كاسل الحضارة والتراث Written by  تموز 31, 2022 - 85 Views

مقياس النيل بجزيرة الروضة

Rate this item
(1 Vote)

بقلم :طه رجب عبد العزيز 

عضو مبادرة حراس التراث والحضارة

أعجب بناء إسلامي شاهد على براعة المعماري المسلم وأقدم نماذج العمارة المائية الإسلامية في مصر والعالم العربي والإسلامي ومن أقدم الآثار الشاهدة على عظمة الحضارة الإسلامية بمصر.

ويعد مقياس النيل بالروضة من المنشآت العباسية وقد عرف المصريون منذ أقدم العصور تشييد المقاييس في شتى أنحاء البلاد ليتعرفوا على ارتفاع النيل نظرا لعلاقته الوثيقة بري الأرض و تحصيل الخراج.

واهتم المصريون القدماء منذ بدء حضارتهم في الوادي بقياس منسوب نهر النيل لتحديد المساحة التي يزرعونها في ضوء هذا المقياس وقد عرف المصريون القدماء مقاييس متعددة للنيل منها ما هو متحرك وكذلك الثقل الذي يربط في طرفي خيط أو حبل يرمى به إلى قاع النيل لقياس منسوب الماء أو القياس بقائم خشبي للتغلب على تحريك الخيط في المقياس السابق.

ومن هذه المقاييس ما هو ثابت على هيئة بئر ينزل إليه بدرج يرتفع فيه منسوب الماء بارتفاع ماء النيل وبإحصاء عدد الدرج الذي يغطيه الماء يمكن معرفة قياس النيل.

واستمر الاهتمام بإنشاء المقاييس للنيل في العصرين اليوناني الروماني ثم البيزنطي وفي العصر الإسلامي كان الاهتمام بالغا بقياس النيل ابتداء من عهد الخليفة عمر بن الخطاب الذي تم في عهده فتح مصر وكانت تنشأ هذه المقاييس علي ضفاف النيل وكانت تتعرض للتدمير بفعل الفيضانات المدمرة واستمر الحال علي ذلك في انشاء المقاييس حتي العصر العباسي عندما امر الخليفة المتوكل بإنشاء مقياس للنيل لا يتعرض للهدم والتدمير بفعل الفيضانات المدمرة وكلف بذلك مهندساً من فرغانة وكان هذا المقياس هو عاشر مقياس يبني في العصر الاسلامي

مهندس المقياس :

اشار ابن خلكان الى نص تأسيس كان بمقياس النيل نصه "بسم الله الرحمن الرحيم مقياس عن وسعادة ونعمه وسلام امرت ببنائه عبد الله جعفر الامام المتوكل على الله امير المؤمنين اطال الله بقاءه وادام عزه على يد احمد ابن محمد الحاسب سبع وأربعين ومائه  ولا شك ان تسجيل مهندس المقياس لاسمه بجوار اسم الخليفة الذي أمر ببناء هذا المقياس يدل علي مكانة هذا المهندس الذي اعتز بنفسة وهو الاعتزاز الذي قدرته الخلافة فسمحت له بذلك .

مقاييس النيل بعد الفتح الإسلامي:-

تشير المصادر العربية إلى العديد من المقاييس التي أنشئت بمصر بعد الفتح العربي الإسلامي لها منها:

(١)أشار  بن عبد الحكم الي ان يوسف عليه السلام هو أول من وضع مقياساً في منف

(٢) مقياس أنصنا: أنشأه معاوية بن أبي سفيان (41 - 60هـ).

(٣) مقياس بحلوان: أنشأه عبد العزيز بن مروان سنة 80هـ.

(٤) مقياس في الروضة: بناه أسامة بن زيد التنوفي عامل الخراج سنة 92هـ في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك (86 – 96هـ) وقد أبطل الخليفة سليمان بن عبد الملك العمل به فأنشأ غيره في سنة 97هـ أي بعد خمس سنوات.

ويذكر المؤرخ ابن خلكان أن اسم الخليفة المتوكل كان منقوشًا في شريط من الحجر يحيط بأعلى فوهة البئر ويحمل تاريخ رجب سنة 247هجريا - سبتمبر 861م ويعتبر مقياس النيل ثاني أقدم أثر إسلامي في مصر بعد جامع عمرو بن العاص.

شُيِّد مقياس النيل بالروضة على يد المهندس أحمد بن محمد الحاسب وتحيط بشخصية هذا المهندس الغموض حيث يقول البعض: الذي بنى المقياس هو  مهندس عراقي اسمه محمد بن كثير الفرغاني في ولاية يزيد بن عبد الله التركي.

وقال البعض أن اسمه ابن كاتب الفرغاني وأنه كان قبطيا لكن يقول كريز ويل (عالم الآثار الاسلامية)

"إن الذي يُنسب إلى فرغانة التي هي جزء من دولة الفرس- لا يمكن أن يكون قبطيا".

زعم البعض أن أحمد بن  محمد الحاسب وأحمد بن كثير الفرغاني ما هما إلا شخص واحد وفي هذا يقول بوبر: "إنه هو نفسه أحمد بن المدبر الذي ولي خراج مصر".

إلا أن البعض الآخر أجمع على أن مهندس المقياس هو أحمد بن محمد الحاسب الذي وجد قبره بجوار ضريح الإمام الليث بن سعد وكتب على قبره "أحمد بن محمد الحاسب مهندس المقياس".

وما يزيد من حدة هذا الخلاف أن النقش الحجري الذي أشار إليه ابن خلكان فُقِد أثناء إصلاحات أحمد بن طولون (254 - 270هـ).

عمارة المقياس :

يتمثل هذا الاثر على شكل بئر مساحته حوالي ٦,٢٠ متر مربع وجدران البئر مبنيه بأحجار مهذبة وروعي في بنائها ان يزيد سمكها كلما زاد العمق.

ويتكون المقياس من جزأين: الأول علوي يظهر فوق الأرض عبارة عن قبة تأخذ شكلا مخروطيا "قبة على هيئة القلم الرصاص" ذات طراز تركي "وهذه القبة من الداخل مزخرفة بزخارف نباتية كالأزهار والأوراق النباتية بالألوان المختلفة وزخارف كتابية دعائية مذهبة تمثل كتابة كوفية تمثل أقدم كتابة أثرية مؤرخة في مصر .

أما الجزء الثاني من المقياس فهو البئر وتوجد أسفل الجزء الأول تحت سطح الأرض نصل إليها عن طريق مجموعة من السلالم تبدأ من قمة البئر إلى القاع وتأخذ بئر المقياس من الداخل شكل المثلث المقلوب "هرمي" حيث ينقسم مسقطه إلى ثلاثة مستويات الأول مسقط دائري ثم يعلوه مسقط مربع طول ضلعه أكبر من محيط الدائرة "المستوى الأول" ثم المستوى الثالث ومسقطه مربع طول ضلعه أكبر من طول ضلع المربع الأول

بهذه المستويات الثلاثة وبجدران بئر المقياس توجد مجموعة من الفتحات التي يدخل عن طريقها ماء نهر النيل إلى البئر ويقاس منسوبه عن طريق عامود المقياس وكلما كانت نسبة مياه النيل مرتفعة دخل الماء من الفتحات العلوية الموجودة ببئر المقياس ويبلغ طول عامود القياس 16ذراعا "10,5 متر "ويرتكز العمود علي فرشة من الخشب وثبت من أعلي بواسطة عقدين يرتكزان علي جدران البئر من الداخل وكان قبل ذلك مثبتا بواسطة كمرة او عتب افقي عليه كتابه كوفية.

وكان ماء النيل ينساب الي البئر عن طريق ثلاثة أنفاق تصب ماءها في البئر خلال ثلاث فتحات في الجانب الشرقي وصممت واجهات الفتحات علي هيئة دخلات غائرة في الجدران تتوجها رمانية مقلوبة وتعتبر هذه العقود المدببة أقدم أمثلة معروفة لهذا الطراز من العقود في مصر الإسلامية

عمليات إصلاح وتجديد مقياس النيل:-

(1 )في عهد أحمد بن طولون -مؤسس مدينة القطائع  قد أصلحه وجدده سنة 259هـ وفي هذا الإصلاح فُقدت النقوش الحجرية التي أشار إليها ابن خلكان كما سبق الذكر.

(2 )في عهد الخليفة المستنصر: حيث عَهَد إلى وزيره بدر الجمالي بتجديد المقياس سنة 485هـ و بنى مسجدا في جانبه الغربي عرف بمسجد المقياس.

(3) في عهد السلطان الظاهر بيبرس (658 - 676هـ): حيث قام بإضافة قبة فوق بئر المقياس في القرن السابع الهجري.

(4)في عهد الأشرف قايتباي سلطان مصر (872 - 901هـ):  تمت بعض الإصلاحات.

5- كما شهد إصلاحات أخرى في العهد العثماني على يد كل من:

*السلطان سليم الأول ( 918 - 926هـ)

* السلطان سليمان القانوني ( 926 - 974هـ)

* السلطان سليم الثاني ( 974 – 982هـ)

(6) وحظي بنصيب من جهود الحملة الفرنسية سنة 1214هـ / 1799م فنظفوا بئر المقياس من الطمي المتراكم في قاعه كما أضافت قطعة من الرخام مقدارها ذراع إلى عمود القياس ونقش عليها تاريخ 1215هـ/ 1799م.

(7) وقامت وزارة الأشغال العمومية سنة 1305هـ / 1887م بتنظيف المقياس مرة أخرى من الطمي المتراكم بداخله وبعد هذه الإصلاحات هبط عمود المقياس بمقدار 3 سم ثم 6سم، فقامت مصلحة المباني بالاشتراك مع لجنة حفظ الآثار العربية بأخذ الاحتياطات اللازمة لإيقاف الهبوط، وكان ذلك عام 1343هـ / 1925م.

وترجع أهمية مقياس النيل وتميزه بين الآثار الإسلامية إلى الطريقة التي استخدمها المعماري في بنائه والتي دلت على براعته وتطبيقه للنظريات العلمية التي بنى عليها فكرة إنشائه بحيث أضاف للمقياس عنصر الإبهار.

 

وذلك حينما استطاع أن يبني جسم المقياس في ستة أشهر هي وقت التحاريق عندما يقل مستوى مياه نهر النيل قبل الفيضان فكان لزامًا عليه أن يبنى في تلك الفترة القصيرة كما كان اختياره لموقع المقياس في الطرف الجنوبي من جزيرة الروضة أثرا في الحفاظ على جسم المقياس فهذا الموقع تقل فيه شدة التيارات في النهر.

وبالرغم من أن المقياس مبني من الحجر ومن المعروف أن المياه تشكل مصدرا خطرا على الأبنية المبنية من الحجر إلا أن المهندس استخدم مادة للعزل تعمل على الحفاظ على الأحجار من التفكك والانهيار ولهذه الأسباب يقف الآن المقياس متحديا كل العوامل التي قد تشكل عليه عنصرا من عناصر الخطورة كالزمن والمياه.

المصادر :-

(1)محمد عبد الستار عثمان ،دراسات أثرية في العمارة العباسية والفاطمية.

(2) كمال الدين سامح ،العمارة الإسلامية في مصر.

(3)أحمد عبد الرازق احمد ،العمارة الإسلامية فى مصر حتي نهاية العصر المملوكي.

(4)حسن الباشا،مدخل الي الاثار الاسلامية .

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.