كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 26, 2019 - 599 Views

منشيت إخباري يرجع لعصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون 702هـ

Rate this item
(3 votes)

كتبت  : زهرة الأمير

مفتشة آثار - مركز تسجيل الآثار بالقلعة

مسجل بأحد جدران كنائس البجوات

تقع مقابر البجوات علي بعد 3كم شمال واحة الخارجة بالصحراء الغربية المصرية، وهي جبانة مسيحية يرجع تاريخها من ق 2م إلى ق 7م، وكلمة "بجوات" هي تحريف لكلمة "جبوات" التي هي نطق أهل الوادي لكلمة "قبوات" جمع "قبو" وذلك إشارة لأن كل مقابرالجبانة المبنية باللبن تعلوها قباب. وتتمثل أهميتها البالغة في أنها ترجع لأوائل العصر المسيحي حين فر أقباط مصر بدينهم خوفًا من الإضطهاد الروماني للمسيحية واستقروا في الصحراء بعيدًا عن أيدي الأباطرة الرومان لذلك تعتبر من أهم و أقدم الآثار المسيحية فى مصر. وتشبه هذه الجبانة بشوارعها وهياكلها القائمة مدينة مهجورة تبقي بها 263 هيكلا اكثرها مزخرف من الخارج وقبابها مزينة بمناظر مختلفة من التوراة بالإضافة إلى المناظر المسيحية، وهذه المناظر تتميز بألوانها الزاهية المرسومة بطريقة الفريسكو – وهي خلط الأ لوان بالماء للرسم – وهي طريقة سريعة التآكل والاندثار، ومن هنا جاءت أهمية الجبانة التي استطاعت بمساعدة الجو الجاف للمنطقة الصحراوية الاستمرار والدوام طيلة هذه القرون، ويوجد في العشرات من هياكلها آلاف الكتابات باللغات الإغريقية واللاتينية والقبطية والعربية حيث توجد العديد من المخربشات تتمثل في الكتابات والخطوط التي سجلها زوار البجوات علي مر السنين وتكثر هذه الظاهرة على جدران المقابر المزينة بالصور أو المكسوة بالملاط، ويبلغ مجموعها 63 مخربشة أكثرها مكتوب باللغة العربية وعددها 29 بينما المخربشات الإغريقية 19 والقبطية 12 وتبدأ الكتابات العربية منذ القرن 9م/ 3هـ ومنها هذا النص الذي سجله أحد الأشخاص علي جدران أحد الكنائس ويرجع إلي القرن 14م/8 هـ :

"تزلزلت الأرض يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجه سنة اثنين وسبعمائه وكان اثرا عظيما انهدم ... بالقاهرة أماكن ذكرلنا أن ما تهدم منها ثمانمايه ربع ودور كثير"

وبالبحث في المصادر التاريخية وجدنا ذكر لحدوث زلزال بمصر في ذي الحجة يوم 23 سنة 702هـ أثناء ولاية السلطان الناصر محمد بن قلاوون الثانية الذي تولي السلطنة ثلاث مرات، و يرى المقريزي أن ذلك الزلزال هو عقوبة على ما حدث في رمضان الذي قبله، حيث انتصر المماليك على غازان والتتار في الشام وجاءت البشرى للقاهرة فأقيمت الأفراح والليالي الملاح وظهرت الخمور وتبرجت النساء في كل مكان حتي في نهار رمضان بفكان لابد من العقوبة.
فيقول المقريزي " وفيها كانت الزلزلة العظيمة، وذلك أنه حصل بالقاهرة ومصر في مدة نصب القلاع والزينة من الفساد في الحريم وشرب الخمور ما لايمكن وصفه من خامس شهر رمضان إلى أن قلعت ـ أى الزينة ـ في أواخر شوال ، فلما كان يوم الخميس يوم 23 ذي الحجة عند صلاة الصبح اهتزت الأرض كلها وسمع للحيطان قعقعة وللسقوف أصوات شديدة، وصار الماشي يميل والراكب يسقط حتى تخيل الناس أن السماء إنطبقت على الأرض، فخرجوا في الطرقات رجالاً ونساءاً، ومن شدة الخوف والفزع خرجت النساء مكشوفات الوجه. واشتد الصراخ وعظم الضجيج والعويل وتساقطت الدور وتشققت الجدران وتهدمت مآذن الجوامع والمدارس، ووضع كثير من الحوامل ما في بطونهن، وخرجت رياح عاصفة ففاض ماء النيل حتى ألقى المراكب التي كانت بالشاطئ، وعاد الماء عنها فأصبحت على اليابس وتقطعت مراسيها، واقتلع الريح المراكب السائرة في وسط الماء وحدفها على الشاطئ.. ونتابع المقريزى وهو يقول ( وضاعت للناس أموال كثيرة، فقد خرجوا من بيوتهم مفزوعين وقد تركوا خلفهم بيوتهم بكل ما فيها وقد ذهلوا عن أموالهم، وسرعان ما دخلها اللصوص وسرقوها، وترك الناس القاهرة إلى خارجها، ونصبوا الخيم من بولاق إلى الروضة وباتوا فيها. ولم تكد دار في القاهرة تسلم من الهدم أو الفوضى، وسقطت المنشئات التي في أعلى البيوت، ولم تبق دار إلا وعلى بابها التراب والطوب، وبات الناس ليلة الجمعة بالجوامع والمساجد يدعون الله تعالى إلى وقت صلاة الجمعة... وعن الزلزال خارج القاهرة يقول المقريزى: (وتواترت الأخبار من الغربية بسقوط جميع دور مدينة سخا حتى لم يبق بها جدار قائم وصارت كوماً، وأن ضيعتين بالشرقية خربتا حتى صارتا كوماً، وقدم الخبر من الأسكندرية بأن المنارة انشقت وسقط من أعلاها نحو الأربعين شرفة، وان البحر هاج وألقى الريح العاصف أمواجه حتى وصل باب البحر، وصعد بالمراكب الأورربية على البر، وسقط جانب كبير من السور المقام على الشط، ومات جمع كبير من الناس.. وقدم الخبر من الوجه القبلي بأن في اليوم المذكور هبت ريح سوداء مظلمة حتى لم ير أحدٌ أحداً لمدة ساعة، ثم ماجت الأرض وتحركت وظهر من تحتها رمل أبيض وفي بعض المواضع رمل أحمر، وكشط الريح مواضع بين الأرض فظهر من داخل الأرض عمائر قديمة ــ فرعونية ــ كانت الرمال قد أخفتها، وخربت مدينة قوص، وقدم الخبر من البحيرة أن دمنهور لم يبق بها بيت عامر.

وعن طبيعة الزلزال والهزات التالية الناتجة عنه يقول المقريزى يعكس ثقافة عصره عن الزلازل : واستمرت الزلزلة خمس درجات ( بمقياس العصر المملوكي وليس بمقياس ريختر ) إلا أن الأرض أقامت عشرين يوماً ترجف، وهلك تحت الردم خلائق لا تحصى، وكان الزمان صيفا فتوالى بعد ذلك رياح شديدة الحرارة عدة أيام.

ويقول كذلك عما حدث بعد هدوء الأرض وسكوت الزلازل : ( واشتغل الناس بالقاهرة ومصر مدة طويلة في ترميم المباني وإعادة بنائها، وارتفعت أسعار مواد البناء لكثرة الطلب عليها لأن القاهرة أصبحت لمن يراها كأن جيشاً أغار عليها وخربها.

ثم يعود المقريزى ليؤكد الحجة المعروفة من ان الفسق والفجور والعصيان أسباب الزلزال ، لذا أقلع الناس عنها، يقول المقريزي " فكان ذلك من لطف الله تعالى بعباده، فإنهم رجعوا عن بعض ما كانوا عليه من اللهو والفساد أيام الزينة، وفيهم من أقلع عن ذلك لكثرة ما توارد من الأخبار من بلاد الفرنج وسائر الأقطار مما كان من هذه الزلزلة."

ويدل ورود ذكر هذا الحدث علي جدران مقابر البجوات عن عظم الحدث من جهة و من جهة أخري علي إتصال أقطار مصر ووحده أراضيها عبر العصور المختلفة وعدم إنقطاع الأخبار و الأحداث بالرغم من بعد المسافات وصعوبة الطرق آنذاك

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.