كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 28, 2022 - 116 Views

هوميروس شاعر اليونان الأول

Rate this item
(0 votes)

بقلم د.  بوسي أحمد الشوبكي

دكتوراه في التاريخ والحضارات القديمة

  • هوميروس وقصائده:-

الشعر الملحمي:-

 يعتلي الشاعر مكانة مرموقة في مجتمعه وبين قومه، هذه المكانة جعلته رمزًا بارزًا لقوميتهم، ومصدرًا مهمًّا لفترة هامة من تاريخهم المُبَكِّر.ويشير أفلاطون (Plato) إلى أن اليونانيين يؤمنون به لدرجة أنهم يعتبرون: "أنه مُعلم اليونان، وأنه يستحق أن يُتَّخَذَ مرشدًا في إدارة شئون الناس وثقافتهم، والمرء ينبغي عليه أن ينظم كافة شئون حياته مقتديًا بِخُطَى هذا الشاعر". وتحدث اليونانيون قديمًا عنه ووصفوه بأنه شاعرٌ أعمى يقوم بإنشاد شعره أمام مُستمعيه، وبصفة خاصة في قصور الملوك والنبلاء. وكانت نظرة اليونانيين له على أنه شاعر اليونان الأوحد وسيد شعرائهم؛ لذلك كان اعتقادهم وإيمانهم به جميعًا قويًّا جدًّا؛ لدرجة أنهم نظروا إلى ملحمتَيْه الإلياذة والأوديسية والأحداث التي ترويها كلٌّ منهما على أنها أحداث حقيقية وقعت بالفعل وتمثل تاريخهم المُبَكِّر.

الإلياذة:-

 تُعْرَفُ القصيدة الأولى التي نظمها الشاعر باسم الإلياذة، وسميت كذلك نسبةً إلى مدينة  إليوس (Ilios)؛ المدينة التي ورد اسمها في الملحمة؛ أي قصة طروادة. وتنقسم إلى أربعة وعشرين جزءًا أو أنشودة كما أطلق عليها علماءُ الإسكندرية اللاحقون له. وتعدُّ أولَ وأقدمَ نتاج أدبي عند الإغريق، وهي ملحمة حرب، ورجال قاموا بالدفاع عن الشرف والكرامة الإنسانية بمساعدة من الآلهة. وهي حرب إنسان ضد إنسان للدفاع عن إنسانيته وعِرضه اللذَيْنِ انتهكهما إنسانٌ آخر. فموضوع الإلياذة يدور حول الحرب الطروادية بين الآخيين والطرواديين. وكان سبب اندلاع هذه الحرب هو امرأة لديها من الجمال الفائق ما يميزها عن باقي نساء اليونان، وتدعى هيليني (Helene)، وهي زوجة مينيلاوس (Menelaus) ملك اسبرطة، والتي خطفها باريس (Paris) الأمير الطروادي، ومن أجلها تجمع ملوك الآخيين في حملةٍ للثأر لشرفهم. واستمر القتال بين الطرفَيْنِ لمدة تسع سنوات دون أن يحقق أيُّ طرف من الطرفَيْنِ انتصارًا على الآخر يُنهي به هذه الحرب، وأخيرًا بعد سنوات طويلة من المعارك المتبادلة بين الطرفين استطاع الإغريق أن يحققوا انتصارًا على الطرواديين، وسقطت طروادة في نهاية الأسابيع الأخيرة من السنة العاشرة. وعلى الرغم من استمرار الحرب لمدة عشر سنوات فإن طروادة سقطت في النهاية، لكنها سقطت بالخدعة والمكر المنسوب لأوديسيوس (Odysseus) الذي ابتكر فكرة الحصان الخشبي لِيُنْهِيَ هذه الحرب المندلعة.

ويجعل الشاعر محور الأحداث التي تدور حولها الإلياذة هو غضب أخيلّيوس أو أخيل (Achilles) وهو أعظم المحاربين الآخيين، والشقاق بينه وبين أجاممنون (Agamemnon) أعظم ملوكهم وقائدهم الأعلى، وذلك بسبب إحدى النساء الطرواديات اللاتي وَقَعْنَ أسيراتٍ في أيدي اليونانيين. وهكذا فإن الشاعر يبدأ إنشاده بالأبيات التالية:  "غني، يا ربة، بغضب أخيلّيوس بن بيليوس"، وكذلك أيضًا لا يختم الشاعر الإلياذة بسقوط طروادة، إنما يختمها بمقتل هيكتور (Hector) الطروادي مروِّض الخيول على يد البطل الآخي، حيث يقول: "وهكذا أقاموا الطقوس الجنائزية لهيكتور مروِّض الخيول .  فهذان البيتان يصوران لنا المشهد الافتتاحي والمشهد الختامي في الإلياذة اللذَيْنِ يشيران إلى حالة التوازن التي قصدها الشاعر، والتي يهدف بها إلى المساواة بين الأبطال وتوضيح مكانة كلٍّ منهم.

وهكذا فإن الموضوع الأساسي الذي تدور حوله أبيات الإلياذة، كما يظهر لنا من الأبيات الأولى، هو غضب أخيلّيوس، والشقاق الذي نشب بينه وبين أجاممنون قائد القوات الآخية؛ وذلك بسبب المحظية بريسئيس (Brysis) التي أراد أجاممنون أن يستولي عليها عوضًا عن محظيته خريسئيس (Chrysis) التي سلمها إلى والدها بعد أن غضب عليهم الإله أبوللو (Apollo). وكان يجب إرجاعها إلى أبيها حتى يَعْفُوَ عنهم الإله، ثم يروي لنا الشاعر عواقب غضب أخيلّيوس، حيث قرر الانسحاب من المعركة. ويستمر الشاعر في سرد الأحداث، حيث يقرر أخيلّيوس العودة إلى القتال كي يثأر لصديقه باتروكلوس (Patroclus)  الذي قتل على يد هيكتور، وينتقم بالفعل لمقتل صديقه، وتنتهي الإلياذة بمقتل هيكتور وتقديم والده برياموس (Preamus) الفدية ويفتدي جثمانه.

الأوديسية:-

أما الأوديسية فتختلف عن الإلياذة في موضوعها، لكنها أيضًا تنقسم لأربعٍ وعشرين أنشودة. ويتصف موضوعها بجوانبه المتعددة، فيدور موضوعها الأساسي حول عودة أوديسيوس إلى إيثاكه (Ithaca)، ورحلته التي استمرت عشر سنوات، وكل ما واجهه من أحداث. إلا أنها تمتد على ثلاث مراحل؛ فالمرحلة الأولى تصور قصر أوديسيوس وهو مليء بالنبلاء الذين يترددون عليه في غيابه، ويريد كلُّ واحد منهم الزواج من بينيلوبي (Penelope) زوجة الملك وأم ابنه تيليماخوس (Telemachus)، حيث اعتقد الجميع أن أوديسيوس قد مات، وأنَّ من تختاره بينيلوبي يستطيع أن يحكم بشرعية كاملة هي من تمنحه إياها.

أما المرحلة الثانية، فهي رحلة العودة وكيف توسطت الإلهة أثينا (Athena) لزيوس (Zeus) رب الأرباب أن يساعد أوديسيوس ويفك أسره من جزيرة أوجيجيا (Ogygia) حيث كان تحت سيطرة حرية البحر كاليبسو (Calyps). ويعرض بعد ذلك الشاعر كيف وصل أوديسيوس أخيرًا إلى جزيرة اسخيريا (Scheria)، وكيف استقبله ملكها ألكينوس (Alcinus).  ثم يبدأ أوديسيوس يقص للملك ما تعرض له من مخاطر وأحداث صعبة منعته من العودة إلى وطنه، وتنتهي هذه المرحلة بأن يقدم الملك له المساعدة، ويمنحه سفينة وبعض الرجال الذين يوصلونه إلى إيثاكه مقرِّ ملكه. أما المرحلة الأخيرة، فهي وصوله وهو متنكر في زيِّ سائل، وتساعده أثينا في الدخول إلى القصر، ويلتقي زوجته وابنه وبعض النبلاء الذين يُكنون له الوفاء، وينتصر على النبلاء الذين كانوا يقطنون منزله ويريدون الاستيلاء على زوجته وأملاكه، ويختم الشاعر الأوديسية بانتصار أوديسيوس وعودة الأمان والسلام.

وتعدُّ أشعار هوميروس مجالاً خصبًا لكثير من الدراسات؛ مثل الدراسات اللغوية والأدبية والتاريخية والأثرية. وقد اهتم الباحثون بالتاريخ بدراسة جوانب المجتمع الهوميري وإظهار أهم خواصه كما وصفها الشاعر، فصوَّروا الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إضافة إلى الجوانب الطبيعية التي يصورها في أشعاره مثل الحديث عن المناخ والتضاريس، والوصف الدقيق لأماكن المعارك والمدن. وقد حظيت الموضوعات التي يتحدث عنها بالعديد من الدراسات التي ركزت عليها من أجل التعريف بالمجتمع الذي عاش فيه الشاعر، وتناولت هذه الدراسات الموضوعاتِ المتنوعةَ بشكلٍ دقيقٍ ومتخصصٍ.

  • ملامح المجتمع الهوميري:

إن دراسة ملامح المجتمع الهوميري ومعرفة خصائصه تتطلب إلقاءَ نظرةٍ على الأركان الأساسية لهذا المجتمع المتمثلة في الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية. ففيما يخص الحياة الاقتصادية، فكانت قائمةً على الزراعة والصناعة والتجارة. وكانت الزراعة أهمَّ موارد الاقتصاد بصفةٍ عامة. فالزراعة والرعي هما الموردان الرئيسان، وكانت أهم المحاصيل هي الحبوب والكروم، فالحبوب يصنع منها الخبز الذي يمثل جزءًا أساسًا من غذاء اليوناني، بينما الكروم يصنع منه النبيذ المشروب الأساس على كل مائدة. وبذلك يعتمد اليونانيون في غذائهم الأساس على محاصيل الحبوب التي تنتج الدقيق الذي يستخدم في الطعام بكمياتٍ كبيرةٍ وبأشكالٍ مختلفة، وشجر الزيتون الذي لعب دورًا مهمًّا في حياة اليونان بشكلٍ عام، فكان يصنع منه الزبد للطهي، والصابون للنظافة، والزيت للإضاءة، أما شجر الكروم فيصنع منه النبيذ المشروب الأول. ويشير هوميروس في مشهدٍ عن قيمة هذه المحاصيل، وأنها تمثل الغذاء الأساس عندما كان تيليماخوس يستعد لمغادرة إيثاكه باحثًا عن أبيه، فجهز سفينته بالمؤن اللازمة وزودها باثنتي عشرة جرة من النبيذ وعشرين مكيالاً من أنقى أنواع الدقيق في أكياس من الجلد. ومشهد آخر يوضح أيضًا أن الخبز والنبيذ كانا هما الغذاء الأساس؛ عندما قابل يومايوس (Eumaeos) الراعي سيده أوديسيوس عندما عاد إلى إيثاكه وهو مُتَخَفٍّ في هيئة شحاذ، وأخذه معه لكوخه، وتقاسم الطعام المكون من الخبز والنبيذ.

ويشير هوميروس إلى الزراعة بأنها المورد الأساس للاقتصاد اليوناني في حديث أوديسيوس وهو في قصر ألكينوس يشيد بكرم الملك وحسن ضيافته ويدعو له الإله أن يصل صيت سمعته لكل فلاح يزرع أرضًا. ويصور الشاعر في مشهد آخر الوضع الاقتصادي الذي يعكس صورةً عن الزراعة، وهذا في الدرع الجديد الذي يصنعه هيفايستوس لأخيلّيوس، فيصور التربة الخصبة والماشية التي تقوم بحرث الأرض، كما يصور أيضًا الفلاحين وهم يقومون بعملية حصاد المحاصيل، كما يصور حقول الكروم وما تقوم به الفتية والفتيات من جمعه، ويصور المراعي الواسعة التي ترعى فيها قطعان الماشية والثيران، وكذلك يصور قطعان الغنم ذات الصوف الأبيض.

وقد ارتبطت بالزراعة بعضُ الصناعات الرئيسة، مثل صناعة المنسوجات الصوفية، وصناعة زيت الزيتون الذي يستخدم لأغراض كثيرة. وكانت هناك صناعاتٌ أخرى مثل صناعة المعادن كالأسلحة والمُعِدَّات من الذهب والفضة، كدرع أخيلّيوس الذي أتقن هيفايستوس صناعته، ويوجد أيضًا صناعة الأخشاب والأواني الخزفية، وكانت هذه الصناعات صناعةً فرديةً تهدف إلى سدِّ الاحتياجات الأساسية لأفراد المجتمع. وكانت هناك أيضًا حرفة البناء التي ظهرت من قصور الملوك التي تميزت بفخامة بنائها ودقة زخرفتها.

أما التجارة فانتشرت بسبب قلة مساحة الأراضي المزروعة التي كانت لا تكفي حاجة السكان وتزايدهم الطبيعي. ويشير الشاعر في الأوديسية لانتشار التجارة في مشهد بين الآلهة أثينا وتيليماخوس الذي كان يجهز نفسه للسفر كي يبحث عن أبيه، فتظهر له وهي متخفية في هيئة أحد القادة اليونان، وتقول: إنها ستبحر مع الملاحين إلى أراضٍ أخرى، وتقوم بمقايضة الحديد بالبرونز. وتشير لنا الإلياذة والأوديسية إلى وجود التبادل التجاري بين بلاد اليونان والمدن اليونانية الأخرى المُطِلَّة على شواطئ البحر المتوسط. فتظهر الأقمشة المطرزة الآتية من صيدا، والأدوات المصنوعة من الذهب الآتية من فينيقيا، وأيضًا العبيد الذين كانوا يأتون من الخارج، كما يشير يومايوس في حديثه مع أوديسيوس إلى وجود جارية من فينيقيا اختطفها القراصنة وباعوها أَمَةً. وكانوا يستخدمون في التجارة نظام المقايضة: سلعة بأخرى؛ إذ لم تكن النقود معروفةً آنذاك.

وبالنسبة للحياة الاجتماعية؛ كان المجتمع الهوميري مجتمعًا طبقيًّا، على رأسه طبقة الملوك ثم النبلاء ثم عامة الشعب. فأما الطبقة الأولى طبقة الملوك فكانوا يتمتعون بكل شيء، أما طبقة النبلاء فهم الأغنياء ملاك الأراضي الزراعية الواسعة. وجاء في أسفل الهرم الاجتماعي طبقة العامة، وهم الأفراد الذين لا يملكون شيئًا، ويشتغلون في أراضي أسيادهم الواسعة. وهذه الطبقة كانت تشمل العبيد من الجنسين، ويدخل أيضًا ضمن هذه الطبقة الحرفيون، من عُمَّال المعادن والنجارين والمعالجين وباقي أفراد الشعب.

 أما الحياة السياسية، فكان نظام الحكم ملكيًّا، وقد أعطتنا القصائد نموذجًا للملك متمثلاً في أجاممنون الذي ظهر في صورة الملك المطلق، ونلاحظ في ظل غياب الملك أنه كان يحدث نوعٌ من الاضطراب والفراغ السياسي الذي لا يستطيع أن يملأه مثلما حدث في حالة أوديسيوس. ويمثل الملك القاضي الحاكم، وفي يديه مقاليد الأمور، ويحكم بحق إلهي، ويمثل سلطة وإرادة الآلهة على الأرض، فهو الرئيس الديني في المقام الأول، وكان الملك يتولى السلطة لمدى الحياة ثم يرثها منه أكبر أبنائه سنًّا. ويحمل صولجان الحكم الذهبي الذي يخضع به شعبه، هذا الصولجان الذي منحه زيوس كبير الآلهة له والذي يضفي نوعًا من القدسية على حكم الملك. وكان القصر الملكي هو مقر الدولة وعظمة الملك الجالس على العرش، وبذخه رمزًا لترف هذه الحضارة. وكان للملك سلطاتٌ واسعةٌ ظهرت مثل قيادة الجيوش وإعلان الحرب والسلام واختيار القادة، وكان يوجد إلى جانبه مجلسٌ يسمى مجلس الأريوباجوس  (Areopagus)، وهو عبارة عن مجلس استشاري للملك يتألف من شيوخ القبائل والأرستقراطيين. والقرارات التي كان يتخذها الملك والمجلس تُعرض على ما يسمى بالجمعية العمومية (Ecclesia) "الأكليزيا"، والتي تتكون من أفراد الشعب، وكانت تجتمع في السوق العامة "الأجورا" (Agora)، ويقوم الملك بعرض ما اتخذه من قراراتٍ باستشارة مجلس الشيوخ ليوافق عليها الشعب.

 

 

More in this category: « الإسكندر الأكبر

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.