كاسل الحضارة والتراث Written by  حزيران 24, 2021 - 89 Views

الأمير يشبك من مهدي وآثاره

Rate this item
(0 votes)

بقلم  :   د. إيمان محمد العابد 

وزارة السياحة والآثار

يحفل سجل التاريخ الإسلامي بأسماء العديد من النجوم الزاهرة من بني الإنسان ممن كانوا يسعون بدأب شديد لإعمار الأرض بالمباني والعمائر الشامخات التي ظلت صامدة كالجلاميد المتينة تتحدى عوامل الزمن وتواجه العثرات التي تمر بها مرور الكرام وقد تركت على وجهها بعض العلامات التي تجسد مدى عظمتها وشموخها في مواجهة التحديات والعثرات المختلفة .

ومن بين تلك النجوم الزاهرة التي خلدت عمائرها ومنشأتها أسمائها بحروف من نور في سجل التاريخ الإنساني كان الأمير " يشبك من مهدي " ـ مثلما ورد في النصوص التأسيسية التي دونت على عمائره ، وليس " يشبك بن مهدي " ؛ فهو أمير لم يُعرف له والد وبمعنى أخر لم يُعرف اسم والده وربما كان مجهول الأصل ؛ لذا  ُأعطي اسم النخاس أي تاجر الرقيق الذي اشتراه، "مهدى" ، وكان من مماليك الأمير المملوكي الظاهر جقمق ؛ حيث كان الأمير "يشبك" أحد المماليك  الذين جلبهم السلطان الظاهر "جقمق"  ليؤلف منهم بعد تربيتهم وتدريبهم حاميته العسكرية.

تولى السلطان الظاهر جقمق قد حكم مصر في الفترة الممتدة ما بين عامي (842 – 857 هـ)، واشترى الفتى "يشبك" ؛ حيث كان وقتها قد بلغ الثالثة عشر عاما ً من عمره ؛ ولذلك فقد لقب بـ " يشبك " ـ أي ـ الصغير ؛ وذلك مقارنة بالمماليك الذين كانوا يشترون في ذلك الوقت من عصر المماليك الجراكسة كبار السن ويسمون بالمماليك الأجلاب أو الجلبان.

هذا ويُقال أن الفتى تم شراؤه  من تاجر اسمه "مهدي" ؛ فنُسب إليه هذا الفتى ؛ وصار يُعرف باسم " يشبك من مهدي "

أصبح الأمير " يشبك من مهدي الدوادار " مملوكا ً وهو في الثالثة عشرة من عمره ، لذلك أعطى نعت الصغير، وكان أولاً مملوكا لدى السلطان الظاهر جقمق، وتولى عدة مناصب في عهده ؛ وكذلك في عهد السلطان الأشرف إينال ؛ لتدور رحى الحياة بالأمير "يشبك"، ليصل به الحال في إحدى محطاتها للسجن على يد "الأشرف إينال " ؛ وكان من قبل خلال عهد السلطان جقمق قد تولى مهمة "الكاشف" عن الوجه القبلي، وكانت وظيفة مهمة وتعادل درجة الوزير المسئول عن الأراضي والنيل والري.

وفي عام871 هـ / 1466  م ، أثناء حكم السلطان خشقدم، عين كاشفا ً للصعيد وأميرا ً لعشرة ، وفي عهد السلطان قايتباي عين في منصب دوادار كبير أو المستشار؛ أي "ممسك الدواة الذي يتولى تبليغ الرسائل من السلطان وإليه" ويكون الأمير يشبك بشغله ذلك المنصب الرفيع قد قفز عدة مراتب في السلم الوظيفي المملوكي، ثم عين بعد ذلك وزيراً، وأصبح مسئولا عن الشئون المالية وقاد هذه الأمور بحكمة وخبرة.

وفي عهد للسلطان الأشرف قايتباي كان " يشبك من مهدي " الذراع الأيمن ؛ حيث كان رجل المهام الصعبة ؛ فأينما كان هناك حدث جلل في أي مكان داخل مصر أو خارجها. كان الأمير يشبك يقف لها بالمرصاد ؛ حيث كان مختصا ً بالتصرف مع أولئك الذين يحاولون الاستيلاء على أراضي الدولة المملوكية، وقد نجح في إخماد الاضطرابات الداخلية ؛ كما اضطلع بإدخال تحسينات ملموسة؛ فأعطى اهتماما خاصا للطرق والأسواق وإصلاح المباني وقد عرف بشجاعته ، وكان الأمير يشبك كريماً مع العلماء، وخاصة الفقراء منهم؛ كما أعتق عددا ً كبيرا ً من مماليكه، ومنحهم كافة وسائل العيش الرغد الحر.

كان الأمير يشبك شديد الولاء للسلطان قايتباي بطريقة نادرة في عالم المماليك ، رغم أن مواهبه الإدارية و صلاحياته كانت ضخمة جداً ، وكان لديه القدرة على الاستيلاء على عرش مصر ، إلا إنه لم يفكر في هذا الأمر ؛ لذا كان قايتباي يقدره واتخذه صاحبا ً له و ذراعه الأيمن ، وكثيرا ً ما كان قايتباي يخرج من القلعة لقضاء بعض الوقت في القبة التي بناها يشبك ؛ لتكون استراحة له  بعيد عن فوضى القاهرة وغوغائيتها ، و كان حولها بساتين وحدائق غناء .

وفي الوقت الذي لم يكن فيه الأمير يشبك يفكر في عرش مصر ؛ كان يفكر جديا ً في الجلوس على عرش بلاد العراق ؛ في تلك الأثناء كانت دولة الشاه البيضاء ـ الآق قيونلو ـ التي كانت تحكم سيطرتها على جنوب تركيا والعراق وأجزاء من ايران والخليج العربي وأرمينيا  , ومع ذلك كان يشبك من مهدي يعلم جيداً إن هذه الدولة كانت في أضعف حالاتها آنذاك ، ومع ذلك كانت تقوم بمناوشات على حدود الشام ؛ تمهيدا ً لفرض سيطرتها عليها ، فاستغل الأمير يشبك هذه المناوشات وخرج بنفسه مع قوة كبيرة من مصر ، أملا ً في تحقيق حلمه المنشود الذي لطالما كان يحلم بتحقيقه ، وكان تحلم بالقضاء على أصحاب الشاه البيضاء ؛ ليؤسس مملكته الخاصة ؛ وكان من الممكن تغير التاريخ من غير مبالغة إذا نجح في القضاء عليهم ؛ إلا أن الرياح كثيرا ً ما تأتي بما لا تشتهي السفن ؛ إذ توجه الأمير " يشبك من مهدي " على رأس قوات ضخمة من مصر والشام ، حتى إذا ما وضعت الحرب أوزارها انهزمت جيوش الأمير يشبك هزيمة نكراء ؛ لتنتهي الحرب بمقتل الأمير يشبك ذاته في مدينة الرها الواقعة جنوبا ً من تركيا والتمثيل بجثته ؛ حيث قام الخصوم بقطع رأسه ، وألبسوا الرأس المقطوعة عمة كبيرة ؛ أما بقية الجسد فأرسلوه إلى مصر ؛ ليدفن بها من غير رأس.  

هذا وقد ترك لنا الأمير " يشبك من مهدي " بعضا ً من المنشآت المعمارية الهامة في مدينة القاهرة التي تعد من أهم المدن الزاخرة بالمنشآت والعمائر التي تمثل حقبا ً تاريخية هامة ولا نبالغ إذا ما عبرنا عنها بكونها متحفا ً مفتوحا ً ؛ إذ تضم فيما بين جنباتها العديد من الآثار التي خلدت ذكرى أصحابها ، بعد أن ظلت صامدة في مواجهة تقلبات العهود والأزمان ، حافرة في ذاكرة التاريخ لها مكانا ً، ويعد حي حدائق القبة، أحد أبرز أحياء القاهرة التي خلدتها آثار العمارة الإسلامية، وقد يتساءل البعض عن سبب تسمية الحي باسم "قبة" وحدائقها !! ؛ فلم يتبق لنا من رائحة الأمير " يشبك من مهدي " غير قبتين ؛ وهما : قبة يشبك ، وهي قبته التي كان يستريح  فيها مع صاحبه السلطان قايتباي ، والتي كانت سببا ً بعد مرور السنين في تسمية سراي وكوبري وحدائق القبة بهذه الأسماء ؛ حيث تعود تسمية حي "حدائق القُبة"، إلى وجود قُبة الأمير "يشبك من مهدي " ضمن نطاق الحي ؛ أما القبة الثانية ؛ فهي القبة الفداوية .

منشآت وعمائر الأمير " يشبك من مهدي " :

1)ـ قبة يشبك من مهدي :

                              في عهد السلطان الأشرف " قايتباي " أقام الأمير يشبك "قُبة"، أُلحق بها فيما بعد مئذنة منفصلة عنها ومسجدًا صغيرًا، في وسط حدائق، بهدف "الاستجمام"، وهو الغرض الذي بناها "يشبك" من أجله.

وتحولت القبة لاستراحة ؛ حيث كان السلطان قايتباي يستخدمها لإطعام الأمراء وتلامذته، ثم تحولت لاستراحة على الطريق، خاصة وأن المنطقة بأكملها كانت عبارة عن حدائق وبساتين من منطقة كوبري الفردوس حتى المطرية.

يرجع تاريخ بناء مسجد يشبك من مهدي أو جامع الشيخ غراب ـ كما يطلق عليه الآن ـ ، إلى فترة القرن الخامس عشر الميلادي ،  ويقع المسجد أمام قصر القبة الرئاسي، وبالرغم من طبقة التراب التي تعلوه ، لكنه يُعد بحالة جيدة مقارنة بالآثار المصرية التي تعاني من الإهمال الشديد. وحينما تدخل إلى المسجد تشعر وكأنك انتقلت إلى زمن آخر تحديدًا إلى عصر المماليك، ولعل أكثر ما يجذب انتباهك هو القبة التي أنشأها "يشبك من مهدي" في سنة 1438م، وهو ما يجعله أقدم مسجد في حي حدائق القبة.

هذا وتتكون القبة من مربع كبير، طول ضلعه 13.75 م ، يرتفع عن مستوى الشارع بمقدار 2.5 م ، ونقش على القبة سورة آل عمران كاملة ، وبأسفل المسجد دوراً أرضيا كان مستخدما ً كصهريج لتخزين المياه ، ويبلغ الارتفاع الكلى للقبة عشرين متراً. ؛ وقد أنشأ الأمير يشبك إلى جانبها مدرسة ودارا ً لإقامته ومباني كثيرة, وقد قام السلطان الغوري بإنشاء قصراً عظيما ً  بجوارها وحفر بئرا ً ليستقي المسافرون ولم يتبق منها إلا القبة الحالية.

 ويبلغ ارتفاع باب القبة 1.50 م، وهو باب خشبي ذا إفريزين من النحاس أعلى وأسفل الباب ؛ وهو مدخل لبدروم أسفل القبة، وعلى جانبي الباب عمودين من الرخام "ثماني الأضلاع" لهما تاج على شكل كأس زهرة اللوتس ، وللقبة " دَرج" من الرخام الأبيض عبارة عن سلم يمين وآخر يسار، والسلم عبارة عن 12 درجة رخامية، وهى تعتبر من أشهر القباب وأقدمها بمنطقة القبة بل ويرجح أن تكون سبب تسميت المنطقة باسمها.

أما عن مئذنة القبة فقد تم بناؤها وإلحاقها بالمسجد ، الذي عُرف بـ "مسجد القبة" ، وأنشئت المئذنة على الطراز العثماني عام 1278 هـ / 1861 م ، وفي عهد الخديوية تم بناء القصر، المعروف الآن بقصر القبة ؛ نسبة لقبة الأمير "يشبك من مهدي"، كما أن القبة تم تجديدها في عصر عباس حلمي الثاني 1324 هـ / 1906 م من قبل لجنة حفظ الآثار العربية.

2)ـ القبة الفداوية

يذكر المؤرخون أن " الأمير يشبك من مهدي الدوادار " كان قد بنى قبة أخرى بـ"الريدانية" - العباسية الآن – عرفت باسم بالقبة الفداوية ، وكان الفراغ من بنائها سنة  886هـ /1481 م ، ويعد تخطيط هذه القبة تخطيطا ً فريدا ً من نوعه ، وأقيمت فوق ثلاث قاعات مستطيلة، ومغطاة بسقوف مقبية على شكل نصف دائرة، وهي تعلو بناء مربع، يبلغ طول ضلعه 20 م تقريبا ً.

عقب مقتل الأمير يشبك في عام 885 هـ /1480  م ، وبتولي السلطان الأشرف أبو النصر قنصوى الغوري حكم مصر عام 906 هـ /1501  م ، استمر في تطبيق سُنة الأمير يشبك ؛ فكان يتردد على القباب المزارية التي كان يتخذ منها مقعدا ً ينزل فيه كلما أراد التنزه والرياضة ؛ لاسيما " قبة يشبك " ؛ التي كان يبيت فيها من وقت لآخر طوال مدة حكمه، وأنشأ بجوارها عددا ً من الفساقي يجري فيها الماء، وحفر بئرا ً ليشرب منه المسافرون الذين يمرون من هناك، وهكذا عرفت المنطقة باسم قبة الغوري بعد أن أصبحت جزءًا من أملاكه.

وهكذا طويت صفحات سجل التاريخ عن واحدة من الشخصيات الهامة في تاريخ دولة المماليك بعد أن خلدت أعماله وآثاره شخصيته كواحد من الرواد الذين أثروا تاريخ الفن المعماري بصروح معمارية لا تزال تقف إلى يومنا هذا شاهدة على مدى ما قدمه ذاك الأمير ....

 


من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.