كاسل الحضارة والتراث Written by  نيسان 15, 2021 - 86 Views

قلم المخابرات في العصور الإسلامية (نظام البريد)

Rate this item
(0 votes)

بقلم - آية وليد

 باحثة ماجستير

1ـ تعريف البريد:

  معني البريد لغة: هي مسافة معلومة مقدرة بأثني عشر ميلاً ، ويراد بالبريد في الدول الإسلامية غير ما يُراد به في وقتنا الحالي، وكان صاحب البريد أو صاحب الخبر أشبه "بالبوليس السري" أو رقيب أصحاب الاعمال، أو هو عبارة عن جاسوس الخليفة أو الأمير، وعينه الباصرة، وأذنه السامعة، ينقل إليه أخبار عُماله أو مساعي أعدائه، فالبريد أشبه بقلم المخابرات حالياً.

وكان الخلفاء لا يولون البريد إلا ثقتهم من أهل التعقل والدراية وذلك لأن؛ على ما ينقلونه من الأخبار تتوقف علاقات الخلفاء بعمالهم أو بمعاصريهم، وكان كسرى لا يُولى البريد إلا لأولاده.

2ـ ولاية البريد:

ولاية البريد قديمة كانت لدى الفرس والروم، وأول من أتخذها من المسلمون معاوية بن أبي سفيان، اقتداء بما كن قبله في الشام، وكان الغرض منه في البداية سرعة إيصال الأخبار وعماله في مصر والعراق وفارس، وكان البريد حلقة الاتصال بين الولاة والخليفة، وكان أصحاب البريد رقباء/ مُراقبين من قبل الدولة، واهتم العباسيين عناية فائقة بالبريد.

3ـ ديوان البريد وعماله:

  كان لكل مؤسسة تُنشأ في الدولة الإسلامية لها موظفون أو عمال للقيام بأعمال تلك المؤسسة لإدارتها والإشراف عليها والقيام بأعمالها على أكمل وجه وكان منها البريد، وكان البريد في الدول الإسلامية إدارة مستقلة كما هو الحال الآن، يُطلق عليه "ديوان البريد"، وقد تطور هذا الديوان  في العصر العباسي، وكان يُشرف على أدارة البريد شخص يُدعىّ "صاحب البريد" وهو الذي يتولى تنفيذ ما يصدر من الخليفة إلى عماله بالأقاليم، ويتلقى ما يرد منهم إلى دار الخلافة ويعرض خلاصته على الخليفة، ويُراقب العمال والموظفين التابعين لديوان البريد، وفي العصر الملوكي كان يتولى أمر البريد "الدوادار".

4ـ العلامات المميزة لعمال البريد:

يحمل عمال البريد علامات مميزة لهم، وهي قطعة من النحاس بقدر راحة اليد  منقوش عليها اسم وألقاب الخليفة على الوجه الأول، وعلى الوجه الآخر منقوش عليها (لا إله إلا الله محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)، وتُعلق بخيط من الحرير الأصفر، تُعلق في رقبة حمالها لتميزه عن غيره.

5ـ  طرق البريد وانواعه:

يمكن أن نُميز بين أربعة أساليب لإيصال البريد هم:

  • البريد البري:

    تاريخ اهتمام الإنسانية بإنشاء الطرق قديم بقدم الحضارة البشرية، وكان للبريد طرق تتشعب من مركز الخلافة إلى أطراف المملكة، حتى تتصل بطرق الممالك الأخرى، وتنقسم كل طريق إلى محطات أو مواقف فيها أفراس أو هجن، فيستبدل عمال البريد أفراسهم بأفراس مستريحة في كل موقف، التماساً للسرعة، وكان الغالب في العرب أن يتخذوا الجمال لبريدهم، وإما الفرس فكانوا يستعملون الخيل، ويتمثل البريد عن طريق البر بالخيول، والبغال، والحمير.

وبلغ عدد سكك البريد أبان الدولة  العباسية 930 سكة، وأرزاق رجالها 159100دينار في العام الواحد، وكان قطار البريد يتألف من دابة فأكثر، حتى تبلغ أربعين أو خمسين دابة، وكثيراً ما كانوا يستخدمون خيل البريد لحمل بعض الناس إلى الخليفة أو الأمير؛ التماساً لسرعة وصولهم، وتختلف سرعة البريد باختلاف الطرق ونوع المراكب، بين أن تكون إبلاً أو خيلاً، وكانوا  يعلقون في   أعناق الدواب جلاجل أو سلاسل، إذا تحركت سمعت لها قرقعة تُعرف عندهم بقعقة البريد،  وقد ترسل البريد على السفن في البحار.

  • البريد الجوي(الحمام الزاجل):

 لم يقصد بالبريد الجوي ما هو شائع اليوم والذي يُعرف بطائرات البريد، ولكن المقصود به هو "رسائل الحمام الزاجل" أو "بطائق الحمام" وقد أطُلق عليه هذا الاسم؛ لأنه كان يحمل الرسائل الصغيرة، وهذا الحمام يشتهر بسرعة الطيران.

 واستخدمت الطيور في حمل الرسائل منذ عصر سيدنا "نوح عليهم السلام" عندما أرسل حمامة  من الفلك أثناء الطوفان فعادت إليه بغصن من شجر الزيتون في منقارها. 

وكانت رسائل الحمام الزاجل وسيلة من وسائل المخابرة، وكان له شأن عظيم عندهم، وكانت للمخابرة في مصر عن طريق الحمام وكان يُرسل من أبراج القلعة في العصر الايوبي، وكان بقلعة الجبل بالقاهرة أقدم مطار وهو "برج المطار" الذي كان يُرسل منه الحمام، وقد بلغ عدد الحمام المستخرج لهذه الغاية فيها الف وتسعمائة طائر، وكان لها عمال يناط بهم أمر العناية بها.

 كان بكل مركز حمام في سائر أنحاء المملكة بمصر والشام والعراق، ومن أسوان إلى الفرات، كما كانت في الثغور والطرقات الشامية والمصرية، وجميعها تُدرج وتنقل من القلعة إلى سائر الجهات.

 أما عن كيفية الترسل بالحمام فكانت رسائل الحمام تُشد تحت جناح الحمامة أو إلى ذيلها، ولزيادة الثقة كانت تكتب الرسالة مرتين تُرسلان مع حمامتين تُطلق أحدهما بعد ساعتين من إطلاق الأخرى حتى إذا ضلت إحداهما أو قتلت أو افترستها إحدى الجوارح أمكن الاعتماد على الأخرى، وجرت العادة على ألا يُطلق الحمام في الجو الماطر ولا يُطلق قبل تغذيته التغذية الكافية.

وبالنسبة للترسل الحربي بواسطة الحمام فقد اتبع الأقدمون طريقة وضع الرسالة ضمن كيس من الجلد الرقيق أو ضمن قارورة من الورق الذهبي لحفظ الرسالة من العوارض الجوية وتُعلق بعنق الحمامة أو رجلها، أما المتأخرون فيضع بعضهم الرسالة ضمن غلاف صغير من الورق ويعلقونها في عنق الحمامة وبعضهم يضعها في جوف ريشه، وهذه الطريقة أكثر سرية.   

  • البريد المائي والبحري:

كانت تتم عن طريق وضع الرسالة ضمن صندوق محكم الإغلاق ويجعل ثقله متوازناً بحيث لا يطفو على وجه الماء ولا يُغرق بقاعه، ثم يُلقى في النهر أو الترعة فيندفع بالماء إلى أن يصل إلى مركز الجيش الآخر.

  • البريد الناري:

استعملت النار كوسيلة لنقل الأخبار في نقل الاخبار، وخاصة في الجهات الواقعة بأسيا الصغرى وبلاد الشام التي كانت خاضعة للدولة البيزنطية، وذلك ؛لأن هذه الدولة كانت تستعملها وتدعىّ "نار الحرب"، كانت تُوقدّ إذا أرادوا الحرب، وتوقعوا جيشاً وأرادوا الاجتماع أوقدوا ليلاً على جبلهم ناراً؛ ليصل الخبر لأصحابهم،    

المراجع:

  1ـ جورجي زيدان، تاريخ التمدن، ج1، ص243.  

2ـ سعداوي(نظير حسان)، نظام البريد في الدولة الإسلامية، دار مصر للطباعة، ص98، 128، 135، 141، 157.

3ـ علي(عبد صالح محمد)، البريد في العصور الإسلامية، مجلة جامعة الأنبار للعلوم الإسلامية، المجلد4، عدد15، نيسان 2013م، ص 15، 18.

4ـ رفاعي(طلال جميل عبد العاطي)، نظام البريد في الدولة العباسية حتى منتصف القرن الخامس الهجري، رسالة دكتوراه، جامعة أم القري، السعودية، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، قسم الدراسات العليا الحضارية والتاريخية، 1406ه/ 1985م، ص 73.

5ـ الهذال(أحمد علي)، البريد وطرقه في بلاد الشام والعراق في العصر العباسي، رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية كلية الدراسات العليا، قسم التاريخ، 1996م، ص121، 122، 143.     

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.