كاسل الحضارة والتراث Written by  نيسان 29, 2021 - 35 Views

" الأميـــــر يـــوســف كــمــال"

Rate this item
(0 votes)

بقلم : د. إيمان محمد العابد  

دكتوراه في الآثار والفنون الإسلامية والقبطية 

" الأميـــــر يـــوســف كــمــال"

لطالما كانت اهتماماتنا ـ نحن الأثاريون ـ تنصب حول دراسة المظاهر والمعالم الحضارية التي هي من صنع الإنسان من أثار ومباني وغير ذلك من إرث حضاري ؛ غاضين الطرف وبقصد عن دراسة ذلك الإنسان الذي كان سببا ً في وجود تلك الحضارة ؛ فلولاه ما كان لتلك الأثار والمباني الشاهقات من وجود ؛ فدائما ً وأبدا ً ما نهتم بالحجر والأثر ؛ دون النظر إلى من طوع الحجر وأنشأ الأثر ، صانع الحضارات ؛ سواء أكان فنانا ً يَكُد ويعمل .. فيبدع ؛ أو حتى راعي فن يعشق الجمال ويهواه دون أن يكون ذا قدرة على الإبداع ،، فيوظف من لديه ملكة فنية يستطيع أن ينشيء ويبدع له ما يجول بخاطره من روائع الأفكار الجمالية ؛ ومع ذلك كثيرا ً ما يُعد ذاك الإنسان في مجالنا بمثابة جندي مجهول .

من هنا جاء اهتمامي بالبحث حول ذاك الإنسان من خلال عدة مقالات خصصتها للوقوف على بعض هؤلاء الجند لتسليط الضوء على جهودهم وأفضالهم التي أثروا بها المضمار الحضاري على مر العصور والأزمان ، وفي هذا المقال سنقوم بإلقاء الضوء على واحدة من الشخصيات الرائدة في تاريخ مصر الحديث ؛ وهو " الأمير يوسف كمال " ؛ الذي عشق مصر وساهم في نهضتها الفنية والثقافية ـ رغم كونه من أصول غير مصرية ـ

فمن هو " الأمير يوسف كمال " ؟؟

" الأمير يوسف كمال " هو يوسف كمال باشا بن أحمد كمال بن أحمد رفعت بن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا ؛ وذلك وفق ما ورد عنه من ترجمة شخصية له فى اثنين من الكتب والمؤلفات ، وهما : ( صفوة العصر ) و ( دليل الطبقة الراقية ) لتوضيح أن نسبه كالتالى :

 ( يوسف كمال باشا بن احمد كمال بن احمد رفعت بن ابراهيم باشا بن محمد على باشا ) .

يعد " الأمير يوسف كمال " واحداً من أبناء الأسرة العلوية ، ولد عام 1882 م . وكان ممن يمتلكون ثروة كبيرة ، أنفق أموالا ً طائلة منها طوعاً وتطوعاً على العمل العام ، شأنه فى ذلك شأن الأمير عمر طوسون .

اشتهر الأمير يوسف كمال بكونه رحالة جغرافى مصرى؛ إذ كان يعشق السفر والترحال ، شديد الولع باصطياد الوحوش المفترسة ؛ لذا سافر فى سبيل ذلك إلى إفريقيا الجنوبية وبعض بلاد الهند وغيرها ، كما احتفظ بالكثير من جلود فرائسه وبعض رؤوسها المحنطة وكان يقتنيها بقصوره العديدة المتواجدة في القاهرة والاسكندرية ونجع حمادى مع تماثيل من المرمر ومجموعة من اللوحات الفنية النادرة .

كما كان مغرماً بأحداث التاريخ وجغرافية البلاد ومن هنا أنفق الكثير على ترجمة بعض الكتب الفرنسية التي اختارها ؛ فترجمت إلى العربية وطبعت على حسابه ، ومن بين تلك المؤلفات والكتب ، ما يلي :

1)ـ وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية عن إفريقيا الشرقية .

2) ـ المجموعة الكمالية في جغرافية مصر والقارة ؛ خرجت في 13 مجلدا ً بالعربية والفرنسية

3) ـ كتاب بالسفينة حول القارة الأفريقية

4) ـ رحلة سياحة في بلاد الهند والتبت الغربية وكشمير 1915 م.

هذا وإليه يعود الفضل في إنشاء وتأسيس مدرسة الفنون الجميلة ـ المعروفة حاليا ً بكلية الفنون الجميلة ـ ؛ فعندما طرح النحات الفرنسى "جيوم لابلان" فكرة إنشاء مدرسة للفنون الجميلة تحمس كثيرا ً لها الأمير يوسف كمال ؛ رغبة ً منه في إحياء الفن المصرى ، وعزم على تنفيذ الفكرة وظل هو و لابلان يخططان معا ً لإنجاز المشروع ودام التشاور والدراسة لستة أشهر ، وفى 13 مايو 1908 م كانت المدرسة التى أسسها " الأمير يوسف كمال" من ماله الخاص قد فتحت أبوابها لأصحاب المواهب وكان الالتحاق بها مجاناً دون تقيد بسن ، بل كانت المدرسة تتولى توفير أدوات الرسم وبلا مقابل ، وكان فى طليعة المتقدمين الذين نبغوا فيها الفنان الأشهر محمود مختار ومعه كوكبة من رواد الفن التشكيلى فى مصر، منهم المصور يوسف كمال والمصور محمد حسن .

كما قام بتأسيس " جمعية محبي الفنون الجميلة " عام 1924 م ، وشارك في تأسيس " الأكاديمية المصرية للفنون " بروما.

وهكذا نرى أن " الأمير يوسف كمال " كان قد قدم الكثير من أجل الفن والثقافة ؛ لاسيما مجموعة المقتنيات التي ساهم بها وأهداها إلى المتحف الإسلامي وهى عبارة عن آثار وقفية من الثريات ومنابر المساجد والسيوف والمشغولات الذهبية والمصاحف والدروع قدمها تباعاً من أوائل القرن التاسع عشر وحتى عام 1927 م ؛ وقد حرص على تسجيل كل قطعة مع وصف تفصيلى لكل منها وذكر منشأها وتاريخ صنعها.

 اشتهر " الأمير يوسف كمال " كذلك بحبه للفنون الجميلة وشغفه بشراء اللوحات الفنية ؛ فكان يجوب العالم من أجل شراء القطع الفنية النادرة ليهديها للمتاحف كما أهدى مجموعة من الطيور المحنطة ورؤوس الحيوانات المفترسة من صيده إلى" متحف فؤاد الأول الزراعيوبعضها ضم إلى "متحف الأمير محمد على" بالمنيل وأهدى أيضاً آلاف الكتب المصورة عن الطيور والحيوانات إلى دار الكتب المصرية وجامعة فؤاد الأول ـ جامعة القاهرة الآن ـ وتضمها حالياً المكتبة المركزية بجامعة القاهرة.

ومما يذكر عن الأمير يوسف كمال أنه فى عام ١٩١٤م عرضت عليه رئاسة الجامعة ؛ إلا أنه اعتذر واكتفى بأن يكون عضواً فى مجلس إدارتها ، وحينما اضطر حسين رشدى باشا للتخلى عن الجامعة اختير هو رئيساً لها ، وخلال فترة رئاسته كان يرسل النوابغ من طلابها للدراسة فى الخارج على نفقته الخاصة ؛ وعندما تعرضت الجامعة لضائقة مالية بسبب الحرب العالمية الأولى تبرع لها بألفى جنيه ؛ حيث كان الأمير يوسف كمال من أغنى أغنياء مصر ، ففي عام 1937 م قدر إيراده بمائة ألف جنيه وفي عام 1943م قدرت ثروته بحوالي 10 ملايين جنيه وكان في هذا العام أغنى شخصية في مصر ، بينما في عام 1948 م كان يمتلك حوالي 17 ألف فدان تدر دخلاً يقدر بنحو 340 ألف جنيه ؛ لذا أنفق الكثير من ماله على ترجمة الكتب الفرنسية وطبعها على نفقته ، ومنح مقتنياته الإسلامية للمتحف الإسلامى وأهدى آلاف الكتب المصورة إلى دار الكتب وجامعة القاهرة .

هذا وقد اشارت مجلة المصور فى عددها رقم 393 الصادر بتاريخ 22 إبريل 1932 م ، إلى تنازل الأمير يوسف كمال باشا عن الباشاوية ؛ ولم تذكر المجلة سبب تنازله عن لقبه ، ولكنها إكتفت فقط بالإشارة إلى مواقفه الوطنية ؛ ومنها الحدث االذى وقع عام 1935 م أنه إندلعت المظاهرات ضد الإنجليز وضد إسماعيل صدقى بعد إلغائه لدستور 1923 م ، كما أشارت أيضاً  إلى إنشائه لمدرسة الفنون الجميلة ورئاسته لجمعية محبى الفنون الجميلة وتبرعه للمتاحف بالتحف التى يمتلكها وقيامه بوضع أطلس لأفريقيا وطباعته على نفقته بالخارج ، كما أنه كان محب للفن والفنانين وحريصا ً على إقامة حفلات السمر في سرايا المطرية .

ومن مآثر الأمير يوسف كمال أيضا ً أنه أسهم في تنمية عدد كبير من القرى المصرية بصعيد مصر ؛ وأدخل بعض التقنيات الزراعية التي كانت حديثة آنذاك إلى منطقة نجع حمادي ، فكان وطنيا ًمخلصا ً؛ حيث أعاد معظم ممتلكاته التي كانت في الخارج إلى مصر وذلك في بداية الخمسينيات من القرن الماضي ، وفي أعقاب ثورة يوليو عام 1952 م هاجر من مصر إلى أوروبا وأقام في النمسا حتى توفي بمدينة استروبل عام 1389 هـ / 1969 م عن عمر قارب التسعين عاما ً.

وختاما ً وبعد هذه الإطلالة السريعة على المسيرة الحياتية لأحد أبرز الشخصيات الرائدة في تاريخ مصر الحديث ؛ ألا وهو " الأمير يوسف كمال " ، وكيف قام بإثراء الحياة الفنية والثقافية في مصر خلال فترة من أصعب فترات التاريخ المصري أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، والتي شهدت خلالها البلاد اضطرابات عنيفة على الصعيد السياسي من تعرض البلاد للاحتلال ـ الحماية البريطانية ـ وما أعقبها من تدهور في الأوضاع السياسية وغيرها ؛ وبالرغم من كل هذا كان " الأمير يوسف كمال " يبذل كل غال ونفيس من أجل إحياء الروح الفنية والثقافية في البلاد .  

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.