كاسل الحضارة والتراث Written by  نيسان 15, 2021 - 322 Views

طقوس الزواج في العصور القديمة: (هوميروس نموذجًا)

Rate this item
(1 Vote)

بقلم د.  بوسي الشوبكي

دكتوراه في التاريخ والحضارات القديمة

 فقد حدثنا الشاعر عن الزواج "جاموس" (γάμος) والتجهيزات التي تتخذها الفتيات استعدادًا لزواجهن. ويظهر ذلك من المشهد الذي يصوره الشاعر لناوسيكا التي تحثها صديقتها على تجهيز نفسها لحفل زفافها الذي أصبح قريبًا، ومن كثرة الخُطاب الذين تقدموا لها وعما قريب ستختار أحدهم.

 وتشير لنا الأوديسية إلى كلمات أثينا لناوسيكا على لسان صديقاتها المفضلة والمقربة لقلبها ابنة ديماس (Dymas) فتقول:

زواجك أصبح قريبًا

فيجب عليك أن تعدِّي نفسك للزواج

والملابس الجميلة التي تعطيها لرفيقاتك أيضًا

مثل هذه الأمور تعرف جيدًا بين الرجال.

 لن تظلي كثيرًا دون زواج

حتى الآن، تقدم لخطبتك أفضل الخُطاب في وطنك.

ومنهم من هو مناسب لك، لكن

سيأتي النبلاء في صباح يوم باكر ومعهم

الهدايا من أجلك.

ويحملون الأحجبة والعباءات والأغطية اللامعة.

 ويوضح هوميروس أنه إلى جانب التجهيزات التي كانت تقوم بها الفتاة من أجل زواجها، كانت هناك شروط معينة لإتمام هذه الزيجة، ولكنها لم تكن شروطًا عامة ومحددة، بل كانت مختلفة ومتغيرة. فكان أول شرط للزواج هو أن يقدم العريس أو الخطيب "منيستير" (μνηστήρ) هدايا الزواج "إيدنا" (ἔεδνα) لوالد العروسة من أجل الزواج من ابنته. كما يوضح لنا الشاعر مشهدًا من الإلياذة يؤكد فيه هذا النموذج من الزواج وهو زواج هيكتور من أندروماخي فيقول:

اليوم الذي قادها هيكتور ذو الخوذة اللامعة

من منزلها بإئيتيون وهبها هدايا الزواج التي لا حصر لها.

كما جاءت في مشاهد من الأوديسية أبياتٌ تدل على هدايا الزواج من جانب العريس لوالد العروس:

الذي سيقدم هدايا الزواج الباهظة يأخذها لمنزله.

والإشارة الأخيرة لهدايا الزواج جاءت علي لسان هوميروس في الأوديسية. وبذلك تعرض لنا الإلياذة والأوديسية الزواج القائم على أساس تقديم الهدايا "إيدنا" من قبل عائلة العريس لعائلة العروس؛ ولكن الهدايا "إيدنا" لم تكن شرطًا ثابتًا وموحدًا في جميع الزيجات، بل كانت هناك زيجات مناقضة لمثل هذه الزيجة.

لم تكن الهدايا "إيدنا" ضرورةً مُلِحَّةً لعقد الزواج وإتمام طقوسه، فحدثت حالات تم فيها الزواج بدون الهدايا "أنايدنوس" (ἀνάεδνος) من جانب العريس، بل كان يقدم خدمة أو يقوم بأحد الأعمال من أجل والد العروسة، وبذلك يتم الزواج. كما يوضح لنا الشاعر في حالة كاسندرا (Kassandra) أجمل بنات برياموس عندما تقدم أوثريونيوس (Othryoneus) لخطبتها وطلب الزواج منها فإنه لم يقدم هدايا الزواج، بل قدَّم خدمة للملك برياموس؛ وهي أن يشترك في الحرب ويطرد الآخيين من طروادة، وتكون هذه هي هدية الزواج، كما جاء في الأبيات:

وطلب يد أجمل بنات برياموس

كاساندرا ولم يقدم الهدايا ليخطب ودها،

بل وعد بإنجاز بطولي، وهو أن يطرد أبناء الآخيين.

ووعد الشيخ برياموس بأن يعطيها له، فأومأ برأسه.

وتوجد حالة أخرى للزواج بدون الهدايا "أنايدنوس" التي يقدمها العريس؛ حيث يقوم والد العروسة بتقديم هدايا الزواج "ميّليا" (μείλια) للعريس على أنها مهر لابنته. في هذا المشهد الذي يصوره الشاعر على لسان أجاممنون يحاول أن يسترضيَ أخيلّيوس كي يعود للمشاركة في القتال مقابل بعض الهدايا، منها أن يختار من بناته مَن تعجبه لتكون زوجة له دون هدايا "أنايدنوس". بل سيقدم له هو هدايا "ميّليا" تفوق الوصف قائلاً في الأبيات التالية:

فتأخذ من تروق له الى بيت بيليوس

دون أن يقدم هدايا الزواج، بل سوف أعطيها

أنا هدايا كثيرة قيمة. لم يقدمها أحد لأبنته.

ويصور لنا الشاعر مشهدًا في الأوديسية على هذا الزواج، عندما يطلب الملك ألكينوس من أوديسيوس أن يتزوج ابنته ناوسيكا، إذ يقول:

إنني مثلك تمامًا أتعقل الأمور، وأود أن تصبح ابنتي زوجة

لك، وستصبح أنت ابنًا لي، وسوف أمنحكم منزلاً

وممتلكاتٍ، إذا اخترت أن تظل هنا.

الشيء الذي يمكن أن نستنتجه أنه إذا وافق أوديسيوس على مثل هذا العرض لَأَصْبَحَ ملكًا على الجزيرة وخليفةً لألكينوس بزواجه من ابنته.

كما يشير الشاعر أيضًا في مشهدين من الإلياذة؛ أحدهما في الكتاب السادس عن الهدايا التي يمنحها والد العروس لزوج ابنته، مثلما فعل ملك الليكيين (Lycia) مع بيلليروفون زوجه ابنته، إذ منحه حكمًا وأرضًا. والمشهد الآخر في الكتاب الثاني والعشرين على لسان الملك برياموس في حديثه مع هيكتور عن أبنائه ليكاؤن وبوليدوروس (Polydorus) من زوجته لاؤثوى (Laothoe)، -أميرة النساء- فإذا كانا على قيد الحياة سيفديهما الملك بالبرونز والذهب الذي قد منحه إياه جدايهما ألتيس (Altes) - الذي يحكم الليليجيين محبي القتال في بيداسوس-عند زواجه من ابنته. إضافة إلى ذلك يشير الشاعر في الأوديسية في الكتاب الأول إلى مشهد افتتاحي، حيث ينصح الخُطاب تيليماخوس إذا رغبت أمه في الزواج فيتركها تذهب لبيت أبيها كي يقيم لها حفل الزفاف ويجهزها بأفضل الهدايا.

وهكذا؛ فإن الصورة التي تقدمها لنا القصائد عن الزواج ليست مقصورةً على نمط معين. فقد عرضت لنا زيجات أخرى مختلفة عن الزيجات التي تمت في المجتمع الآخي. فيعطينا الشاعر نموذجًا آخر عن الزواج من قصر الملك برياموس من طروادة فقد كان جميع أبناء الملك أمراء وأميرات يعيشون هم وأزواجهم في قصر برياموس. ونفس الشيء في قصر ألكينوس، حيث تشير ناوسيكا إلى أنه إذا تم زواجها من أوديسيوس سيعيش معها في قصر أبيها. ولم تنتقل الأميرات للعيش مع أزواجهن خارج قصور آبائهن، ويبدو أن هذا الوضع كان خاصًّا بالأميرة فقط أو بالمرأة التي تتمتع بنسب الملوك.

ومن الظواهر التي يلقي الشاعر عليها الضوء ظاهرة تعدد الزوجات، التي ظهرت بشكلٍ خاصٍّ في المعسكر الطروادي، لكن لم يعطنا الشاعر أسباب وجود هذه الظاهرة. فكان أول مشهد لتعدد الزوجات ظهر من وفاة جورجيثيون (Gorgethion) ابن برياموس من زوجته كاستيانيرا (Kasteanera) وهو يقاتل مع أخيه هيكتور أما المشهد الثاني فظهر من زواج برياموس بلاؤثوى ابنته الملك ألتيس. من المحتمل أن يكون زواجًا سياسيًّا، أو زواجًا عقد بين الملوك بعضهم بعضًا من أجل توثيق العلاقات، وتم بالطريقة المتعارف عليها، ونتج منه أبناء شرعيون. ومن الملاحظ أيضًا أننا لم نشهد أيَّ ظهور للاؤثوى على ساحة الأحداث، وهذا يأخذنا إلى نتيجة مفادها أن الزوجة الأولى تحتفظ بمكانتها داخل القصر.

بينما المشهد الثالث والأخير وضح من حديث برياموس مع أخيلّيوس عندما ذهب إليه في معسكره كي يفتديَ جثمان ابنه، وكان يندب حظه التَّعِس على فقدان أبنائه الشجعان الذين أنجبهم من نساء أخريات داخل القصر. وما وضع هؤلاء الزوجات الأخريات داخل القصر، مما يعكس بدوره صورة للمجتمع. فمن المحتمل أنه كان لهؤلاء الزوجات الأخريات مكانتهن داخل القصر، ومن المحتمل أيضًا أنهن كنَّ مهمشات ومعدمات المكانة الاجتماعية، لكننا لا نستطيع أن نؤكد ذلك.

إن ظاهرة تعدد الزوجات لم تظهر بصورة كبيرة في غير هذا السياق الذي جاء على لسان برياموس، ولم يذكر لنا الشاعر أيَّ إشارة أخرى عن تلك الظاهرة وأسبابها حتى في المعسكر الآخي. لكن يوجد إشارة إلى وجود محظيات للملك، ولا نعلم إلى أيِّ مدى كانت هذه الظاهرة منتشرةً في ذلك الوقت، ومن المحتمل أيضًا أن يكون هؤلاء محظيات تحولن لزوجات بمجرد إنجابهن من الملك في القصر، وهذه ظاهرة طبيعية، ومن كانت تنجب له أبناءً تصبح زوجة بعد ذلك، لكنها أيضًا لا تصل إلى مكانة الزوجة الأولى. والشيء الوحيد الذي نستطيع أن نتأكد منه هو أن الزوجة الأولى للملك هي الزوجة الشرعية، ولها مكانتها داخل القصر؛ مثل هيكابي.

 وبذلك؛ يتبين أن موضوع تعدد الزوجات لم يكن وضعًا اجتماعيًّا عامًّا ومعروفًا حينذاك، فالشاعر صوَّر لنا الرجل دائمًا متزوجًا من زوجة واحدة فقط، ولكنه يتخذ الخليلات والمحظيات، فكانت الزوجة لا يمكن أن تلغيَ وجود الخليلات طالما أنه معترف بها كالزوجة الشرعية، وتتحمل وجودهن، وأطفالهن يكونون غير شرعيين، ولا يتساوون مع أطفالها.

وإن ما يميز الزوجه الشرعية عن المحظية أن الزواج تم بالطريقة الشرعية والقانونية المتعارف عليها، وهي من خلال والدها الذي يعطيها لزوجها في احتفال عام ومعها مهرها. بينما يتم اختيار المحظية من أسرى الحرب أو شراؤها، لكن يمكن أن يختار الزوج زوجته من بين الأسيرات.

أما الظاهرة الأخرى المرتبطة أيضًا بالزواج فهي ظاهرة الطلاق، الذي لم يكن معروفًا في عصر الشاعر حتى في الحالات التي كانت فيها المرأة خائنةً لزوجها؛ مثل هيليني التي خانت زوجها ولم يطلقها مينيلاوس.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.