كاسل الحضارة والتراث Written by  نيسان 22, 2021 - 173 Views

تذهيب وتجليد المصحف الشريف

Rate this item
(0 votes)

سعيد رمضان أمين

مسئول قسم المسكوكات

بمتحف الفن الإسلامي

لم يكتف الفنان المسلم بكتابة المصاحف بخط فني بديع جميل إنما أراد أن يتوجه داخل إطار مذهب يليق به غير  أن تذهيب المصاحف لاقى بادئ الأمر معارضة شديدة سرعان ما خفت وطأتها حيث سارع الفنان المسلم إلى استخدام أجمل الزخارف سواء كانت هندسية أو نباتية في تذهيب المصاحف وابتكر منها تكوينات مدروسة جاءت غاية في الدقة والانسجام وآية في الإبداع.

 وقد كان لعناصر هذا التذهيب وظيفة عملية في ترتيب النص فأوليت فواصل الآيات وعناوين السور عناية كبيرة ، وكذلك صدر الكتاب ونهايته وفاتحته وخاتمته. إذ أن تعظيم القران حفز عددا كبيرا من الفنانين على العناية بتذهيب المصاحف والتنافس في إتقان زخرفتها مما جعلها ميدانا استلهمته سائر أنواع الفنون الإسلامية من سجاد ومنسوجات وخزف ومشغولات جصية ومعدنية، فاستعارت منه عناصرها الزخرفية. 

ويعد تذهيب المصاحف من أرفع فنون الكتاب بعد تجويد الخط وأخذت العناية به تزداد مع مرور الزمن. ففي العصر السلجوقي وصل درجة عالية من الجمال والإتقان أخذ بعدها يتألق كلما تقدم من عصر لآخر؛ تشهد بذلك نماذج المصاحف السلجوقية والمملوكية والمغربية والتيمورية والهندية والصفوية والقاجارية والعثمانية التي وصلتنا. 

تجليد المصحف الشريف

وكان من الطبيعي أيضا أن تنال أغلفة المصاحف الشريفة قسطا وافرا من الاهتمام والعناية ـ سواء من حيث اختيار نوعية المادة أ ومن حيث أساليب الزخرفة ـ فقد اعتبر عمل المجلد متمما لعمل الخطاط والرسام، فاعتني بمظهر الكتاب الخارجي بحيث يتلاءم مع قيمة الكتاب ومحتواه.

وهكذا تضافرت الجهود جميعها لتخلف لنا العديد من النماذج الرائعة من المصاحف الكريمة. 

ولقد تعلم المسلمون بعد الفتح العربي لمصر فن التجليد عن الأقباط ـ سكان مصر المسيحيين الذين كانوا قد حذقوا هذه الصناعة قبل مجيء الإسلام بوقت طويل ـ فأخذوا عنهم أساليب صناعة الأغلفة وطرق زخرفتها: من ضغط بالآلة ودق باليد وختم بواسطة أختام مزخرفة بالإضافة إلى الحز والتثقيب والقطع كما اهتموا أيضا بزخرفة البطانة الداخلية للغلاف ولسانه اهتمامهم بظاهره. 

وقد اشتهرت اليمن والحجاز والمغرب ومصر بصناعة الجلود إذ نجح المجلدون في العصر المملوكي في إتقان هذه الصناعة عن طريق تزيين جلود الكتب بزخارف هندسية ونباتية تزيدها الخطوط والنقط المذهبة رونقا وجمالا.

 أما في بلاد فارس فبلغت هذه الصناعة أوجها في القرن التاسع الهجري - 15 م - على يد المجلدين في هراة في العصر التيموري ، حيث خرجوا على الأشكال الزخرفية الهندسية السابقة وعمدوا إلى استغلال الرقش المورق بكل إمكانياته وابتكروا زخارف مركبة من المناظر الطبيعية نجحوا في إتقانها بعد أن تخلوا عن طريقة الضغط أو الدق بالآلة البسيطة التي كانت تستخدم في الرسوم الهندسية والرقش المورق البسيط . وصاروا يستخدمون أختاما ذات رسوم كبيرة الحجم، بالإضافة إلى القوالب المعدنية المستقلة التي كانوا يضغطون بها الجلد بقوة بحيث تظهر النتوءات شديدة البروز .

 وقد استغل هذه الأساليب جميعها من جاء بعدهم من الفنانين المسلمين في كل من فارس والشرق الأدنى وتركيا والهند والذين ابتكروا فيما بعد الأغلفة المزخرفة باللاكيه. 

وهكذا ارتقت هذه الفنون مجتمعة من خط وتذهيب وتجليد وتطورت وأثرت في غيرها من الفنون كل ذلك بفضل القرآن الكريم أساس الحضارة الإسلامية فكرا وعلما وفنا.

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.