كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 25, 2021 - 119 Views

المصحف الشريف والخط العربي

Rate this item
(1 Vote)

بقلم - سعيد رمضان أمين

مسئول قسم المسكوكات بالمتحف الإسلامي

" القرآن " كتاب الله وكلمته التي اجتمعت حولها الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها ، نزل على رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة ، وحيا منجما في الثلاثة والعشرين عاما الأخيرة من عمره صلى الله عليه وسلم.

كان عليه الصلاة والسلام شديد الاهتمام بالوحي وتثبيت النص القرآني محفوظا ومسجلا : فعمد بنفسه إلى تلقينه للحفاظ وإملائه على كتبة الوحي ، حيث كتبوا آياته مفرقة على الرقاع والعظام وعسب النخل واللخاف والرق دونما ترتيب زمني أو موضوعي .

ومع العلم بأن بداية التدوين الفعلي للقرآن قد جرت في عهد الرسول الكريم في المدينة فإن هذا التدوين لم يكن مرتب السور بل كان مجرد تسجيل لها ؛ أي أنه كان مفرقا لم يتخذ صفة الجمع في كتاب واحد. 

أدت الحروب - خاصة حروب الردة - التي قتل فيها عدد كبير من حفظة القرآن إلى الإسراع في عملية جمع القرآن خوفا  عليه من أن يذهب بذهابهم . فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعرض أهمية الأمر وخطورته على الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي تردد بادئ الأمر ـ بحجة أن الرسول الكريم لم يأمر بمثل هذا العمل ـ لكنه بعد أن اقتنع بضرورة ذلك كلف زيد بن ثابت·رضي الله عنه ، كبير كتاب الوحي·، بهذه المهمة الجليلة يساعده فيها آخرون كعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم .

 فأخذ زيد في البحث عن آيات القرآن وجمعها من العسب واللخاف وصدور الرجال في صحف جمعت وحفظت عند الخليفة أبي بكر ، وهذه كانت البداية الحقيقية لجمع القرآن وهو ما يعرف " بالجمع البكري ".

 وبعد أن تم ذلك دعا الخليفة أبو بكر الصحابة ليختاروا لهذه الصحف المجموعة اسما· فأجمعوا على اقتراحه بتسميته مصحفا وشهد كتابة هذا المصحف أصحاب الرسول والحفاظ منهم . وكان هذا المصحف بمثابة وثيقة للتسجيل تحفظ عند الخليفة .

وبعد وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقي المصحف عند ابنته السيدة حفصة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم، على حاله، إلى أن قام الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه بطلبه منها، إذ نتج عن اتساع رقعة البلاد الإسلامية اختلاف ألسنة الأمة الإسلامية في قراءة القرآن ، وقيل للخليفة عثمان : أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فسارع إلى استشارة الصحابة في جمع الناس على مصحف واحد خوفا من تصحيف القرآن وتحريفه، وأمر بنسخ عدة مصاحف اختلف في عددها بين الأربعة والسبعة من المصحف البكري عرفت باسم المصاحف الأئمة أو العثمانية وبعث بها عثمان إلى الأمصار وآمر بحرق ما سواها من المصاحف ؛ وذلك منعا للخلاف بين المسلمين . وقد عرف هذا الجمع بالجمع العثماني ولقب عثمان بعد قيامه بهذا العمل الجليل بجامع القران .

 أدت كتابة القران الكريم بالخط العربي إلى إعلاء شأن هذا الخط وإجلاله؛ لذا كان لا بد في هذا المجال من التطرق إلى أصل الخط العربي ونشأته وتطوره ومن ثم تحسينه وتجويده . 

تضاربت الآراء حول أصل الخط العربي ونشأته ، إلى أن استقر الرأي بعد اكتشاف بعض النقوش الكتابية، التي يعود أقدمها وهو نقش أم الجمال الأول إلى سنة 250 م على أنه اشتق من الخط النبطي الذي نشأ بدوره من الخط الآرامي . ويعتقد بأن مسار هذا الاشتقاق قد وجد سبيله إلى بلاد العرب عن أحد طريقين أحدهما أو كليهما حيث يحتمل أن يكون قد

بدأ رحلته من حوران في بلاد الأنباط ، ثم اتجه نحو الحيرة والأنبار في العراق ومنهما إلى المدينة فالطائف .

 أو أن يكون قد جاء من البتراء عاصمة الأنباط وسار جنوبا إلى شمال الحجاز فالمدينة فمكة. 

ومهما يكن من أمر فقد مر الخط العربي منذ اشتقاقه من الخط النبطي برحلة تطور طويلة بدأت قبل الإسلام بطور الاقتباس والتنظيم تلتها بعد الإسلام مراحل عدة أملتها الظروف المتغيرة التي واجهت لغة القرآن الكريم، استهلت بمواجهة مشكلة اللحن الذي أخذ يتسرب إلى القرآن نتيجة لدخول الكثير من الأعاجم في الإسلام، حيث اضطلع أبو الأسود الدؤلي ( ت 69 هـ/ 688 م) بهذه المهمة فوضع الشكل لضبط الكلمات ( أي تقييد الحروف بالحركات، أو إزالة الإشكال أي عدم الوقوع في اللحن عند القراءة ).

وكانت في أول الأمر على هيئة نقط تنوب عن الحركات الثلاث - تكرر في حالة التنوين - وتكتب بمداد يخالف مداد الكتابة، وكان على الأغلب باللون الأحمر.

 ولم تشتهر طريقة أبي الأسود هذه إلا في المصاحف حرصا على إعراب القرآن .. أما بالنسبة للكتب العادية فكان نقطها ( تشكيلها) يعتبر إهانة وتجهيلا للقارئ .

 ولم تكن مشكلة اللحن هي المشكلة الوحيدة التي واجهت لغة القران ، بل واجهته أيضا مشكلة التصحيف ، إذ ظل خاليا من النقط لوقت متأخر ؛ مما أدى إلى خطوة أخرى من التطور تمثلت في الإعجام أي النقط ؛ ذلك أن عدم تمييز الحروف المتشابهة الصورة بعلامة تفرق بينها كالدال والذال مثلا أدى إلى اللبس ومن ثم إلى تغيير الكلمة وحتى المعنى أحيانا. 

وقد كثر التصحيف - خاصة في العراق - مما أفزع الحجاج ابن يوسف الثقفي ( ت 95 هـ/ 714 م) الذي طلب من كتابه وضع العلامات على الحروف المتشابهة .

وقد قيل إن أول من أعجم المصاحف هو نصر بن عاصم الذي لقب ب " نصر الحروف " (ت 89 هـ/ 707 م) أو يحيى بن يعمر (ت 129 هـ/ 746 م) وهما من تلاميذ أبي الأسود الدؤلي . 

وهكذا أدخلت النقط على الحروف حرصا على سلامة القرآن. وقد يكون هذان الكاتبان هما أول من نقط المصاحف بصورة كاملة لكنهما لم يكونا أول من اخترع النقط في الكتابة العربية، حيث إن النقط كان معروفا في عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إذ ورد أنه طلب من معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه وهو يكتب بين يديه أن يرقش الخط أي ينقطه.

 كما عثر على بردية نقطت بعض حروفها تعود إلى سنة 22 هـ/ 642 م، وظلت هذه الطريقة شائعة في العصرين الراشدي والأموي ، كما وجدت مصاحف غير مشكولة تنسب إلى القرن الأول الهجري نقطت بعض كلماتها، ثم أخذ هذا التطور يدخل مرحلة جديدة في زمن الدولة العباسية أملتها رغبة الناس في تسهيل الكتابة وجعلها مع الشكل بمداد ذي لون واحد.

هنا برزت مشكلة اختلاط الإعجام بالإعراب - أي التشكيل الذي تمثل في النقط - مما أدى في النهاية إلى الحل الذي أوجده الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 70اهـ/ 786 م)· فبدل نقط الشكل إلى الحركات التي نعرفها اليوم حيث أصبح بعدها من الممكن كتابة الكلمات بشكلها واعجامها بنفس المداد.

 وبديهي أن يمر الخط العربي بهذه المشاكل - من اللحن والتصحيف - نتيجة لخلوه أصلا من الشكل والاعجام متبعا في ذلك جذوره التي اشتق منها.. فالخط النبطي نفسه لم يكن مشكولا ولا معجما، ولا نعرف متى دخل الاعجام إلى القلم العربي الشمالي إذ تخلو النقوش التي عثر عليها تماما من الاعجام.

 خلاصة القول أن العرب تمكنوا - بسبب التعديلات والإضافات التي أدخلوها على الكتابة العربية - من المحافظة على لغتهم , لغة القران الكريم.

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.