كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 02, 2021 - 119 Views

كراسي الولادة في العصر الإسلامي

Rate this item
(0 votes)

بقلم د. بوسي زيدان

أستاذ الفنون والآثار الإسلامية المساعد كلية السياحة والفنادق – جامعة قناة السويس

كرسي الولادة هو نوع من المقاعد ذات تصميم مميز، كانت تستخدم لتسهيل عملية الولادة بفضل توفيرها وضعية مناسبة للمرأة. جدير بالذكر أن هذا الكرسي ليس اختراع او ابتكار إسلامي بحت، بل كان معروفاً في مصر القديمة  منذ عام ٣٠٠٠ ق.م. ويضم المتحف المصري بالقاهرة نموذج لهذه المقاعد شبيه – إلى حد كبير- بكراسي الولادة المنتسبة للعصر الإسلامي.

السمة الرئيسية لمقعد الولادة في مصر القديمة هي أن جزء الجلوس على شكل حرف. U وقبل استخدام هذه المقاعد؛ كان على الماخض (المرأة التي جاءها المخاض) أن تنحني على ركبتيها وتجلس على عظم كاحلها، ويُوضع واحدًا أو اثنين من قوالب اللبِن تحت ركبتيها، لإعطاء مساحة لخروج الطفل. في نفس الوقت تدعمها امرأة من ظهرها والقابلة تجلس أمامها لتستقبل الطفل. علماً بأن قدماء المصريون اعتادوا الإشارة  إلى القابلة بعبارة "الجالسة على اللبِن"، حيث تكَّون الشكل الأساسي والأصلي لمقعد الولادة في ذلك الوقت من خلال تجميع قوالب الطوب اللبن ببعضها البعض.

وخلال الفترة اليونانية والرومانية في مصر؛ اشتهرت مقصورة الولادة التي كانت تسمى’Mamis’   واصلها   ‘ma’وتعني مكان،  و ‘mici’ وتعني ولادة في اللغة القبطية واشتق منها  الأجانب مصطلح Mammisi’ بمعنى ‘Birth House’. جدير بالذكر أن الإغريق اهتموا بمناظر الولادة كوسيلة للدفاع عن ميراثهم لعرش الفراعنة من خلال كونهم جزءًا من نسلهم الإلهي. يعتبر "الماميزي" الصغير الذي بناه الملك Nectanebo I  في معبد "دندرة" هو أقدم نموذج مستقل في العمارة المصرية القديمة. فعلى الجانب الأيسر من "الماميزي" يوجد مشهد للولادة حيث صورت الإلهة "wt-r" جالسة على مقعد الولادة أثناء ولادة حورس. في هذا المشهد؛ شوهدت الآلهات Wadjet’ وNekhbet’ واقفتان لدعمها (لوحة ١). يعطينا هذا المنظر لمحة عن القبالة في مصر القديمة، كما يشهد على اختراعهم لمقاعد الولادة.

Treffer, G.,  Ägypten und der Sudan, Wien, 1981, p. 518

هذا المقعد هو أصل ذلك المعروف في العصر الإسلامي وما زال يستخدم في المناطق الريفية حتى يومنا هذا. ففي إحدي غرف المنزل الأثري لآمنة بنت سالم  - أثر رقم٥٥٩ بتاريخ ٩٤٧ هـ/ ١٥٤٠ م والذي يقع بحي السيدة زينب بالقاهرة وهو جزء من متحف جاير أندرسون في القاهرة- توجد مجموعة نادرة من مقاعد الولادة ذات تصاميم مختلفة (لوحة ٢).هذه المقاعد تتخذ شكل مستطيل مع فتحة نصف دائرية في المنتصف، مع مسند ظهر ومقبضين موجودين بدقة حتى تتمكن الماخض (المرأة التي جاءها المخاض) من الإمساك بها أثناء المخاض.

(لوحة ٢) نموذج لكراسي الولادة من العصر الإسلامي- كرسي الولادة سجل رقم ٧٤١

هنا، هناك حاجة للسؤال هل مقاعد الولادة تلك بها مزايا لتوفرها للمرأة الحامل؟ أم أنها كانت فقط الطريقة المتاحة للولادة؟؟؟

كشفت بعض الدراسات الطبية الحديثة عن وجود وضعيتين للولادة هما وضعية الاستلقاء افقيا والوضعية الأخرى وضعية الجلوس بشكل رأسي. وأوضحت هذه الدراسات أن وضعية الجلوس بشكل رأسي في الولادة هي الأكثر فائدة. وقد كانت هذه الوضعية معروفة ومستخدمة في عديد من الدول المتقدمة منذ حوالي ٣٠٠ عام.

وبالرغم من أن هذه الدراسات لم تحدد بداية استخدام وضعية الجلوس بشكل رأسي في الولادة. إلا أن - كما سبقت الإشارة- هذه الوضعية في الولادة كانت معروفة منذ 3000عام قبل الميلاد في مصر القديمة. لذلك يمكن الجزم بأن وضعية الجلوس بشكل رأسي في الولادة من أصول مصرية قديمة.

منذ حوالي 20 عام أجريت العديد من الدراسات في البلدان المتقدمة لتحديد مزايا وعيوب مقعد الولادة. وقد كشفت هذه الدراسات عن العديد من المزايا الطبية والفسيولوجية المكتسبة في الوضعيات المستقيمة عند الولادة وخاصة من خلال استخدام مقاعد الولادة ، على النحو التالي:

  • يؤدي إلى دفع أكثر كفاءة وألم أقل ونتائج محسنة للمواليد الجدد.
  • يقلل من مدة المرحلة الثانية من المخاض مقارنة بوضعية الاستلقاء.
  • يقلل من استخدام الأوكسيتوسين الاصطناعي لزيادة حجم المخاض
  • لم تكن هناك نتائج معاكسة عند الرضع أو الأمهات
  • اختيار الحامل لهذا الموقف يمنحها القوة والثقة بالنفس.

ونتيجة لهذه المزايا العظيمة التي أثبتت من خلال العديد من الدراسات العلمية ، هناك اتجاه في الدول المتقدمة للعودة إلى مثل هذه الطريقة في الولادة. لذلك ظهرت عدة تصاميم لمقاعد الولادة والكراسي والمقاعد دون تغيير المبادئ. من بين هذه المبادئ، ارتفاع مقعد الولادة الذي يتيح للمرأة الماخض أن تسند قدميها على الأرض أثناء الانقباضات مع السماح للقابلات بالوصول إلى قناة الولادة.

وقد ظهر حديثا نماذج مختلفة من مقاعد الولادة في الأسواق الأمريكية والأوروبية على حد سواء صممتها قابلة ألمانية، وتم انتاجها في أستراليا تحمل العلامة التجارية "BirthRite®" المعروفة منذ عام 2000م (لوحة ٣).

(لوحة ٣) نموذج لكراسي الولادة التي تحمل العلامة التجارية ®BirthRite

Thies-Lagergren, L.,The Swedish Birth Seat Trial, p. 24, For more details visit:

http://www.birthrite.com.au/eng/products/floor_studio/components/birthing_seat/index.htm, Accessed August 28th, 2021

**مجمل القول أن كرسي الولادة هو اختراع مصري قديم، تم تطويره وظهر بعدة أشكال وتصميمات مريحة عالية الجودة؛ وهي الآن معتمدة في معظم المستشفيات الحديثة نظرًا لمزاياها المكتشفة.

 

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.