كاسل الحضارة والتراث Written by  حزيران 10, 2021 - 362 Views

إطلالة علي حضارة صالحجر من خلال حفائر شارع الأثار(1)

Rate this item
(1 Vote)

بقلم الآثاري / محمد أحمد ناصر

إلحاقا للمقال السابق (حكاية مدينتين في شارع الأثار بصالحجر) وما إنتهت عنه نتيجة حفائر صالحجر (2015-2016 ) من الجانب المعماري والكشف عن مدينتين متتابعتين كما أسلفنا وفي هذا المقال نستعرض بعض القطع الأثرية المكتشفة لنتعرف علي الطبيعة الحضارية في تلك الحقبة الزمنية.

وحين إستعرضنا المواد المستخدمة سواء كانت صخور وأحجار ومعادن ومواد مختلطة يتبين أن أهل المدينتين إستخدموا المواد المحلية بصورة كبيرة سواء كان معاد استخدامها أو لأول مرة في تشكيل الأثار المكتشفة

فنجد المبنى ذو الأرضية من الحجر الجيري تم تشكيل جدرانه من الطوب اللبن وتم تكسيتها بكتل من الحجر الجيري المصقول بسمك 7سم تقريبا وتم الكشف عن العديد من تلك النماذج متفرقة حول المبنى تثبت ذلك أما أبعاد الطول والعرض لها لم نكتشف قطعة كاملة حتى يتسنى لنا الجزم بأبعادها علي خلاف بلاطات الأرضية التي كانت أقل سماكة وتم صقل جدران المبنى بطرق مختلفة لإختلاف شكل الخدش أثناء الصقل وأعتقد أن ذلك يرجع كإسلوب لتزيين الحجرات الداخلية حسب الإمكانات المتاحة.

وعلي هذا النهج تم الكشف عن قطعة من الحجر الجيري تماثل سماكتها كتل الحجر الجيري المستخدمة في كساء وتبطين جدران المبنى إلا أن هذة القطعة تميزت بنحت بارز به ثلاثة عناصر مميزة أولها من اليمين نحت لشكل له خط حدودي من الخارج عرضه 1سم تقريبا  

أما العنصر الثاني لشكل آدمي يرتدي غطاء الرأس (النمس) ويبرز الشعر علي جانبي الجبهة أسفل الجزء المغطى أعلي الرأس والمزخرف بخطوط طولية والجانبين المنسدلين من النمس يوحى شكلهم البارز والمزخرف بخطوط عرضية  أنه تم ربط ذلك النمس من الخلف بطريقة مختلفة عن غطاء الرأس المعتاد بالحضارة المصرية ولا يظهر ذلك جليا لأن الجانب الخلفي من اللوحة تم تشذيبه بآلة حادة عريضة لعدم ظهورها للرائي وتم تصميمه بإسلوب لا يشابه أي من القطع الأثرية في الحضارة المصرية أو البطلمية والرومانية سواء بمصر أو الإمبراطورية الرومانية بأسرها يعلوه تاج الشمس المشعة بين قرني البقرة وعن ملامح الوجه تم إبراز شكل الأذن من غطاء الرأس ولم تتم المبالغة في حجمها علي خلاف العينين البارزة مما أضفى جمالا علي الوجه وأتبع في الحاجبين الإسلوب اليوناني من إخفاء الحاجبين والإستعاضة عنه ببروز الجبهة وتم نحت الأنف بملامح يونانية من الأعلى مع تضخيم الجزء الأسفل منها بما يشابه بعض المدارس المصرية في النحت وتم نحت الفم والشفتين بحجم صغير مع مراعاة النسب التشريحية لباقي عناصر الوجه (مما يشير أن هذه المنحوتة لشاب صغير أو إمرأة ) ولم يتم تشكيل الوجنتين بشكل بارز كما هو متبع مع أغلب الأثار المصرية بل وتم نحت منطقة أسفل الذقن (اللغد) بشكل انسيابي ممتلىء إلا أنه تم المبالغة في حجم الرقبة وطولها مما يخرجنا من التمثيل الواقعي الي محاولة الفنان لإبراز تأثير الحياة الرغدة والجمالية علي الملامح البشرية ثم تأتي بعد ذلك الملابس التي يرتديها ذلك العنصر البشري والذي يعتقد للوهلة الأولى أنه لباس عسكري روماني ولكن بالتدقيق علي شكل الطوق يتبين أنه يشبه لف العباءة بشكل رقم سبعة بالعربية وذلك ما يشبه ملابس العصر الصاوي وتم تشكيل الملابس بمستطيلات متراصة في صفوف مائلة مع إتجاه الطوق مما يجعله عملا فريدا من نوعه ويشير الي مدرسة فنية محلية قائمة بذاتها في سايس تشكلت من التأثيرات اليونانية الرومانية والمصرية القديمة مضافا الي الرؤية الفنية القائمة بصالحجر القديمة

أما العنصر الثالث يمثل الكوبرا المتوجة بتاج الشمس المشعة بين قرني البقرة وهو نفس التاج الذي يرتديه الشكل البشري الأوسط وتتميز تلك الكوبرا بشدة البروز عن السطح المنحوتة عليه والذي يضيق منحنيا بدورة الي جانبها الأيمن مما جعل رؤيتها من المنظور الأمامي وكأنها تنظر للجانب (ما يؤكد صناعتها المسبقة لتثبيتها علي هذا الجانب تحديدا)

 وكذلك تزيين الكوبرا الفريد بنحت نقاط صغيرة غائرة طرقا بشكل شبه طولي علي البطن البارزة وكذلك باقي الجسم بإسلوب أقل إنتظاما وإخترقته بعض الخطوط العرضية ..... وهنا يأتي التساؤل لماذا ترتدي الكوبرا والعنصر البشري لنفس التاج بنفس المنظر؟؟؟

وأرى أن تلك العناصر الثلاثة جزء من نحت ديني رمزي بارز مثبت علي أحد الجدران الطينية علي الحافة اليمنى لمدخل أحد الحجرات من معبد صاوي بأواخر الحقبة الرومانية عندما نضجت معالم إسلوبها الفني الخاص بها وربما يمثل العنصر البشري الموجود المعبودة نيت أثينا العنصر الديني الأبرز والذي يتوافق تمثيله بالكوبرا المصرية وتأثيرات إغريقية واضحة وتعد هذه القطعة صورة جديدة من الفن الهلينستي الصاوي .

وقطعتنا الثانية رغم أنها كسرة لا يمكن توصيفها بأنها شقافة لأن الشقافة عبارة عن شطفة مكسورة سواء من حجر أو فخار بل هي جزء من لوحة فخارية تم صبها وتشكيل أحد وجهيها وتظهر الحافة اليسرى للوحة مستقيمة بإطار نصف دائري غير منتظم أقصي عرض له 1سم ويظهر جزء آخر من الحافة السفلى وتم تصوير شخصين يرتديان النقبة المصرية بالشكل البارز أحدهما ممسكا بذراع الآخر ويحمل كل منهما شيئا في يده وفقدت اللوحة الجزء الذي يمثل عليه رأس كل منهما وتمثل اللوحة أحد مناظر الطقوس الدينية ولاشك أنها مرتبطة بالمعبد سالف الذكر حيث تم استخدام خامات من البيئة المحيطة تماشيا مع الحالة الإقتصادية حينها  

 والقطعة الثالثة من الحجر الجيري يغلب عليه اللون الرمادي أو ما يطلق علية بالوسط الأثري بالحجر الطيني حيث تمثل حبيبات التراب الرمادية أحد عناصره الرسوبية ويخلو من القشريات البحرية والرمال والأثر يمثل شكل شبه آدمي متكئ علي قاعدة مستطيلة عليه رداء يغطي الجزء الأسفل من الجسم باستثناء القدم وتم نحت الرداء بخطوط طولية ويظهر شكل البطن والصدر والزراعين مكشوفة وتم تلوين الجسم بالبني الغامق المخصص للذكور وتم تلوين الحجر الطيني لإضافة لمسة جمالية علي الحجر الرمادي .

وتعد هذه القطعة من النوادر أيضا لسببين أولهما تشريح الوجه الذي يبتعد نوعا ما عن التمثيل الأدمي وضياع معالم الأذن رغم وجود المساحة التي تسمح للفنان بتشكيلها ونحت العينين بشكل دائري واضح فلو كانت القطعة من الفخار كان من الممكن القول أن النحات استخدم أداة  إسطوانية لطبع العينين قبل الحرق ولكنها منحوتة من الحجر الجيري بالإضافة لتقارب عناصر الوجه وبروزه للأمام مخالفا التشريح الآدمي وأقرب منه للشكل الحيواني منه للآدمي حيث جرت العادة لأشباه تلك المنحتوات المتكئة من الفن الإغريقي أن يكون عنصرها الرئيسي أدمي  أما السبب الثاني لتميز هذا الأثر هو شكل الرداء الذي يعتمد علي تغطية الجزء الأسفل للجسم وتثبيته علي الجسم بحمالتين عريضتين علي الكتف وبذلك أصبح مخالفا للنقبة المصرية بوجود الحمالتين ومخالفا كذلك للملابس اليونانية حيث أن هذا الرداء فضفاض وطويل ولكنه لا يغطي كامل الجسد ولا يعتمد علي الربط بالحبل أو التجميع بالربط أو اللف الكامل أو حتي جزئي علي أحد الأكتاف مما يضعنا أمام حالة جديدة وفريدة من المزج بين الفن الإغريقي والفن المصري وأمام نوع جديد من الأردية يظهر لأول مرة في صالحجر ........يتبع الجزء الثاني  

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.