له منبراً على غرار منبر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة فلما علم الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه غضب وأمر بكسر المنبر - والحديث لإبن ظهيرة فى الفضائل الباهرة - وأرسل إليه : أما يكفيك أن تقوم قائماً والمسلمون جلوس تحت قدميك فكسره عمرو

حكاية المئذنة

ويوضح الباحث فى الآثار الإسلامية أبو العلا خليل لمنبر الحضارة أن جامع عمرو بن العاص نال على مر الزمان رعاية وعناية الولاة والحكام وكانت أولى العمائر على يد الوالى مسلمة بن مخلد الأنصارى والى مصر من قبل الخليفة الأموى معاوية بن أبى سفيان سنة 53 هـ ، 673م وكان سبب هذه العمارة أن المسجد ضاق بالمسلمين فشكوا إلى مسلمة فكتب مسلمة إلى الخليفة معاوية يطلب منه الإذن فى ذلك فهدم مسلمة المسجد وزاد فى مقدمته أى عند الجانب المواجه للقبلة وأضاف رحبة أمام هذا الجانب صار الناس يصيفون فيها كما زاد فى الجامع من ناحيته الشرقية  مما يلى دار عمرو بن العاص حتى ضاق الطريق بينه وبين الدار كما زود مسلمة فى هذه العمارة المسجد بمئذنة والتى صارت بعد ذلك أساساً لظهور أحد المعالم المهمة فى تصميم المساجد ذلك أن مسلمة بن مخلد بنى فى أركان الجامع أربع صوامع ليلقى منها الآذان ونقش اسمه عليها وأمر المؤذنين أن يؤذنوا للفجر إذا مضى نصف الليل وأمر ألا يضرب فيه ناقوس عند الفجر كما كان يضرب أولاً

وذكر الكندى فى  كتاب الولاة والقضاة (أن مؤذنوا جامع عمرو بن العاص كانوا يؤذنون للفجر أولاً فإذا فرغوا من آذانهم أذن كل مؤذن فى مساجد الفسطاط فى وقت واحد فكان لآذانهم دوى شديد)

دار عمرو

يشير أبو العلا خليل للزيادة الثانية بالمسجد على يد الوالى عبد العزيز بن مروان من قبل الخليفة الأموى عبد الملك بم مروان عام 79هـ ، 698م فزاد فى الجانب المواجه للقبلة حيث أدخل فيه الرحبة التى كان قد أضافها مسلمة بن مخلد عام 53هـ ، 673م ومن الملاحظ أنه لم يستطع أن يوسع الجامع من جانبه الشمالى الشرقى لوجود دار عمرو بن العاص عند هذا الجانب  وعمل الوالى عبد العزيز بن مروان على أن يوفر للمسجد وسائل الهدؤ والوقار ورتب به قراءة المصحف وكان هو أول من فعل ذلك

وذكر ابن تغرى بردى فى النجوم الزاهرة  (ويقال أنه دخل المسجد يوما عند طلوع الفجر فرأى فى أهله ثقل فأمر بإغلاق أبواب المسجد عليهم ثم أخذ يستطلع حالهم رجلاً رجلاً فكان يقول للرجل ألك زوجة ؟ فيقول لا فيقول زوجوه ألك خادم ؟ فيقول لا  فيقول أخدموه أحججت ؟ فيقول لا فيقول أحجوه  أعليك دين ؟ فيقول نعم فيقول أقضوا دينه فأقام المسجد بعد ذلك دهراً عامراً)

تصويب القبلة وإدخال المنابر

يوضح أبو العلا خليل أن ثالث الزيادات بجامع عمرو كانت على يد الوالى قرة بن شريك من قبل الخليفة الأموى الوليد بن عبد الملك عام 93هـ ، 711م واستغرقت عاماً كاملاً ذادت فيه مساحة الجامع حيث أدخل فيه أجزاء من دار عمرو ودار ابنه عبد الله فى الجانب الشمالى الشرقى كما وسع قليلا من ناحية القبلة وقد انتهز قرة بن شريك هذه الفرصة فصوب اتجاه القبلة وكانت منحرفة قليلا عن الاتجاه الصحيح

 وفى عام 94هـ ،713م أضاف قرة بن شريك منبر خشبى لجامع عمرو وقد تبع ذلك إدخال المنابر فى قرى مصر أما الزيادة الرابعة بجامع عمرو فكانت عام 133هـ ،750م على يد القائد العباسى صالح بن على بعد سقوط الخلافة الأموية وصارت مصر بالتبعية ولاية إسلامية تابعة للخليفة العباسى ببغداد وفيها قام صالح بن على بتوسعة المسجد من الركن الشمالى الغربى وأدخل فيه دار الصحابى الجليل الزبير بن العوام بتلك الجهه وأضاف باباً للمسجد فى جداره الشمالى عرف بباب الكحل لأنه كان يقع فى مواجهة زقاق الكحل

حكاية فوارة المسجد

ويستمر أبو العلا خليل مشيرًا إلى أن الزيادة الخامسة فى جامع عمرو بن العاص تعتبر أكبر الزيادات وآخرها وقد احدثت فى عهد والى مصر عبدالله بن طاهر من قبل الخليفه العباسى المأمون عام 212هـ ، 827م حيث أضاف عبدالله بن طاهر مساحة جديدة إلى المسجد من ناحية الجنوب تعادل المساحة التى كان عليها وأصبحت مساحة المسجد على ماهو عليه الآن 120م طول ، 112م عرض

وفى صحن جامع عمرو بن العاص بنى أسامه بن زيد التنوخى متولى الخراج -أى الضرائب- بمصر سنه 97هـ وفى خلافه سليمان بن عبد الملك بناء ذو قبة عرف ببيت المال ليحفظ به مال الدولة كما تودع به أموال اليتامى حفظاً لها من الضياع

 وفى سنه 378هـ فى خلافه العزيز بالله ثانى الخلفاء الفاطميين بمصر قام الوزير يعقوب بن كلس ببناء فوارة (فسقية) تحت بيت المال ونصب فى الفوارة حباب الرخام للماء -أى أزيار- وقد زار الرحالة ابن سعيد المغربى جامع عمرو بن العاص فى أواخر العصر الأيوبى فكتب يقول  (والجامع قديم البناء غير مزخرف يتخذه أهل الفسطاط مكاناً للنزهة فيجلسون فى أرجائه ويتناولون طعامهم والصبية يطوفون عليهم بأوانى الماء والصبيان يلعبون فى صحنه والبياعون يبيعون فيه أصناف المكسرات والكعك والأهالى يعبرون فيه بأقدامهم من باب إلى باب ليقرب عليهم الطريق غير أنى وجدت فيه كثير من الإرتياح والأنس دون منظر يوجب ذلك فعلمت أنه سر مودع من وقوف الصحابه رضوان الله عليهم فى ساحته عند بنائه)

 وفى عام 702هـ ، 1303م تعرضت البلاد لزلزال مدمر أدى إلى تصدع جدران المسجد فقام الأمير سلار على عهد السلطان المملوكى الناصر محمد بن قلاوون بعمل عماره كبيره للجامع بقى منها الآن محراب جصى لايزال يشاهد فى واجهة الجامع الرئيسية من الخارج بالإضافة إلى بعض الشبابيك الجصية فى ذلك الجدار وللمحراب شريط من الكتابة العربية بالخط الثلث الجميل من بينها اسم "سلار" وكذا زخارف نباتيه غاية فى الدقه والإبداع

المنارتين والمحرابين

وفى العصر العثمانى شهد جامع عمرو بن العاص إصلاحات الأمير مراد بك عام 1212هـ ، 1797م وعن ذلك يذكر الجبرتى فى عجائب الآثار فى التراجم والأخبار  (لما رأى الأمير مراد بك خراب جامع عمرو وسقوط سقوفه فخطر بباله تجديده وأنفق عليه أموالاً عظيمه فأقام أركانه وشيد بنيانه ونصب أعمدته وبنى به منارتين وهما الباقيتان إلى الآن وفرشه جميعاً بالحصر الفيومى وعلق به قناديل وأثبت مراد بك تاريخ هذه العمارة فى ألواح تاريخية فوق الأبواب الغربية والمحرابين الكبير والصغير برواق القبلة) ولما دخلت الحملة الفرنسية مصر جرى على مسجد عمرو ماجرى على غيره من الهدم والتخريب وأخذت أخشابه وفى جدار القبلة يوجد محرابان يرجعان إلى عهد مراد بك

ضريح عبد الله بن عمرو

يقع فى الركن الشمالى الشرقى برواق القبلة ضريح ينسب للصحابى الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص الذى توفى ودفن فى داره  عام 65هـ عندما قدم الخليفه الأموى مروان بن الحكم إلى مصر لاستخلاصها من والى مصر عبد الرحمن بن جحدم الفهرى من قبل عبد الله بن الزبير لما بويع بالخلافه فى مكة المكرمة

ويذكر الكندى فى كتاب الولاة والقضاة  (فلم يستطع أحد أن يخرج بجنازته الى المقبرة لشغب الجند على الخليفه مروان بن الحكم فدفن بداره) وكانت دار عبد الله مجاورة لدار والده عمرو بن العاص وهما بالجهة الشرقية ناحية رواق القبلة للمسجد بحدوده القديمة وكان بينهما وبين المسجد طريق لعبور المارة  وذكر إبن تغرى بردى فى كتاب النجوم الزاهرة أنه فى عام 93هـ قام الوالى قرة بن شريك بعمل زيادة للمسجد من جهتة الشرقية فأخذ بعض دار عمرو بن العاص وإبنه عبد الله فى المسجد وأخذ منهما الطريق الذى بين المسجد وبينهما وظل قبر عبد الله بن عمرو مجهول الإسم والمعالم لأنه لم يكن من المعهود ولا من المقبول دفن الموتى داخل المساجد حتى العصر العثمانى فقام الأمير مراد بك بعمل عمارة كبيرة بالمسجد فلعله أراد إحياء وجود مقبرة عبد الله بن عمرو داخل المسجد فبنى المقصورة وعليها قبة ويعتاد المصريون صلاة آخر جمعة فى رمضان بمسجد عمرو بن العاص إحياءاً لذكرى مؤسس الجامع الذى توفى ليلة عيد الفطر أى فى آخر أيام رمضان

 

تربة الزردكاش بالسيدة عائشة وسقوط دولة المماليك

يطلق على وظيفة الزردكاش للشخص المسؤل عن المكان المخصص لحفظ السلاح والعتاد وأنشأ تربة الزردكاش بالسيدة عائشة الأمير تمر الحسنى الشهير بالزردكاش على عهد السطان المملوكى قانصوه الغورى ليدفن بها حين يأتى الأجل المحتوم وهى أثر رقم 161 وكان الأمير تمر من مماليك السلطان سيف الدين إينال وفى عهد السلطان الغورى صار معلماً - أى رئيساً - للرماحة والرماحة هم كوكبة من الفرسان تتقدم الإحتفال بدوران وخروج المحمل الذى يحمل كسوة الكعبة المشرفة وتستعرض فيه مهاراتها فى اللعب بالرماح وكان عدد المماليك الرماحة أربعين مملوكاً ولهم أمير (معلم ) يعاونه أربعة باشات وكان للرماحة ملابس حمراء تميزهم

وفى رحلتنا مع العلاّمة والباحث الآثارى أبو العلا خليل ينقل عن إبن إياس الحنفى فى كتاب بدائع الزهور فى وقائع الدهور (وفى تاسع رجب عام 910هـ نودى فى القاهرة بالزينة بسبب دوران المحمل ولبسوا الرماحة الأحمر والخوذة على العادة وكان معلم الرماحة تمر الحسنى الزردكاش أحد المقدمين والباشات الأربعة وأحرقوا قدام السلطان إحراقة نفط حافلة ودارت المسايرات فى القاهرة فلما انفض أمر المحمل خلع السلطان الغورى على معلم الرماحة تمر الحسنى الزردكاش وأركبه فرس بسرج ذهب وكنبوش وأخلع على الأربعة باشات ونزلوا إلى دورهم)

الزردكاش وسقوط المماليك

يوضح أبو العلا خليل أن الأمير تمر الزردكاش كان من جملة الأمراء الذين اصطحبهم السلطان الغورى معه على رأس جيش كبير لقتال الجيش العثمانى بقيادة السلطان سليم الأول فى موقعة مرج دابق بالشام فى شعبان عام 922هـ وعن بدايات المعركة يذكر إبن إياس الحنفى فى كتاب بدائع الزهور فى وقائع الدهور (وكان حول السلطان الغورى أربعون مصحفاً فى أكياس حرير أصفر على رؤوس جماعة أشراف وفيهم مصحف بخط الإمام عثمان بن عفان رضى الله عنه وكان حول السلطان خليفة سيدى أحمد البدوى ومعه أعلام حمر وخليفة سيدى أحمد بن الرفاعى والشيخ عفيف الدين خادم مسجد السيدة نفيسة رضى الله عنها بأعلام سود وكان الصنجق - أى العلم - السلطانى خلف ظهر السلطان وفيهم الأمير تمر الزردكاش أحد المقدمين فقاتلوا قتالاً شديداّ وكانت النصرة لعسكر مصر أولًا)

ويذكر إبن الزنبل الرمال فى آخرة المماليك (لما أراد الله إزالة دولة الغورى أوقع الخلف فيهم لأمر يقضيه وحكم يمضيه فكان العسكر كله مختلفا فى بعضه مفسود النية فصار السلطان واقفاً تحت الصنجق فى نفر قليل من المماليك وشرع يستغيث هذا وقت المروة قاتلوا وعلى رضاكم فلم يسمع له أحد قولاً وصاروا ينسحبون من حوله والتفت الغورى للمشايخ وقال لهم ادعوا الله تعالى بالنصر فهذا وقت دعاكم)

ويستكمل إبن إياس  (فلما اضطربت الأحوال وتزايدت الأهوال فخاف الأمير تمر الزردكاش الحامل لصنجق السلطان الغورى فأنزله وطواه وأخفاه ثم تقدم إلى السلطان وقال له يا مولانا السلطان إن عسكر ابن عثمان قد أدركنا فانج بنفسك واهرب إلى حلب فلما تحقق السطان من هزيمته نزل عليه فى الحال فالج - أى شلل - أبطل شقته وأرخى حنكه فطلب ماء فشرب منه قليلاً وخرجت روحه من شدة قهره ويسقط تحت سنابك الخيل)

طومان باى

ونتابع مع أبو العلا خليل حيث يذكر أن عددًا من الأمراء تمكن من الهرب إلى مصر ومنهم الأمير تمر الحسنى وهم فى أسوأ حال من الجوع والضعف واجتمع رأى الأمراء على سلطنة الأمير طومان باى إبن أخى السلطان الغورى وكان الغورى قد عينه نائباً عنه فى غيبته ثم زحف السلطان العثمانى سليم الأول إلى القاهرة وتقابل مع طومان باى وجيوشه عند الريدانية - ميدان العباسية حالياً- ولما أيقن طومان باى بهزيمته فر وتخفى فى جامع شيخو بشارع الصليبة بحى الخليفة  وأراد الأمير تمر الحسنى الزردكاش وجماعة من الأمراء أن يجعلوا لهم وجهاً عند السلطان العثمانى فيهجموا على السلطان طومان باى وهو بجامع شيخو ويقبضوا عليه ويضعوه فى الحديد ويسلموه باليد إلى السلطان سليم خان إبن عثمان إلا أن الله تعالى رد بغيهم على أنفسهم فنادى لهم إبن عثمان أن يظهروا ولهم أمان الله وكتب لهم أوراقًا بالأمان إذا ظهروا

فظنوا أن هذا الأمان يفيدهم فوضعوا تلك الأوراق على رؤسهم ووضعوا فى رقابهم مناديل الأمان وقابلوا إبن عثمان فلما قابلوه سألهم لم تركتم ملككم وجئتم إلى عدوكم؟ قالوا آثرنا خدمتك على طاعته واخترنا أن نكون من أجنادك فقال لو كان فيكم خيراً كان لطومان باى ووبخهم بالكلام وبصق فى وجوههم وذكر لهم ظلمهم وماكانوا يصنعون وأمر بضرب أعناقهم بين يديه وهو ينظر اليهم وذلك فى يوم السبت أول ربيع الأول عام 923هـ

دفن الزردكاش

ويذكر أبو العلا خليل أن نساء الأمراء ظلت ترشى المشاعلى- أى القائم بتنفيذ القتل - حتى يمكنهن من نقل جثث أزواجهن ليحضرن التوابيت للدفن فى الترب المخصصة لهم وصارت الجثث مرمية تنهشها الكلاب وحملت زوجة الأمير تمر الحسنى الزردكاش جثمانه ودفنته بقرافة سيدى جلال الدين بالسيدة عائشة ومن الجدير بالذكر ان هذه التربة قد تعرضت كغيرها من الآثار الإسلامية ذات الموقع المتميز إلى استخدام الحملة الفرنسية لها كموقع عسكرى مما أدى إلى هدم قبتها والاستعاضة عنها فيما بعد بسقف من البراطيم الخشبية

حكايات مصرية - بوابة قصر الغورى بشارع الصليبة

كانت خاتمة حياة السلطان الغورى فى موقعة مرج دابق عام 922هـ حين أستشعر هزيمته اعتراه رجفة وسقط من على ظهر فرسه وكان بطيناً سميناً فدهسه الفرس بحوافره وتوفى على الفور وهو ملقى على الأرض ودخل السلطان العثمانى سليم الأول القاهرة منتصرا وجلس على عرش السلطان الغورى وسكن  بقصره بشارع الصليبه بالسيدة زينب لتصدق فيه الآية الكريمة (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك واورثناها قوم اخرين)

ويشير الباحث الآثارى أبو العلا خليل من خلال كتاب إبن إياس بدائع الزهور فى وقائع الدهور وفى شهر رجب عام 913 هـ / 1508م  كان انتهاء العمل مما جدده السلطان الغورى من العمارة بالقصر الكبير فلما تم ذلك صنع به وليمة كبيرة حضرها القضاة والأمراء وقرأ بها القرآن قرّاء البلد قاطبة ومدت الأسمطة (موائد الطعام)  

وقد جار الزمان على قصر السلطان الغورى ولم يتبقى منه سوى البوابة الرائعة المكونة من عقد مدائنى يعكس طراز المداخل فى عصر المماليك وعلى جانبى المدخل يوجد مكسلتان أى مصطبتان لجلوس الحراس وعلى يمين  المدخل يوجد شرفة محمولة على كوابيل حجرية وكانت تستخدم كبرج للحراسة والمراقبة وعليها رنك (شعار)  السلطان الغورى داخل دائرة.

بطاقة هوية وتعريف علمى لدورق ربيعة ابن أحمد بن طولون بمتحف الفن الإسلامى

دراسة للباحث الآثارى أبو العلا خليل تضع بطاقة هوية وتعريف لدورق زجاجى بمتحف الفن الإسلامى بدون أى تعريف

الدورق صنع من عجينة معتمة غير شفافة غاية فى الدقة والجمال وصاحبه هو الأمير ربيعة بن أحمد بن طولون الذى قتل على آثر ثورته على ابن أخيه هارون بن خمارويه يوم الثلاثاء 11 شعبان سنة 284هـ/897م

وهو مسجل برقم 13104 وقد اقتناه متحف الفن الإسلامى عن طريق الشراء من التاجر موريس نجمان بالقاهرة سنة 1935 وكتب المتحف فى سجلاته (دورق يحمل نصا بالخط يقرأ "عمل أحمد بن هنيدا" والدورق صغير الحجم ذو بدن كمثرى الشكل له فوهة بيضاوية ينتهى طرفها بجزء صغير مسحوب هو مكان صب المياه ويقابله مقبض يتألف من شريط زجاجى ينثنى من أعلاه ليكّون نتوءً يرتكز عليه إبهام اليد عند الإستعمال ويشتمل الدورق على سطرين من الكتابة بالسطر العلوى "مما عمل للأمير ربيعة" والسطر الثانى "عمل نصير بن أحمد بن هيثم "

بالصور كتّاب العلائى شهادة ميلاد لمولود أثرى جديد بشارع المعز

أثرًا هام بشارع المعز لدين الله الفاطمى ليس له شهادة ميلاد لقلة المصادر التى تحدثت عنه ويمثل الأثر بقايا كتاب الأمير أرغون العلائى  الذى يقع على يسار الداخل إلى مجموعة السلطان المنصور قلاوون بشارع المعزلدين الله والتى تضم القبة الضريحية والمدرسة والبيمارستان ويتكون من بائكة من أربعة عقود متجاورة وقد استخرج شهادة ميلاد هذا الأثر الهام باحث الآثار الإسلامية أبو العلا خليل ومن خلال البحث فى المصادر التاريخية القليلة التى كتبت عنه تم ولأول مرة استخراج شهادة ميلاد علمية آثارية لهذا الأثر لينضم للآثار الإسلامية الخالدة بالقاهرة التاريخية

ومنشئ هذا الأثر هو الأمير أرغون العلائى الناصرى عام 746هـ على عهد السلطان المملوكى الكامل شعبان بن الناصر محمد بن المنصور قلاوون وهذه العقود هى بقايا كتاب أنشأه الأمير أرغون وخصصه لتعليم أيتام المسلمين القرآن الكريم وكان هذا الكتاب ضمن عدة أعمال أقامها أرغون حين كان مشرفا على البيمارستان أى المستشفى المنصورى بداخل مجموعة السلطان المنصور قلاوون وكان أرغون أحد مماليك السلطان الناصر محمد بن قلاوون ولذا عرف بأرغون الناصرى  وقد تهدم هذا الكتاب وبقى منه هذه العقود

الأمير أرغون مربيًا

.وفى رحلتنا مع باحث الآثار الإسلامية أبو العلا خليل يكشف عن شخصية منشئ هذا الكتّاب وهو الأمير أرغون العلائى الناصرى عام 746هـ على عهد السلطان المملوكى الكامل شعبان بن الناصر محمد بن المنصور قلاوون وكان أرغون أحد مماليك السلطان الناصر محمد بن قلاوون ولذا عرف بأرغون الناصرى ورقاه السلطان الناصر محمد فى خدمته وجعله لالا- أى مربياً- لولده آنوك ولم يلبث أن عزله من وظيفته حين علم بشغف آنوك بمغنية تعرف بالزهرة وعن ذلك يذكر المقريزى فى كتاب السلوك (ولما بلغ السلطان ذلك استدعى آنوك وهم بقتله بالسيف فمنعته أمه وجواريه وأرعد آنوك من الخوف ولزم الفراش وتغير بعدها السلطان على لالاه- أى مربيه- أرغون العلائى وأقام طيبغا المجدى عوضه)

زواج الأمير أرغون

يشير أبو العلا خليل إلى أن السلطان الناصر محمد بن قلاوون توفى عام 741هـ وترك من أولاده الذكور إثنى عشر ولداً ذكرا وبوفاة الناصر أقبل كبار أمراء المماليك على الزواج من جوارى السلطان طمعاً فى اعتلاء أبناء هؤلاء الجوارى للسلطنة وكان من نصيب الأمير أرغون العلائى الزواج من جارية السلطان وأم ولديه الصالح إسماعيل والكامل شعبان وبالتالى لم يكن لهؤلاء الأطفال وأمهاتهم حيلة أمام قوة الأمراء المتصارعين على المسرح السياسى ففى عام 743هـ اتفق الأمراء على سلطنة الصالح إسماعيل بن الناصر محمد وهو الرابع ممن ولى السلطنة من أولاد الناصر محمد وصار فيها الأمير أرغون العلائى زوج أم السلطان الصالح إسماعيل رأس نوبة أى المتحدث فى شأن المماليك السلطانية ويكون رأس المشورة ومدبر الدولة وكافل السلطان فكثرت إقطاعاته وأملاكه وأمواله

السلطان الكامل شعبان

 وينقل الباحث الآثارى أبو العلا خليل عن المقريزى فى كتاب السلوك عن حوادث شهر جمادى الآخرة عام 743هـ (أنعم السلطان الصالح إسماعيل على الأمير أرغون العلائى زوج أمه بعشرين ألف دينار ومائتى ألف درهم)  وفى عام 746هـ توفى الصالح اسماعيل وله من العمر نحو عشرين سنة واستطاع أرغون أن يولى السلطنة للكامل شعبان كونه أيضا ربيبه أى إبن زوجته وشقيق الصالح إسماعيل وذلك على غير رغبة الأمراء ونال أرغون ثقة السلطان الكامل شعبان حتى أسكنه بجواره فى دار الحكم بقلعة الجبل وجعله مسؤلاً عن بيمارستان جده المنصور قلاوون بشارع بين القصرين (المعزلدين الله حاليا)

إنشاء الكتّاب

ويتابع أبو العلا خليل ناقلاً عن إبن تغرى بردى فى كتاب النجوم الزاهرة عن حوادث عام 746هـ أن السلطان الكامل شعبان خلع على زوج أمه الأمير أرغون العلائى واستقر فى نظر البيمارستان المنصورى فنزل إليه أرغون وأصلح أموره وأنشأ بجوار باب البيمارستان المذكور مكتب سبيل لقراءة الأيتام ووقف عليه وقفاً

ويعرّف الدكتور محمد حمزة الحداد أستاذ الآثار الإسلامية وعميد كلية الآثار جامعة القاهرة فى كتابه "قرافة القاهرة" مصطلح مكتب السبيل بأنه وقف فى سبيل الله كغيره من المنشأت الخيرية وليس لأنه بنى فوق السبيل الخاص بشرب المياه كما يعتقد البعض وقد تهدم المكتب المذكور ولم يبق منه غير هذه العقود

وينقل أبو العلا خليل عن إبن حجر العسقلانى فى كتاب الدرر الكامنة على نسبة هذه العقود للأمير أرغون العلائى أنه هو الذى أنشأ كتاب السبيل على باب بيمارستان المنصور قلاوون لما ولى نظره وينقل عن المقريزى فى السلوك لمعرفة دول الملوك أن أرغون أنشأ بجوار باب البيمارستان مكتب سبيل لقراءة أيتام المسلمين القرآن الكريم ووقف عليه وقفاً بناحية من الضواحى

حكاية البيمارستان

لعل ذكر المؤرخين لعبارة "باب البيمارستان" دون ذكر الضريح والمدرسة والذى يضم الباب ثلاثتهم لعظم دور البيمارستان فى حياة العامة كأشهر مستشفى لعلاج الأمراض فى العصور الوسطى ويضيف الدكتور أبوالحمد محمود فرغلى أستاذ الآثار الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة فى الدليل الموجز لأهم الآثار الآسلامية والقبطية ولغلبة اسم البيمارستان على هذه المجموعة البنائية لأنه السبب فى إنشائها

نهاية أرغون

يوضح أبو العلا خليل أن قلوب الأمراء تنكرت على السلطان الكامل شعبان لسوء سيرته حتى بعث إليه الأمير يلبغا اليحياوى أنى أحد الأوصياء عليك وأنه مما قاله لى والدك الناصر محمد رحمة الله فى وصيته اذا أقمتم أحد من أولادى ولم ترتضوا سيرته جروه برجله وأخرجوه وأقيموا غيره وأنت أفسدت المملكة والمصلحة أن تعزل نفسك عن الملك ليتولى غيرك وأشار أرغون على السلطان الكامل بأن يركب بنفسه إليهم ويتنازل عن السلطنة ولم يرضى الأمراء بتنازل السلطان الكامل شعبان عن السلطنة وضرب أحد الأمراء الأمير أرغون العلائى بدبوس حتى أرماه عن فرسه إلى الأرض ثم ضرب بسيف قطع خده وقبضوا عليه وحبسوه بسجن الإسكندرية وبعثوا إليه من يقتله فى محبسه وكان هذا آخر العهد بذكر الأمير أرغون

بالصور "شالى" مدينة أثرية إسلامية بواحة سيوة جسّدت التفاعل بين الإنسان والبيئة

دراسة أثرية معمارية جديدة للمهندس عماد فريد الحاصل على جائزة الدولة التشجعية فى مجال الفنون وجائزة حسن فتحى للعمارة من مكتبة الإسكندرية وجائزة مؤسسة هوتيلز لأحسن عشرين معمارى فى العالم تحت عنوان "تاريخ مدينة شالى الأثرية" ترصد معالم عمارة واحة سيوة التى تجسّد التفاعل بين الإنسان والبيئة حيث اعتمدت على الخامات الطبيعية الموجودة فى البيئة المحيطة

ومدينة شالى خاضعة للآثار منذ عام 2009 وقد أشرف على مشروع ترميمها المهندس عماد فريد وأن إسم شالى تعنى المدينة فى اللغة السيوية ومن المرجح أن يكون دخول الإسلام إلى سيوة قبل نهاية القرن الأول الهجرى أما مدينة سيوة الحالية فيرجع تأسيسها إلى عام 600هـ 1203م

ولمدينة شالى باب واحد ما زال قائمًا حتى الآن ويطلقون عليه باب أنشال بمعنى باب المدينة وفى الجهة الشمالية من سور المدينة يوجد الجامع القديم ثم فتح باب آخر بالجهة الجنوبية قرب معصرة الزيوت وأسموه الباب الجديد وكان يستخدمه الذين يتحاشون المرور أمام رؤساء العائلات الذين كانوا يقصدون مجلسهم اليومى على مقربة من الباب الرئيسى بالمدينة

وتشير الدراسة إلى أن مدينة شالى اعتمدت على البناء بالكيرشيف وهو نوع من الملح المتكلس على طبقات وارتفاع الطبقة 25سم والأسقف من خشب النخيل المعالج فى بحيرة الملح وذلك للتخلص من العصارة الجاذبة للحشرات القارضة ويتم أيضا استخدام أخشاب الزيتون الجافة فى عناصر الأثاث مع الجريد ونوع من الطفلة الخضراء الزبدية فى العناصر المعمارية التى تستخدم فيها المياه بكثرة مثل المطابخ ودورات المياه

ويتميز تخطيط شوارع المدينة القديمة لسيوة بالشوارع المظللة لكسر حدة الحر وقد تم توجيه البيوت بحيث تفتح الشبابيك فى الاتجاه البحرى ويقابلها فتحات فى الاتجاه القبلى لخلق تيارات هوائية وتعمل الأحواش الداخلية والأفنية عمل ملاقف الهواء والبيت فى سيوة القديمة يستخدم دورات مياه جافة لاستخدام أقل قدر من الماء ويتم الاعتماد على العيون الخارجية فى الحقول للاستحمام

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.