د.عبدالرحيم ريحان Written by  نيسان 20, 2019 - 326 Views

سيناء قاهرة الغزاة

Rate this item
(0 votes)

يشهد التاريخ القديم والحديث بأن هذه الأرض الطاهرة قهرت كل من سولت له نفسه تدنيس طهارتها كما كانت أيضًا حضن الأمان للأنبياء الطاهرين والمسلمين الفاتحين يحملون مشعل الحضارة إليها، وتعتبرشبه جزيرة سيناء أو طور سيناء كما وردت فى القرآن الكريم }وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين{ المؤمنون 20 كما وردت طور سينين } والتين والزيتون وطور سينين { التين 1، 2 وسينين بمعنى شجر ومفردها سينية أى شجرة فالطور أشهر جبالها وأقدس مكان بها، وسيناء معناها اللغوى حجر أو بلاد الأحجار وسميت سيناء لكثرة جبالها.

شبه جزيرة سيناء على شكل مثلث قاعدته فى الشمال وضلعيه خليج العقبة شرقًا وينتهى بمدينة العقبة وإيلات وخليج السويس غربًا وينتهى بمدينة السويس، وقاعدة المثلث تبلغ  200كم من بور فؤاد غربًا حتى رفح شرقًا على امتداد البحر المتوسط، ورأسه جنوبًا عند رأس محمد التى تبعد عن ساحل البحر المتوسط 390 كم، والضلع الغربى  للمثلث 510كم ويشمل خليج السويس والقناة والضلع الشرقى للمثلث 455كم ويشمل خليج العقبة و الخط الوهمى للحدود السياسية الشرقية لمصر، وتبلغ مساحة سيناء 61000 كم2 أى 6% من مساحة مصر التى تبلغ مليون كم2 وتتميز سيناء بالجبال الشاهقة الارتفاع أهمها جبل كاترين 2639م و جبل موسى 2242م فوق مستوى سطح البحر

مقبرة الغزاة

رجالها قهروا كل الغزاة عبر العصور حيث واجه رمسيس الثانى (1304-1237 ق.م.) تمرد مملكة خيتا التى ألّبت سكان سوريا ضد مصر وسارت جيوش رمسيس الثانى عبر الطريق الحربى بسيناء لإخماد الفتنة وأعاد كل فلسطين إلى حظيرته، وتعرض الفاطميون عن طريق سيناء لخطر الصليبيين فتقدم بلدوين الأول (512هـ ، 1118م) بجيش عن طريق شمال سيناء ووصل غزة ثم العريش وبحيرة سربنيوس التى عرفت فيما بعد باسم (بحيرة البردويل) وعجز أن يتابع سيره داخل مصر فعاد من حيث أتى ومات بسيناء ثم حمل جثمانه للقدس ودفن بكنيسة القيامة.

 وفى عهد الأيوبيين خرج صلاح الدين عام (566 هـ ، 1170م) عن طريق سيناء بمراكب مفككة حملها على الإبل ولما وصل إلى أيله (العقبة) ركب تلك المراكب وأنزلها البحر ونازل أيله برًا وبحرًا حتى فتحها وترك بها حامية أيوبية وعاد لمصر وشيد صلاح الدين بسيناء قلعته الشهيرة بجزيرة فرعون وقلعة الجندى برأس سدر وكان له طريق حربى بسيناء وهو الممر الرئيسى لجيوشه من القاهرة ويبدأ من السويس إلى وادى الراحة بوسط سيناء ثم عين سدرعند قلعة الجندى ثم إلى التمد حيث يتفرع فرعين أحدهما يسير جنوب شرق إلى قلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون والآخر يستمر شرقًا حتى يلتقى بدرب الحج عند نقب العقبة وعن طريقه حرر القدس فى موقعة حطين.

وفى عهد المماليك البحرية (648 – 784 هـ ، 1250 – 1382 م) استرجع السلطان بيبرس البندقدارى أيله بعد أن أعاد الصليبيون احتلالها وزار مكة بطريق السويس – أيلة  وفى عهد المماليك الجراكسة (784 – 922 هـ ، 1382 – 1516 م)  بنى السلطان قانصوة الغورى القلاع على درب الحج ومنها قلعة نخل بوسط سيناء وقلعة العقبة، وفى العصر العثمانى (923 – 1213 هـ ، 1517 – 1798 م)  بنى السلطان سليم الأول  قلعة الطور المندثرة الآن  وبنى السلطان سليمان (926-974 هـ ، 1520-1566م) قلعة العريش ورمم قلعة نخل وفى فبراير 1799م حاصر نابليون قلعة العريش 14 يوم حتى استسلمت واستردها العثمانيون فى ديسمبر 1799م وكانت هذه القلاع تحمى حدود مصر الشرقية وركب حجاجها إلى بيت الله الحرام وطرقها الحربية والتجارية

حصن مصر المنيع

ويعتبر طريق شمال سيناء الشريان الرئيسى للمواصلات بين آسيا ومصر لما له من أهمية اقتصادية واستراتيجية وازدهرت به مدن غزة ، (رافيا) رفح ، رينوكورورا (العريش) ، أوستراكين (الفلوسيات) ، القلس ، بيلوزيوم (الفرما) كمحطات للتجارة بين الشرق والغرب وكان بهذه المدن أنشطة تجارية محلية وبعضها موانئ هامة وبعضها نقاط عسكرية لحماية قوافل التجارة، وبعضها نقاط جمارك وكان بها صناعات مثل النسيج، الزجاج، بناء السفن، الصيد وحفظ الأسماك.

وكانت هناك علاقات تجارية مع فلسطين، شمال أفريقيا، قبرص، آسيا الصغرى، اليونان وإيطاليا وذلك مما عثر عليه من أوانى فخارية رقيقة مجلوبة من هذه الأماكن وأوانى لتخزين المؤن بالمواقع الأثرية بشمال سيناء، وينقسم طريق شمال سيناء إلى ثلاثة طرق، ويعتبر الطريق الساحلى أقدمها حيث كانت التجارة والغزوات تفضله لقلة رمله واعتدال هوائه كما تسهل حمايته من ناحية البحر مما جعل له أهميته الحربية فى الفترة الرومانية واليزنطية وازدادت أهميته فى عهد جستنيان فى القرن السادس الميلادى الذى اهتم بتأمين حدود مصر الشرقية

مدينة الفرما

تعتبر الفرما المفتاح الاستراتيجى لسيناء وهى تبعد 35كم شرق مدينة القنطرة شرق على شاطئ البحر المتوسط عند قرية بلوظة وتبعد الآثار المكتشفة بالفرما 5كم عن الطريق الرئيسى طريق القنطرة – العريش وكان اسمها هرمونوس، ويذكر أبو المكارم أن الفراعنة بنوا الفرما وكانت بحيرة ماء فغرق فيها ألف مركب ورمى البحر منهم ألف رجل فسميت (ألف رما)، وتقع على أحد فروع النيل وهو الفرع المعروف باسم بيلوزيان نسبة إلى مدينة بيلوزيوم وباقى مصبـه يقع  بقربها واسمها باليونانية بيلوزيوم Pelousion وسميت بالفرما فى العصور الوسطى ووردت الفرماء أو تل الفرما.

وكانت عرضة لغزوات الشعوب المختلفة من الشرق حيث استولى عليها الهكسوس ملوك الرعاة حتى تم دحرهم عن مصر عبر سيناء وأن الأبواب المذكورة فى قوله تعالى }وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة{ يوسف 67 هى أبواب مدينة الفرما وكان يقع شرق الفرما قبر بومبى الذى أقام عمود السوارى بالإسكندرية، وأنها كانت وطن بطليموس الفلكى الشهير وفى مدة حكم البطالسة تم حفر خليج نيلى كان يبتدئ من فرع النيل الشرقى المعروف بالبيلوزيانى ويصب عند السويس طوله 200كم تقريبا وعرضه يكفى لمرور سفينتين معا من السفن الكبيرة ذات الثلاث طبقات ثم ترك هذا الخليج فى أثناء الإنقلابات التى حدثت بمصر أيام الرومان فانسد الخليج وبطل استعماله فى القرن السادس الميلادى، وكانت الفرما مدينة محصّنة وبنى بها الخليفة العباسى المتوكل على الله حصنًا على البحر تولى بناؤه عنبسة بن اسحق أمير مصر فى سنة 239هـ 853م  عندما بنى حصن دمياط وحصن تنيس

رفع العلم المصرى على طابا

بدأت حلقات الصراع الإسرائيلى ابتداءً من مايو 1948 وحتى رفع العلم المصرى على طابا 19 مارس 1989 ، ففى عام 1948 بدأت وحدات من المتطوعين تعبر سيناء فى طريقها لفلسطين للمشاركة فى درء الخطر الصهيونى ثم تقدمت وحدات الجيش المصرى عبر سيناء لمقاومة إنشاء دولة إسرائيل، وشهدت طرق سيناء عام 1956م العدوان الثلاثى مستخدمين عدة محاور بسيناء وتم إحتلال سيناء بواسطة إسرائيل ولكن عادت وحدات الجيش المصرى مرة أخرى إلى سيناء عام 1957م وإلى غزة فى مارس من نفس العام،  وأخضعت إسرائيل سيناء للحكم العسكرى حين احتلالها عام 1967 وقسمتها لمنطقتين هما شمال سيناء وألحقتها بقطاع غزة وجنوب سيناء  ووضعتها تحت إدارة مستقلة وعينت حاكم عسكرى على كل منطقة وأقامت فى سيناء المستوطنات أهمها أوقيرا بجوار شرم الشيخ، ذى هاف قرب دهب زاحارون 10كم شرق العريش، ياميت 7كم قرب رفح.

واستغلت إسرائيل حقول بترول سيناء مثل بلاعيم وأبو رديس كما أعتبرت المنشئات الصناعية والتعدينية المصرية من بين غنائم الحرب لذا قامت بنقلها داخل إسرائيل كما مزجت نشاطها السياحى بميولها التوسعية وخلطت بين الدين والتاريخ والسياسة وأظهرت أن العرب معتدون وأن أرض سيناء إسرائيلية وأنهم أقدر على تنميتها من مصر، وكانت معركة الكرامة أكتوبر 1973 مقبرة أذلت أعناق الصهيونية ثم تم توقيع اتفاقية كامب دافيد فى 26 مارس 1979.

وبدأت مراحل استعادة أرض سيناء وتشبث مصر باسترداد كل شبر فى سيناء ففى 25 يوليو 1979 تم استعادة الساحل الشمالى حتى العريش، وفى  25 يوليو 1979 من رأس محمد حتى أبو دربة وفى 25 سبتمبر 1979 من أبو دربة حتى أبو صير، وفى 25 نوفمبر 1979 عادت سانت كاترين والمنطقة من أبو صير حتى رأس محمد وفى 25 يناير 1980 تم استعادة المضايق بوسط سيناء والمنطقة شرق المضايق من العريش حتى رأس محمد وفى 25 أبريل 1982 تم استعادة رفح وشرم الشيخ وفى سبتمبر 1988  التحكيم فى المنطقة المتنازع عليها فى طابا وفى 9 مارس 1989 انسحاب إسرائيل من طابا وفى 19 مارس 1989 رفع العلم المصرى على طابا .
د.عبدالرحيم ريحان

مستشار عام لشئون الحضارة والتراث بمجموعة كاسل جورنال ورئيس اللجنة العلمية التاريخية بمجلة كاسل الحضارة والتراث

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.