كاسل الحضارة والتراث Written by  آب 22, 2019 - 767 Views

مسجد الصحابة في مدينة تشوانتشو بمقاطعة فوجيان الصينية

Rate this item
(1 Vote)

كتب د/ حماده محمد هجرس

مدرس بكلية الآثار جامعة الفيوم

مقدمة

يتفق العلماء الصينيون أن الإسلام وصل إلي بلادهم عام 29ھ /651م، وذلك في صيف السنة الثانية لفترة حكم ثاني أباطرة أسرة تانج (4-294ھ /618-907م) الإمبراطور جاوزونج (Gāozōng-高宗)؛ ففي ذلك العام كانت أول سفارة عربية إلى بلاط أسرة تانج، كأول اتصال مباشر بين الصينيين والعرب. أكدت المصادر الصينية هذا الإتصال ؛ فنجد في المجلد رقم 221 بعنوان المناطق والأقاليم الغربية (西域) في كتاب التاريخ الحديث لأسرة تانج (New Book of Tang-新唐书) خبر هذه السفارة.

كانت هناك علاقات تجارية بين العرب والصينيين قبل الإسلام، والحقيقة أن تلك العلاقات تطورت وزادت بشكل مضطرد بعد ظهور الإسلام، خاصة بعد سيطرة التجار العرب على طرق التجارة بين الشرق والغرب. وبفضل التجار المسلمين تم تعزيز انتشار الإسلام في جنوب شرق آسيا والصين. منذ القرن الأول وحتى القرن السابع الهجري، اعتنقت شعوب شبه جزيرة الملايو، وجزر جنوب شرق آسيا الإسلام، ومن ثم فإن التجار المسلمين الذين ذهبوا للصين نشروا الإسلام في تلك الأرض الواسعة. وقد أشارت المصادر الصينية القديمة إلى التجار المسلمين بمدينة كانتون وأطلقت عليهم اسم (Fanke) ومعناه (الضيوف الغرباء).

استمر تدفق التجار والأثرياء من العرب والفرس إلى الصين، وحملوا شعائر دينهم وثقافتهم إليها، فالتجارة بين الصينيين من ناحية وبين المسلمين من عرب وفرس من ناحية أخري قد ازدادت بشكل ملحوظ منذ القرن الأول الهجري (السابع الميلادي). في الواقع كان التجار المسلمون هم السبب الأساسي لوصول الإسلام للصين، فقد كان التجار المسلمين في عصر أسرة تانج يتمتعون بوضع مميز، أتاح لهم التمدد وبناء منازلهم ومساجدهم، بالإضافة إلى الإمتيازات والفرص السياسية والإقتصادية التي مُنحت لهم. بقدوم التجار أصبحت المدن الكبرى لها سفارات وبعثات وقوافل تجارية، وعادت تلك التجارة بأموال طائلة على التجار المسلمين، كانت كافية لتبرر وجودهم الدائم في المدن الساحلية الصينية.

كانت التجارة بين الصين والعالم الإسلامي تتم عبر طرق تجارية عديدة أهمها كان الطريق التجاري البري (طريق الحرير)، فطريق الحرير لم يمر من خلاله الإسلام إلى الصين فحسب، وإنما مرت منه ديانات مختلفة وهي: البوذية، والزرادشتية، واليهودية، والنسطورية المسيحية، والمانوية، كما أنه كان معبرًا للتبادل الثقافي بين الحضارات القديمة. أما الطريق البحري فقد كان هو الطريق المفضل لدى التجار العرب، وذلك بسبب الإضطرابات والحروب على الحدود الشمالية الغربية للصين، لذلك لم يستطع العرب القيام بالتجارة عبر طريق الحرير.

أما بالنسبة للتجار المسلمون الذين اختاروا البقاء في الصين فقد بدأوا بالزواج من الصينيات وبمرور الوقت تكونت قومية هوي الصينية المسلمة، وسمحت السلطات الصينية للتجار بالزواج من الصينيات وأنجبوا أطفالًا أطلق عليهم اسم (Tusheng Fanke) وتعني أبناء الغرباء، وقد ورد ذكرهم في الأعمال الأدبية لعصر أسرة سونج (349-678ھ /960-1279م). بسبب كثرة التجار في المدن الصينية وزواجهم من السكان المحليين بدأت السلطات الصينية في محاولة لتقنينها وتنظيمها بإصدار قوانين تتعلق بتلك الزيجات، ففي عام 7ھ / 628م، أصدر الإمبراطور مرسوما ألزم فيه التجار (Fanke)، الذين تزوجوا بصينيات بالإقامة في الصين. تزايدت أعداد التجار المسلمين في الصين بصفة خاصة خلال عصر أسرة يوان المغولية، ووصلت التجارة في عهدهم إلى نسب غير مسبوقة، والدليل على عظم التجارة وخاصة البحرية بين الصين والعالم الإسلامي، تلك المراكب الضخمة التي كانت تنقل البضائع. وقد أورد الرحالة ابن بطوطة في رحلته للصين خلال عصر أسرة يوان وصفًا لهذه المراكب الضخمة حيث قال: "مراكب الصين ثلاثة أصناف: الكبار منها تسمي الجنوك، وأحدها جنك، والمتوسطة تسمى الزوّ، والصغار يسمى أحدها الكلكم... ويخدم في المركب منها ألف رجل... ولا تصنع هذه المراكب إلا بمدينة الزيتون (تشوانچو-泉州) من الصين".

كان من أهم سمات عصر المغول في الصين هي حركة الهجرات الواسعة للصين، حيث أصبحت الصين مقصدًا للشعوب الإسلامية مثل شعوب وقبائل أسيا الوسطى والعرب والفرس والترك، الذين حملوا ثقافاتهم ومعتقداتهم الدينية إليها، وكانوا سببًا رئيسيًا في نشر الإسلام في جميع أنحاء الصين. مما لاشك فيه أنه كانت هناك أسباب أدت إلى زيادة هجرة آلاف المسلمين للصين خلال عصر أسرة يوان، منها سياسة التسامح الديني التي انتهجتها هذه الأسرة في الصين، إذ كانت جميع الديانات مرحبًا بها مثل الإسلام والمسيحية والنسطورية واليهودية والطاوية والبوذية، وتم إعفاء معتنقيها من الضرائب، الأمر الذي شجع على انتشار الإسلام ونمو المجتمعات المسلمة في جميع أنحاء الصين.

على أية حال؛ بتزايد أعداد المسلمين في الصين بدأت تظهر المجتمعات والمستوطنات المسلمة المنفصلة داخل المدن الكبرى، وبنيت مسـاجدهم في وسطها وترأسها القاضي أو الإمــام (Āhōng-阿訇). دوّن الرحالة المسلمون الذين زاروا الصين خلال القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) ملاحظاتهم لتلك المجتمعات المسلمة، مثل التاجر سليمان الذي زار الصين عام 236ھ /851م حيث أشار إلى أن مدينة كانتون بها مستوطنة مسلمة تحتوي على المساجد والأسواق وأن لديها قاضي، وأنهم يتكلمون العربية، والسبب في ذلك أن المسلمين الصينيين حافظوا على إتصالاتهم مع العالم الإسلامي الكبير، لذلك كان المسلمون يختلفون عن الجيوب السكانية الأخرى مثل المسيحيين النساطرة الذين هاجروا للصين بعد اضطهادهم في الشرق الأوسط قبل الإسلام.

لقد جذبت المجتمعات المسلمة في الصين إنتباه العالم الإسلامي، ويُعزى ذلك بصفة أساسية إلى أن الصين لم تكن تحت حكم إسلامي، ولابتعادها عن المناطق المركزية الإسلامية، فالكتاب الشهير أخبار الصين والهند يخبرنا بأعداد ضخمة عن مجتمعات المسلمين والعرب في جنوب الصين. يبدو من كلام التاجر سليمان الذي أورده في هذا الكتاب أن الوضع السكاني والديموجرافي لمدينة جوانجو كان مقسمًا بين المسلمين والصينيين أنفسهم، فقد عاش المسلمون في مستوطناتهم المستقلة، وأطلق عليها الصينيون اسم (Fānfāng-番坊)، ومن الواضح تمامًا أنهم أرادوا الإبتعاد عن الثقافة الصينية التي تأكل الخنزير وتعبد الأصنام. كانت تلك الجيوب أو المدن الصغيرة مستقلة تمامًا وذاتية الحكم، واحتوت على مساجدهم وأسواقهم وكان جزءًا منها يحتوي على جبانة لهم، وكان شيخ المستعمرة يتم اختياره من قبل التجار ويتم اعتماده لدى الإمبراطور، وكانت قمة أولوياته هي ترويج وتشجيع الأنشطة التجارية لتجار العرب في الصين، وكان يقوم بحل مشاكلهم فيما بينهم وترغيبهم للتجارة مستقبلًا في الصين، وبعد ذلك أصبح القاضي يتم تعيينه من قبل السلطات الصينية.

مسجد الصحابة

للمسجد عديد الأسماء فيُعرف بإسم شانج يوسي (圣友寺-Shèngyǒusì) ومعناه اللغوي مسجد الصحابة، كما يُعرف بإسم مسجد تشينج جينغ سي (Qīngjìngsì-清净寺) وترجمته بالعربية "مسجد السلام والسكينة"، كما يُنسب إلى المدينة لذا يُطلق عليه مسجد تشوانتشو.

الموقع

يقع المسجد في مدينة تشوانتشو بمقاطعة فوجيان جنوب شرقي الصين.

تاريخ المسجد

يعتبر المسجد ثاني أقدم المساجد في الصين، حيث ترجع عمارته الأولى إلى عصر أسرة سونج وذلك عام 400ھ/1009-1010م؛ إلا أن عمارته الحالية –وفقًا للنقوش التذكارية المحفوظة بالمسجد- تعود إلى عام 709ھ/1310م خلال عصر أحد أباطرة أسرة يوان المغولية وهو الإمبراطور ووزونج (武宗-Wǔzōng) (1307-1311م) وذلك على يد أحد التجار الفرس وهو أحمد بن محمد القدس الشيرازي.

الوصف العام للمسجد

يتكون المسجد حاليًا من بيت الصلاة وكتلة المدخل، وقاعة صلاة جاءت عمارتها وفق الطرز الصيني كبديل لبيت الصلاة الأصلي الذي لم يتبق منه سوى الأعمدة. الوصف العام جاء تخطيط المسجد وعمارته مغايرة للعمارة الصينية التقليدية التي تعتمد على الأفنية والهياكل الخشبية ذات الأسقف الجمالونية؛ حيث اتبع المسجد التخطيط التقليدي لمساجد العالم الإسلامي وهو تخطيط الصحن الأوسط المحاط بأروقة، فضلًا عن استخدام مفردات العمارة الإسلامية مثل المداخل المعقودة والواجهات الحجرية الضخمة والتي تطل على الطريق مباشرة؛ وعليه فإن العمارة الفريدة للمسجد والمتمايزة عن العمارة الصينية تجعله المسجد الوحيد بمقاطعات الصين الداخلية الذي جاء وفق طرز العمارة الإسلامية. تبلغ المساحة الكلية للمسجد 2500 متر مربع.

تمثل الواجهة الغربية الواجهة الرئيسة للمسجد وتطل على شارع تومين، وهي واجهة حجرية مرتفعة يتخللها ثمانية نوافذ غير معقودة تفتح على الطريق مباشرة. يتميز المسجد بمدخله الفخم الذي صمم وفق الطراز الإسلامي المنتشر في أسيا الوسطى وبلاد فارس، يبلغ ارتفاع كتلة المدخل 20م، ويعلوا المدخل منصة أو دكة حجرية كانت تستخدم لاستطلاع الأهلة.

المدخل

تتكون كتلة المدخل من مربعين: أحدهما خارجي والآخر داخلي؛ المربع الخارجي سقفه أكثر ارتفاعًا من الداخلي وفي صدر الداخل يوجد مدخل معقود يفضي إلى حجرة مربعة مسقوفة بقبة نصف كروية. كان للمسجد مئذنة خشبية تهدمت خلال القرن الثاني عشر الهجري (السادس عشر الميلادي) بسبب الأحوال الجوية السيئة.

بيت الصلاة

بيت الصلاة يطل بيت الصلاة على الشارع مباشرة عبر ثمانية نوافذ غير معقودة، وهو الأمر الذي لم يظهر في معظم المساجد الصينية والتي كانت عادة ما تكون محددة بأسوار مرتفعة تعزلها عن الخارج. نصل إلى بيت الصلاة عبر مدخل معقود بالواجهة الجنوبية الغربية مقام على منصة حجرية يتقدمها ستة درجات. يشغل بيت الصلاة مساحة مستطيلة طولها 36‚24م وعرضها 53‚19م، يتخللها اثنتي عشرة قاعدة حجرية نظمت في ثلاثة صفوف موازية لجدار القبلة. ويتقدم المساحة مقصورة المحراب في الجهة الغربية وهي عبارة عن مساحة مستطيلة تحتوي على محراب معقود، وتحتوي الحجرة على عديد الدخلات المعقودة التي تتضمن آيات قرآنية كتبت بخط الثلث. يحتوي المسجد على نقوش وألواح تذكارية ترصد إعمار المسجد خلال عصر أسرة يوان وكذلك عصر أسرة مينج.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.