كاسل الحضارة والتراث Written by  نيسان 29, 2021 - 52 Views

الأقلام العربية

Rate this item
(0 votes)

بقلم -سعيد رمضان أمين

مسئول قسم المسكوكات

بمتحف الفن الإسلامي

عدد المؤرخون المسلمون أنواعا كثيرة من صور الأقلام العربية تعود جميعا إلى رافدين اثنين يتصف أحدهما بالجفاف لكونه مبسوطا أو مربعا أو مزويا ، وهو الذي أطلق عليه " الخط الكوفي ". ويتصف الثاني ـ من ناحية أخرى ـ باللين حيث جاء مقورا أو مدورا أو مقوسا، وهو الذي عرف باسم " الخط اللين أو النسخ "· وقد ظهر هذان الخطان جنبا إلى جنب منذ بداية القرن الأول للهجرة/ 7 م· وهما يرجعان في أصولهما دونما شك إلى ما قبل الإسلام، ولم يتولد أحدهما (أي النسخ اللين) عن الآخر(أي الكوفي الجاف) بل كانا متلازمين منذ البداية.

 وما الخط اللين في الواقع إلا أصل الكتابة المدورة التي انتهت إلينا باسم الخط النسخ . ومن المعروف أن هذا الأخير لم يتفرع من الكوفي ولم يكن من اختراع قطبة المحرر في العصر الأموي أو ابن مقلة في العصر العباسي.

 وتفرع من هذين القلمين صور كثيرة على مر العصور الإسلامية، إذ تولد من الكوفي البسيط المبكر أنواع عديدة منها ذلك النوع الذي جمع بين الجفاف والليونة واستخدم في كتابة المصاحف ، ومنها المورق ، ومنها الكوفي المشرقي في خراسان وفارس ، والكوفي المغربي في شمال أفريقيا والأندلس وما تفرع عنهما من أشكال : كالمزهر والمضفر والقرمطي - من الأول - والأندلسي والمغربي وغيرهما من الثاني. 

ونشأ عن الخط اللين المقور أقلام كثيرة ظهرت منذ العصر الأموي على يد عدة خطاطين من أهمهم قطبة المحرر الذي تنسب إليه أقلام الطومار والجليل والثلث والنصف ، كما استمر تطور هذا الخط اللين في سيره حتى بلغ مبلغا من الإتقان على يد الخطاط أبي علي محمد بن مقلة الوزير العباسي ( ت 328 هـ/ 0 94 م) الذي عرف باسم مهندس الخط العربي ؛ لأنه كان أول من قام بهندسة الحروف فقدر مقاييسها وأبعادها بالنقط وضبطها ضبطا محكما بهدف منافسة الخط الكوفي الأنيق.

ويعد ابن مقلة أيضا أول من حصر الخطوط التي كان عددها يزيد على العشرين بستة أقلام هي: الثلث والنسخ والمحقق والريحاني والرقعة والتوقيع.

 ثم تلاه بعد ذلك أبو الحسن علي بن هلال المعروف بابن البواب (ت 422 هـ/ 022 1 م) ، الذي أكمل قواعد الخط وأتمها. وجاء بعدهما ياقوت المستعصي (ت 698 هـ/ 1298 م) الذي بلغ بالأقلام الستة ذروة التجويد والجمال.

 تبع ذلك فيما بعد اشتقاق خطوط أخرى كالتعليق الذي لم يلق رواجا عند العرب ، بل أصبح خطا محليا لكل من مسلمي الفرس والأتراك والهنود، وانبثق منه قلم آخر جمع بين التعليق والنسخ سمي " نستعليق " ونسب إلى مير علي سلطان التبريزي.

وظهر في الهند خط نسخ ثانوي عرف باسم " بهاري ".

 ومع أن مسلمي الصين قد تبنوا الخطوط التي كانت شائعة في أفغانستان إلا أنهم قد أوجدوا مع ذلك لأنفسهم صورة خاصة من الخط العربي عرفت بالخط " الصيني ".

وعلاوة على اهتمام الخطاطين العثمانيين ـ مثل حمد الله الأماسي ـ بشتى أنواع الأقلام والتمكن من إتقانها وابتداع صور زخرفية جميلة لها، فقد نجحوا في ابتكار العديد من الأقلام الجديدة تمثلت في الديواني والهمايوني والسياقت وغيرها من الخطوط.

يعنينا من هذه الأقلام جميعا تلك الخطوط التي استخدمت بصفة خاصة في كتابة المصاحف الشريفة حيث يرجح أن يكون الخطان الحجازيان: المكي والمدني هما أول الخطوط التي دونت بها المصاحف المبكرة ، كما يرجح أيضا أن يكون الخط المائل المصحفي المتميز بميل قوائم حروفه إلى اليمين والذي لم يصلنا منه إلا النزر اليسير من الأوراق المتفرقة قد تطور من الخط المكي وذلك لأنه يجمع بين الخطين في بضعة ملامح مشتركة تتمثل في نزعة الحروف إلى الاستلقاء والانضجاع .

وكتبت المصاحف المبكرة أيضا بخط المشق الذي اشتهر بهذا الاسم لما تتميز به حروفه من مط ومد. وهذا يدل على مدى رغبة الخطاط المسلم في إضفاء المسحة الفنية والجمالية على خط المصاحف منذ الفترة المبكرة. 

ويعد الخط الكوفي أكثر الخطوط أهمية وشيوعا في كتابة المصاحف حيث أدخل على حروفه المزواة بعض اللين والاستدارة وظل الخط المفضل في كتابة المصاحف حتى بعد أن وصل الخط اللين المقوس إلى درجة مناسبة من التجويد والجمال .

 وكتبت المصاحف أيضا في القسم الشرقي من العالم الإسلامي بقلم يعرف بالخط الكوفي المشرقي الذي ظهر في القرن الرابع للهجرة/ 10 م وتطور تطورا كبيرا على المصاحف السلجوقية التي تنتمي إلى القرنين الخامس والسادس للهجرة/ 11· 12 م . وهو قلم تطور عن الكوفي الأصلي ، لكنه يبدو أكثر منه رشاقة وخفة لما يتميز به من انحراف في مدات حروفه القصيرة وغير ذلك من المميزات . 

ومن الخطوط الهامة التي سادت في تدوين المصاحف في كل من شمال أفريقيا والأندلس : الخط الكوفي المغربي ، الذي تطور بدوره عن الكوفي الأصلي في القيروان ، وتميز باستدارة وامتداد مدات حروفه الأفقية تحت السطر مما جعله أقرب إلى خط نسخ المصاحف منه إلى الخط الكوفي المعروف .

 وهذا الخط يحتفظ بكثير من عناصر الخط الكوفي اليابس ؛ لأن المغرب ظل لفترة طويلة ينظر إلى الخط الكوفي على أنه الخط العربي الأصيل. 

ومنذ نهاية القرن الخامس للهجرة/ 11 م أخذ الخط الكوفي ـ عامة وبكل أشكاله ـ يختفي تدريجيا من عداد الخطوط المستعملة في كتابة المصاحف ، حيث اقتصر منذ القرن السابع للهجرة/ 3ام على كتابة عناوين السور وفواصل الآيات ـ كالتعشير وما إلى ذلك ـ كالسجدة وأرقام أجزاء القرآن - في الهامش - ثم اختفى نهائيا وصارت تكتب جميعها بقلم الثلث أو الرقعة . 

وحلت محل الكوفي الأقلام الستة:

 ففي شمال بلاد الشام وشمال العراق وفارس وآسيا الصغرى استبدل الكوفي بخط النسخ الأتابكي .

 وفي عهد المماليك بمصر شاع قلما المحقق والريحاني ثم الثلث للمصاحف الكبيرة .

 وفي أواخر العهد الايلخاني استخدم الفرس المحقق .

 وفضل التميوريون الريحاني ، ثم استخدموا النسخ فيما بعد إلى جانب التعليق ، على حين استعمل العثمانيون عدة أقلام كالمحقق والثلث والنسخ وغيرها. 

أما في المغرب العربي فقد ازدادت استدارة الحروف في الخط الكوفي المغربي بحيث تطور في النهاية إلى خط لين مقور عرف باسم الخط المغربي ، وشاع استخدامه في القيروان منذ القرن الخامس للهجرة/ 1ام ومنها انتشر إلى سائر شمال أفريقيا والمغرب والأندلس وتفرعت عنه خطوط أخرى.

وهناك خط شبيه بالمغربي يختلف عنه في كثافة حروفه وتراكمها ويعرف بالخط السوداني شاع استخدامه في الحزام الاسلامي الممتد من موريتانيا حتى السودان وكذلك في البلاد التي تمتد حتى جنوب نيجيريا. 

خلاصة القول أن عناية المسلمين بالخط ترجع في الدرجة الأولى إلى أنه كان الوسيلة الأساسية التي حفظ بها القرآن لذلك كان من الطبيعي أن تكون المصاحف الشريفة مناسبة لفن تجويد الخط ، فكل ما لحق بالخط العربي من تطوير وتحسين وتجويد وتجميل كان نتيجة لصفة القدسية التي استمدها من كونه لغة القران الكريم.

 وقد انعكس هذا الإجلال والاحترام للكلمة المكتوبة على المكانة المرموقة التي احتلها الخطاطون في المجتمع الإسلامي، كما احتل الخط الجميل مكان الصدارة بين الفنون الإسلامية، وهو التقليد الفني الوحيد الذي استمر في جميع العصور والأقطار الإسلامية.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال التغاضي عن أهميته كفن قائم بذاته في هذه الحضارة الرائعة؛ حيث كان يمثل في كثير من الأحيان أهم العناصر الزخرفية في الإنتاج الفني الإسلامي ، إذ استخدم بمفرده في بعض الأحيان الأخرى في زخرفة تحف هذا الإنتاج . 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.